والنبي ﷺ سأل أبيًا :( أي آية في كتاب اللّه أعظم ؟ ) فأجابه أبي بأنها آية الكرسي، فضرب بيده في صدره وقال :( ليَهَنك العلم أبا المنذر ). ولم يستشكل أُبي ولا غيره السؤال عن كون بعض القرآن أعظم من بعض، بل شهد النبي ﷺ بالعلم لمن عرف فضل بعضه على بعض وعرف أفضل الآيات، وكذلك قوله تعالى :﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ﴾ [ البقرة : ١٠٦ ].
وما رأيتهم تنازعوا في تفسير ﴿ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾، فإن هذه الآية فيها قراءتان مشهورتان : قراءة الأكثرين :﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ من أنساه ينسيه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو :[ أو ننسأها ] بالهمز من نسأه ينسأه. فالأول من النسيان، والثاني من نسأ إذا أخر. قال أهل اللغة : نَسَأْتُةُ نَسأ : إذا أَخَّرْتُهُ. وكذلك أنسأته، يقال : نسأته البيع وأنسأته. قال الأصمعي : أنسأ اللّه في أجله ونسأ في أجله بمعنى. ومن هذه المادة بيع النسيئة. ومن كلام العرب : من أراد النَّسَاء ولا نَسَاء، فليبكر الغداء، وليخفف الرداء، وليقلل من غشيان النِّساء.
فأما القراءة الأولى فمعناها ظاهر عند أكثر المفسرين، قالوا : المراد به ما أنساه اللّه من القرآن كما جاءت الآثار بذلك، فإن ما يرفع/من القرآن إما أن يكون رفعًا شرعيًا بإزالته من القلوب وهو الإنساء، فأخبر ـ تعالى ـ أن ما ينسخه أو ينسيه، فإنه يأتي بخير منه أو مثله، بين ذلك فضله ورحمته لعباده المؤمنين، فإنه قال قبل ذلك :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾