ثم منهم من جعل ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ [ البقرة : ١٠٦ ] هو ما ترك تلاوته ورسمه ونسخ حكمه، وما أنسي هو ما رفع فلا يتلي. ومنهم من أدخل في الأول ما نسخت تلاوته وإن كان محفوظًا. فالأول قول مجاهد وأصحاب عبد اللّه بن مسعود، وروى الناس بالأسانيد الثابتة عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قوله :﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ قال : نثبت خطها ونبدل حكمها، قال : وهو قول عبد اللّه بن مسعود ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ أي : نمحوها فإن ما نسي لم يترك. وروى ابن أبي حاتم بإسناده، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : كان مما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل/وينساه بالنهار، فأنزل اللّه :﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ [ البقرة : ١٠٦ ]. وكذلك روي عن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن كعب وقتادة وعكرمة. وكان سعد بن أبي وقاص يقرأها [ أَوْ نُنسِهَا ] بالخطاب، أي : تنسها أنت يامحمد، وتلا قوله :﴿ سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى ﴾ [ الأعلى : ٦ ]، وقوله :﴿ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ [ الكهف : ٢٤ ].
وقد جاءت الآثار بأن أحدهم كان يحفظ قرآنًا ثم ينساه، ويذكرون ذلك للنبي ﷺ فيقول :[ إنه رفع ]، مثل ما صح من حديث الزهري، حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف ـ في مجلس سعيد بن المسيب ـ أن رجلًا كان معه سورة فقام يقرأها من الليل فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها فلم يقدر عليها، فأصبحوا فأتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم : ذهبت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا فلم أقدر عليها. وقال الآخر : ما جئت إلا لذلك. وقال الآخر : ما جئت إلا لذلك، وقال الآخر : وأنا يا رسول اللّه. فقال رسول اللّه ﷺ :( إنها نسخت البارحة ).


الصفحة التالية
Icon