ثم إن هؤلاء تأولوا نصوص الكتاب والسنة بتأويلات باطلة، منهم من قال : المراد بكونه أعظم وأفضل وخيرًا كونه عظيما في نفسه، وامتنع هؤلاء من إجراء التفضيل عليه. وحكي هذا عن الأشعري وابن الباقلاني وجماعة غيرهما. ومعلوم أن من تدبر ألفاظ الكتاب والسنة، تبين له أنها لا تحتمل هذا المعنى، بل هو من نوع القرمطة، فإن الله/ـ تعالى ـ يقول :﴿ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ﴾ [ الزمر : ٢٣ ]، وقال النبي ﷺ لأُبي :( أتدري أي آية معك في كتاب الله أعظم ؟ )، وقال :( لأعلمنك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها )، إلى غير ذلك مما تقدم ذكره.
ومنهم من قال : بل المراد بقوله :﴿ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ [ البقرة : ١٠٦ ]، أي : خير منها لكم، أي : أكثر ثوابًا أو أقل تعبًا، وقال : ما دل على أن بعضه أفضل من بعض، فليس هو تفضيلًا لنفس الكلام، بل لمتعلقه. وهو أن تلاوة هذا والعمل به يحصل به من الأجر أكثر مما يحصل بالآخر. فيقال لهؤلاء : ما ذكرتموه حجة عليكم، مع ما فيه من مخالفة النص. وذلك أن كون الثواب على أحد القولين أو الفعلين أكثر منه على الثاني، إنما كان لأنه في نفسه أفضل؛ ولهذا إنما تنطق النصوص بفضل القول والعمل في نفسه، كما قد سئل النبي ﷺ غير مرة : أي العمل أفضل ؟ فيجيب بتفضيل عمل على عمل، وذلك مستلزم لرجحان ثوابه. وأما رجحان الثواب مع تماثل العملين، فهذا مخالف للشرع والعقل.


الصفحة التالية
Icon