[ البقرة : ١٠٤، ١٠٥ ]، فنهاهم عن التشبه بأهل الكتاب في سوء أدبهم على الرسول وعلى ما جاء به، وأخبر أنهم لحسدهم ما يودون أن اللّه ينزل عليه شيئا من الكتاب والحكمة، ثم أخبر بنعمته على المؤمنين، فإنه قد كان بعض القرآن ينسخ وبعضه ينسى ـ كما جاءت الآثار بذلك ـ وما أنساه ـ سبحانه ـ هو مما نسخ حكمه وتلاوته، بخلاف المنسوخ الذي يتلى وقد نسخ ما نسخ من حكمه أو نسخ تلاوته ولم ينس، وفي النسخ والإنساء نقص ما أنزله على عباده.
فبين ـ سبحانه ـ أنه لا نقص في ذلك، بل كل ما نسخ أو ينسى فإن اللّه يأتي بخير منه أو مثله، فلا يزال المؤمنون في نعمة من اللّه لا تنقص بل تزيد، فإنه إذا أتي بخير منها زادت النعمة، وإن أتي بمثلها، كانت النعمة باقية، وقال تعالى :﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ [ البقرة : ١٠٦ ]، فأضاف الإنساء إليه، فإن هذا الإنساء ليس مذمومًا، بخلاف نسيان ما يجب حفظه، فإنه مذموم/ فإن هذا إنساء لما رفعه اللّه، وأما نسيان ما أمر بحفظه فمذموم، قال تعالى :﴿ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ﴾
[ طه : ١٦٢ ]، وهذا النسيان وإن كان متضمنًا لترك العمل بها مع حفظها فإذا نسيت الآيات بالكلية حتى لا يعرف ما فيها، كان ذلك أبلغ في ترك العمل بها فكان هذا مذموما. قال النبي ﷺ في الحديث الذي في السنن :( من قرأ القرآن ثم نسيه، لقي اللّه وهو أجذم )، ولهذا كره النبي ﷺ أن يضيف الإنسان النسيان إلى نفسه، فقال في الحديث المتفق عليه :( بئس ما لأحدهم أن يقول : نسيت آية كيت وكيت، بل هو أنسي. استذكروا القرآن فلهو أشد تفلتًا من صدور الرجال من النعم من عقلها ).