ولكن هذا القبول من الأمة لمنهج التحسين لا يلغي مسؤولية القراء والعلماء التي تعاظمت إثر ذلك، فأصبح كثير من المتواتر من القراءات لا يمكن أن يدل له الرسم القرآني، إذ أن أي تحسين في الرسم يتضمن في الوقت ذاته قيداً جديداً على الرسم يحول دون إمكان دلالته على الوجوه الأخرى.
وتجدر الإشارة إلى أن المصاحف المطبوعة اليوم أربعة، وهي: مصحف حفص ومصحف قالون ومصحف ورش ومصحف الدوري، وهي منقوطة ومشكولة بما يوافق رواية كلٍ منهم، وكذلك فإن التحسينات التي طرأت على رسم هذه المصاحف إنما تتجه إلى ضبط رواية الإمام المقصود، وهو يعني غياب الوجوه الأخرى التي قرأ بها الرواة التسعة عشر الباقون، مما خالفوا فيه الإمام صاحب الرواية.
وقد التزمت هذه الدراسة ما يتصل بمصحف حفص، إذ هو أكثر المصاحف شيوعاً في العالم الإسلامي اليوم.
ويجب أن نؤكد مرة أخرى أن رواية حفص ليست أولى بالقبول من سواها إذ الكل هنا متواتر، ولا يقال إن بعضه أوثق من بعض، وإنما شاعت القراءة برواية
حفص بدءاً من أول هذا القرن حينما نشطت حركة طباعة المصاحف من مصر وتركيا اللتين كانتا تقرآن بقراءة عاصم من رواية حفص.
وقد تبين لي أن عامة المصاحف التي خطها أهل الشام حتى القرن الماضي، والتي لا تزال موجودة في المساجد القديمة إنما كتبت موافقة لقراءة أبي عمرو البصري مما يؤكد أن قراءة أبي عمرو هي التي كانت سائدة في الشام(٥٥٦).
وقد كانت الشام حتى القرن الثالث الهجري تقرأ لإمامين جليلين هما إبراهيم بن أبي عبلة العقيلي، وعبد الله بن عامر اليحصبي(٥٥٧)، ثم غلبت قراءة ابن عامر بعد أن حرر الأئمة إسنادها، وأثبتوا تواترها، ثم تحول أهل الشام عنها بدءً من القرن الرابع الهجري إلى قراءة أبي عمرو البصري، وبقي الأمر على هذه الحال إلى القرن الماضي حيث ظهرت طباعة المصاحف في استنبول والقاهرة، وفق رواية حفص عن عاصم، وشاعت في العالم الإسلامي، حتى غلبت على أكثر الأمصار.


الصفحة التالية
Icon