فحياة الإنسان ـ كل إنسان ـ فى هذه الدنيا، هى شدائد، ومعاناة.
فما يسلم إنسان أبدا من هموم الحياة وآلامها، النفسية، أو الجسدية، فكم يفقد الإنسان من صديق وحبيب ؟ وكم يتداعى على جسده من أمراض وعلل ؟ وكم ؟
وكم ؟ مما يطرق الناس من أحداث على مر الأيام، وكر الليالى ؟ فالشباب يذبل ويولّى، والقوة تتبدد وتصبح وهنا وضعفا، وهذا الجسد الذي ملأ الدنيا حياة وحركة سيعصف به الموت يوما، ويلقى به فى باطن الأرض، جثة هامدة متعفنة، لا تلبث أن تصير ترابا!.
فالإنسان وحده من بين المخلوقات ـ فيما نعلم ـ هو الذي تستبدّ به هذه المخاوف، وتطرقه هذه التصورات، على خلاف سائرا لأحياء التي تقطع مسيرتها فى الحياة، فى غير قلق أو إزعاج من المستقبل الذي ينتظرها.. إنها لا تنظر إليه، ولا تتصوره، ولا تعيش فيه قبل أن يصبح واقعا..
أما الإنسان، فإنه يعيش فى المستقبل أكثر مما يعيش فى الواقع، حتى إنه ليرى بعين الغيب فى يوم مولده، ما هو مقبل عليه من آلام ومكابدات فى مستقبل حياته.. يقول ابن الرومي.
لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلّا فما يبكيه منها، وإنها لأرحب مما كان فيه وأرغد
هذا هو الإنسان، وتلك هى مسيرته فى الحياة، فلا يفترنّ جاهل بقوته، ولا يركننّ مغرور إلى ما بين يديه من مال وسلطان.. فكل زائل وقبض الريح!..
قوله تعالى :« أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ » ؟
هو إلفات لهذا المغرور بقوته، المعتزّ بسلطانه وجاهه، المفتون بنفسه، المتشامخ بذاته، حتى ليحسب أن أحدا لن يقدر عليه، ولن يسلبه شيئا مما معه..
إنه أضعف من أن يثبت لنخسة من نخسات الحياة، كما يقول سبحانه :« اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً » (٥٤ : الروم) ويقول سبحانه :« وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً » (٢٨ : النساء) وإن بعوضة تلسعه لتحرق جسده بالحمى، وإن جرثومة تتدسس إلى كيانه لتهدّ بنيانه، وتقوض أركانه!! ثم ما قوة هذا الإنسان ؟ أهو أقوى من خالقه الذي خلقه من نطفة ثم سواه رجلا ؟
فما أضعف الإنسان، وما أخف وزنه، إذا كان معياره قائما مع هذا الجسد، دون أن يكون لروحه حساب، أو لنفسه اعتبار! وقوله تعالى :« يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً » هكذا يقول الإنسان مباهيا مفاخرا بما أنفق من مال..
واللبد : الكثير، الذي جمع بعضه إلى بعض، فكان أكداسا مكدسة..