:« فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ » (١٣٧ : البقرة). (١)
أي قل لهم : إنه اللّه الرحمن الذي آمنا به وحده، لا نشرك به شيئا، وعليه توكلنا في جميع أمورنا، لا على غيره. والتوكل : تفويض الأمور إليه عز وجل، كما قال تعالى : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود ١١/ ١٢٣]. ولهذا قال تعالى : فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي ستدركون من هو في خطأ واضح منا ومنكم، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة. وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال. وإذا كان هذا حالهم فكيف يقبل اللّه دعاءهم على المؤمنين؟
ثم ذكر اللّه تعالى الدليل على وجوب التوكل عليه لا على غيره، فقال مظهرا الرحمة في خلقه :« قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ » هو تهديد للكافرين بأن يسلط اللّه تعالى عليهم البلاء فى الدنيا، وأن يرميهم بالمكاره، وأن ينزع عنهم نعمه التي يعيشون فيها. فلو أن اللّه سبحانه ذهب بهذا الماء الذي هو قوام حياتهم، وحياة حيوانهم ونباتهم، فمن يأتيهم بجرعة ماء منه ؟
وغور الماء : هو ذهابه غائرا فى الأرض، أي منسربا فيها، ضائعا فى بطنها. والماء العين، هو الماء الذي يفيض من العيون.. وفى الآية الكريمة إشارة إلى النبي الكريم، وإلى القرآن الذي بين يديه، أنه هو الحياة التي منها حياة القلوب والنفوس، وأنه لو ذهب هذا النبي ـ كما يتمنون ـ لكان فى هذا هلاكهم، وضياعهم، بذهاب مصدر الهدى والنور لهم. إنه لن يأتيهم نبى بعده، ولن ينزل عليهم من اللّه كتاب بعد هذا الكتاب، الذي إن فاتهم حظهم منه، فقد فاتهم ماء الحياة، وغذاء الأرواح. " (٢)
أي قل لهم يا محمد : أخبروني إن صار ماؤكم الذي جعله اللّه لكم في العيون والآبار والأنهار لمنافعكم المتعددة غائرا ذاهبا في الأرض إلى أسفل بحيث لا ينال

(١) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (١٥ / ١٠٧٢)
(٢) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (١٥ / ١٠٧٣)


الصفحة التالية
Icon