والقصد هنا أن من كان عنده أن قول المعتزلة مثلًا، أو قول المعتزلة والكرامية، أو قول هؤلاء وقول الكلابية، أو قول هؤلاء وقول السالمية، هو باطل من أقوال أهل البدع، لم يبق عنده قول أهل السنة إلا القول الآخر الذي هو ـ أيضًا ـ من الأقوال المبتدعة المخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول، فيفرع على ذلك القول ما يضيفه إلى السنة، ثم إذا تدبر نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف، وجدها تخالف ذلك القول أصلًا وفرعًا، كما وقع لمن أنكر فضل [ فاتحة الكتاب ] و [ آية الكرسي ] و ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ على غيرها من القرآن، فإن عمدتهم ما قدمته من الأصل الفاسد. أما كون الكلام واحدًا، فلا يتصور فيه/تفاضل ولا تماثل ولا تعدد. وأما كون صفات الرب لا تتفاضل ـ وربما قالوا : القديم لا يتفاضل، وهو من جنس قول الجهمية والمعتزلة ونحوهم : القديم لا يتعدد، فهذا لفظ مجمل، فإن القديم إذا أريد به رب العالمين، فرب العالمين إله واحد لا شريك له، وإذا أريد به صفاته، فمن قال : إن صفات الرب لا تتعدد، فهو يقول : العلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة، والسمع والبصر هو العلم. وقد يقول بعضهم أيضا : العلم هو الكلام. ويقول آخرون : العلم والقدرة هو الإرادة، ثم قد يقولون : إن الصفة هي الموصوف، فالعلم هو العالم، والقدرة هي القادر. وهذه الأقوال صرح بها نفاة الصفات من الفلاسفة والجهمية ونحوهم كما حكيت ألفاظهم في غير هذا الموضع. ومعلوم أن في هذه الأقوال من مخالفة المعقول الصريح والمنقول الصحيح ـ بل مخالفة المعلوم بالاضطرار للعقلاء. والمعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ودين الرسل ـ ما يبين أنها في غاية الفساد شرعًا وعقلًا.


الصفحة التالية
Icon