وذهب بعضٌ آخر إلى أن الكتاب العربي وضع زمن إسماعيل - عليه السلام -، فقد أخرج ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل.(٨)
كما أن دعواه اضطرابَ الصحابة في كتابة المصاحف، ومخالفتهم ما اقتضته صناعة الخط بغير مسوغٍ، فهي اتِّهام لهم بالبلادة وعدم الفهم، كما أسلفنا.
ودعواه -رحمه الله- أن السلف من التابعين ومن بعدهم إنَّما اقتفوا أثر الصحابة في كتابة المصاحف لِمجرد التبرك اتِّهامٌ للأمة جميعها بالتقليد الأعمى، وعدم النظر لِما يصلح دينها.
ومن الواضح البيِّن عدم إصابته -رحمه الله- في ادعاء أن عدم إجادة الخط ليس نقصًا، كيف ذلك، والعقلاء متفقون على أن الأمية نقصٌ يتنَزه عنه عوام الناس، فضلاً عن علمائهم.
وإنَّما لم تكن الأمية نقصًا في حق نبينا - ﷺ - لِما أنَّها كانت آية صدقه، إذ مع كونه أميًّا، كان قد حاز من العلوم ما لم يصل إليه غيره من البشر، فكان النقص في حق غيره علامة كمالٍ في حقه - ﷺ -، ـ(٩) وتبقى الأمية في حق بقية البشر نقصًا يتنَزه عنه عقلاؤهم.
قال العلامة المارغني معرِّضًا بابن خلدون في رأيه هذا: وقد بلغ التهوُّر ببعض المؤرخين إلى أن قال في مرسوم الصحابة ما لا يليق بعظيم علمهم الراسخ، وشريف مقامهم الباذخ، فإياك أن تغترَّ به.(١٠)
وأما كلام القاضي الباقلاني فيناقش أيضًا بأن أدلة الجمهور القائلين بوجوب اتباع الرسم العثماني بعضها من السنة، وبعضها من إجماع الصحابة، وهذا يردُّ دعواه عدمَ الدليل على وجوب اتباع رسم المصاحف العثمانية.
وأما قوله: "ولذلك اختلفت خطوط المصاحف … الخ" فغير مسلَّمٍ، لأن الإجماع قد انعقد، وعلم الناس الرسم التوقيفي، كما أن ما ذكره من صور اختلاف الخطوط لا يعدو التغير في صورة الحرف، لا في رسم نفس الكلمة بزيادة حرف، أو نقصان حرف.


الصفحة التالية
Icon