والنوع الثالث : أن تكون الحكمة ناشئة من نفس الأمر، وليس في الفعل البتة مصلحة، لكن المقصود ابتلاء العبد هل يطيع أو يعصي ؟ فإذا اعتقد الوجوب وعزم على الفعل، حصل المقصود بالأمر فينسخ حينئذ. كما جرى للخليل في قصة الذبح، فإنه لم يكن الذبح مصلحة، ولا كان هو مطلوب الرب في نفس الأمر، بل كان مراد الرب ابتلاء إبراهيم ليقدم طاعة ربه ومحبته على محبة الولد، ولا يبقي في قلبه التفات إلى غير الله، فإنه كان يحب الولد محبة شديدة، وكان قد سأل الله أن يهبه إياه ـ وهو خليل الله ـ فأراد ـ تعالى ـ تكميل خلته لله بألا يبقي في قلبه ما يزاحم به محبة ربه ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ ﴾ [ الصافات : ١٠٣ : ١٠٦ ] ومثل هذا الحديث الذي في صحيح البخاري، حديث أبرص وأقرع وأعمي، كان المقصود ابتلاءهم لا نفس الفعل. وهذا الوجه والذي قبله مما خفي على المعتزلة، فلم يعرفوا وجه الحكمة الناشئة من الأمر، ولا من المأمور لتعلق الأمر به، بل لم يعرفوا إلا الأول. والذين أنكروا الحكمة عندهم الجميع سواء، لا يعتبرون حكمة، ولا تخصيص فعل بأمر، ولا غير ذلك، كما قد عرف من أصلهم.


الصفحة التالية
Icon