وأيضًا، فقول القائل : إنه ليس بعض ذلك خيرًا من بعض بل بعضه أكثر ثوابًا، رد لخبر الله الصريح، فإن الله يقول :﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ [ البقرة : ١٠٦ ]، فكيف يقال : ليس بعضه خيرًا من بعض ؟ وإذا كان الجميع متماثلًا في نفسه، امتنع أن يكون فيه شيء خيرًا من شيء. وكون معنى الخير أكثر ثوابا مع كونه متماثلا في نفسه، أمر لا يدل عليه اللفظ حقيقة ولا مجازًا، فلا يجوز حمله عليه، فإنه لا يعرف قط أن يقال : هذا خير من هذا وأفضل من هذا مع تساوي الذاتين بصفاتهما من كل وجه، بل لابد ـ مع إطلاق هذه العبارة ـ من التفاضل ولو ببعض الصفات، فأما إذا قدر أن مختارًا جعل لأحدهما مع التماثل ما ليس للآخر مع استوائهما بصفاتهما من كل وجه، فهذا لا يعقل وجوده، ولو عقل لم يقل : إن هذا خير من هذا أو أفضل لأمر لا يتصف به أحدهما البتة.
وأيضا، ففي الحديث الصحيح أنه قال في الفاتحة :( لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها )، فقد صرح الرسول/ بأن الله لم ينزل لها مثلًا، فمن قال : إن كل ما نزل من كلام الله فهو مثل لها من كل وجه، فقد ناقض الرسول في خبره.
وأيضا، فقد تقدم قوله :﴿ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ﴾ [ الزمر : ٢٣ ]، ومع تماثل كل حديث لله، فليس القرآن أحسن من التوراة والإنجيل. وكذلك تقدم ما خص الله به القرآن من الأحكام.