فهذه الآيات التي تحتج بها المجبرة تدل على فساد مذهب النفاة، كما أن الآيات التي يحتج بها النفاة التي تدل على أنه حكم عادل، لا يظلم مثقال ذرة، وأنه لم يخلق الخلق عبثًا ونحو ذلك، تدل على فساد قول المجبرة، وليس في هذه الآيات ولا هذه ما يدل على صحة قول واحدة من الطائفتين، بل ما تحتج به كل طائفة يدل على فساد مذهب الأخرى، وكلا القولين باطل. وهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ في الحديث الذي في المسند وغيره وبعضه في صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه خرج على أصحابه وهم يتمارون في القَدَر، هذا يقول : ألم يقل اللّه كذا ؟ وهذا يقول : ألم يقل اللّه كذا ؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال :( أبهذا أمرتم ؟ أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض ؟ ) ؛ ولهذا قال أحمد في بعض مناظرته- لمن صار يضرب الآيات بعضها ببعض : إنا قد نهينا عن هذا.
فمن دفع نصوصًا يحتج بها غيره لم يؤمن بها، بل آمن بما يحتج، صار ممن يؤمن ببعض الكتاب ويَكْفُر ببعض.
وهذا حال أهل الأهواء، هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، وقد تركوا كلهم بعض النصوص وهو ما يجمع تلك الأقوال، فصاروا كما قال عن أهل الكتاب :﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [ المائدة : ١٤ ].