إجماع الأمة المعصوم من الخطأ بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين على تلقِّي ما نُقِل في المصاحف العثمانية التي أرسلها إلى الأمصار بالقبول، وعلى ترك ما سوى ذلك.(٤)
فهذا إجماعٌ من الأمة على ما تضمنته هذه المصاحف، وعلى ترك ما خالفها من زيادة ونقص، وإبدال كلمةٍ بأخرى، أو حرف بآخر.
ولذلك جعل الأئمة موافقة الرسم العثماني ولو احتمالاً شرطًا لقبول القراءة، فقالوا: كل قراءة ساعدها خط المصحف، مع صحة النقل، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب، فهي المعتبرة.(٥)
ومِمَّن حكى إجماع الأمة على ما كتب عثمان - رضي الله عنه - الإمام أبو عمرو الداني، وروى بإسناده عن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان - رضي الله عنه - المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعِبْ ذلك أحدٌ.(٦)
وقال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن من نقص حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدله بحرفٍ مكانه، أو زاد فيه حرفًا مِمَّا لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع، وأُجمع على أنه ليس من القرآن -عامدًا لكل هذا، فهو كافر.(٧)
قال البيهقي: مَن كَتَب مصحفًا، فينبغي أن يحافظ على الهجاء التي كتبوا بِها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مِمَّا كتبوه شيئًا؛ فإنَّهم كانوا أكثرَ علمًا، وأصدقَ قلبًا ولسانًا، وأعظمَ أمانةً منَّا، فلا ينبغي لنا أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم، ولا تسَقُّطًا لَهم.(٨)
وعن زيد بن ثابت قال: القراءة سنةٌ، قال سليمان بن داود الهاشمي: يعني ألا تخالف الناس برأيك في الاتباع.(٩)
قال البيهقي: إنما أراد -والله أعلم- أن اتباع مَن قبلنا في الحروف وفي القراءات سنةٌ متبعةٌ، ولا يجوز مخالفة المصحف الذي هو إمامٌ، ولا مخالفة القراءة التي هي مشهورةٌ، وإن كان غيرُ ذلك سائغًا في اللغة، أو أظهرَ منها.(١٠)