الباهرة» التي وصفنا - مع تناسق منهج العرض في شتى المشاهد كما سنبين - وتأخذ على النفس أقطارها بالروعة الباهرة، وبالحيوية الدافقة، وبالإيقاع التصويري والتعبيري والموسيقي وبالتجمع والاحتشاد ومواجهة النفس من كل درب ومن كل نافذة! ونحن - سلفا - على يقين أننا لسنا ببالغين شيئا في نقل إيقاعات هذه السورة إلى أي قلب إلا بأن ندع السورة ذاتها تنطلق بسياقها الذاتي، وإيقاعها الذاتي، إلى هذا القلب.. لسنا ببالغين شيئا بالوصف البشري والأسلوب البشري.. ولكنها مجرد المحاولة لإقامة القنطرة بين المعزولين عن هذا القرآن - بحكم بعدهم عن الحياة في جو القرآن - وبين هذا القرآن! والحياة في جو القرآن لا تعني مدارسة القرآن وقراءته والاطلاع على علومه.. إن هذا ليس «جو القرآن» الذي نعنيه.. إن الذي نعنيه بالحياة في جو القرآن : هو أن يعيش الإنسان في جو، وفي ظروف، وفي حركة، وفي معاناة، وفي صراع، وفي اهتمامات.. كالتي كان يتنزل فيها هذا القرآن.. أن يعيش الإنسان في مواجهة هذه الجاهلية التي تعم وجه الأرض اليوم، وفي قلبه، وفي همه، وفي حركته، أن «ينشئ» الإسلام في نفسه وفي نفوس الناس، وفي حياته وفي حياة الناس، مرة أخرى في مواجهة هذه الجاهلية. بكل تصوراتها، وكل اهتماماتها وكل تقاليدها، وكل واقعها العملي وكل ضغطها كذلك عليه، وحربها له، ومناهضتها لعقيدته الربانية، ومنهجه الرباني وكل استجاباتها كذلك لهذا المنهج ولهذه العقيدة بعد الكفاح والجهاد والإصرار..
هذا هو الجو القرآني الذي يمكن أن يعيش فيه الإنسان فيتذوق هذا القرآن.. فهو في مثل هذا الجو نزل، وفي مثل هذا الخضم عمل.. والذين لا يعيشون في مثل هذا الجو معزولون عن القرآن مهما استغرقوا في مدارسته وقراءته والاطلاع على علومه..
والمحاولة التي نبذلها لإقامة القنطرة بين المخلصين من هؤلاء وبين القرآن، ليست بالغة شيئا، إلا بعد أن يجتاز هؤلاء القنطرة ويصلوا إلى المنطقة الأخرى ويحاولوا أن يعيشوا في «جو القرآن» حقا بالعمل والحركة.
وعندئذ فقط سيتذوقون هذا القرآن ويتمتعون بهذه النعمة التي ينعم اللّه بها على من يشاء..
هذه السورة تعالج قضية العقيدة الأساسية.. قضية الألوهية والعبودية.. تعالجها بتعريف العباد برب العباد..
من هو؟ ما مصدر هذا الوجود؟ ماذا وراءه من أسرار؟ من هم العباد؟ من ذا الذي جاء بهم إلى هذا الوجود؟
من أنشأهم؟ من يطعمهم؟ من يكفلهم؟ من يدبر أمرهم؟ من يقلب أفئدتهم وأبصارهم؟ من يقلب ليلهم ونهارهم؟ من يبدئهم ثم يعيدهم؟ لأي شيء خلقهم؟ ولأي أجل أجلهم؟ ولأي مصير يسلمهم؟.. هذه