فالظرف والحال -هنا- كلمة وليست مفردًا؛ ولهذا اشتبه عليهم. فإن المفرد لا يمكن أن يكون في اللفظ صفة لهذا وهذا. فإذا قلت : ضربت زيدًا قاعدًا، فالقعود حال للفاعل أو المفعول. وإذا قلت : ضربته والناس / قعود، فليس هذه الحال من أحدهما دون الآخر، بل هي مقارنة للضرب المتعلق بها، كأنه قال : ضربته في زمان قعود الناس. فهو ظرف للفعل المتعلق بالفاعل والمفعول، بخلاف ما إذا قلت : ضربته في حال قعودي أو قعوده، فهذا يختلف.
والآية فيها ﴿ إِلَهًا وَاحِدًا ﴾. فهذه حال من المعبود بلا ريب. فلزم أنهم إنما عبدوه في حال كونه إلهًا واحدًا، وهذه لازمة له.
وإذا قيل : المراد في حال كونه معبودًا واحدًا لا نتخذ معه معبودًا آخر، فهذه حال ليست لازمة، لكنه صفة للعابدين، لا له. قيل : هذا ليس فيه مدح له، ولا وصف له بأنه يستحق الإلهية. لكن فيها وصفهم فقط.
وأيضًا. فقوله :﴿ إِلَهًا وَاحِدًا ﴾، كقوله :﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ [ البقرة : ١٦٣ ] فهو في نفسه إله واحد وإن جعل معه المشركون آلهة بالافتراء والحب. فيجب أن يكون المراد ما دل عليه هذا الاسم.
ولو أرادوا ذلك المعني لقالوا : نعبده مخلصين له الدين. وهذا المعني قد ذكروه في الجملة الثانية، وهي قولهم :﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾، لا سيما إذا جعلت حالا، أى : نعبده إلها واحدًا في حال إسلامنا له. / وإسلامهم له يتضمن إخلاص الدين له، وخضوعهم، واستسلامهم لأحكامه، بخلاف غير المسلمين.
ولهذا قال آمرًا للمؤمنين أن يقولوا :﴿ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [ البقرة : ١٣٦ ].


الصفحة التالية
Icon