بالدلاء وغيرها، فمن الذي يأتيكم بماء كثير جار لا ينقطع، أي لا يأتيكم به أحد إلا اللّه تعالى، وذلك بالأمطار والثلوج والأنهار، فمن فضله وكرمه أن أنبع لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض لتحقيق حاجة الناس قلة وكثرة.
والمقصود أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه، ليريهم قبح ما هم عليه من الكفر.
فإذا كان لا بد وأن يقولوا : هو اللّه، فيقال لهم حينئذ : فلم لا تجعلون من لا يقدر على شيء أصلا شريكا له في المعبودية؟
والآية دليل على وجوب الاعتماد على اللّه تعالى في كل حاجة، مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته، وإشارة إلى أن الفتوح العقلي لا يتيسر إلا بإعانة اللّه تعالى. ونظير الآية : أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة ٥٦/ ٦٨ - ٦٩].
" وهذا الماء الذي تشربون.. ألا تفكرون من أين جاء ؟ ألا تنظرون فيه وفى هذا الماء الملح الذي يملأ وجه الأرض ؟ من فصل بينهما ؟ ومن أخرج لكم من هذا الماء الملح، هذا الماء العذب الفرات ؟ أأنتم الذين صنع هذا الصنيع، وأنشأ من هذا الماء الملح سحابا يحمل الماء العذب، وينشىء منه الأنهار، ويفجر العيون ؟
أأنتم أنزلتموه من المزن، أي السحب، أم نحن المنزلون ؟ ! أجيبوا!!
ولا جواب إلا التسليم والإقرار، بأن اللّه سبحانه هو الذي صنع لكم هذا الذي صنع! ولو شاء اللّه سبحانه وتعالى، لجعل هذا الماء العذب على حاله التي كان عليها من قبل أن يخرج من رحم البحار، كما خرجتم أنتم من أرحام أمهاتكم، وكما خرج النبات من رحم الأرض.. " (١)
"وهذا الماء أصل الحياة، وعنصرها الذي لا تنشأ إلا به كما قدر اللّه. ما دور الإنسان فيه؟ دوره أنه يشربه. أما الذي أنشأه من عناصره، وأما الذي أنزله من سحائبه، فهو اللّه سبحانه. وهو الذي قدر أن يكون عذبا فكان «لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ

(١) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (١٤ / ٧٢٨)


الصفحة التالية
Icon