ومِمَّا يؤيد الرأي القائل بالتوقيف العلاقة الواضحة بين هذا الرسم العثماني، وبين القراءات القرآنية المتواترة، يدرك هذا من كان له أدنى معرفة بعلم القراءات، إذ يلاحظ بوضوح أن الصحابة - رضي الله عنهم - عندما خالفوا القياس في الخط، إنَّما كان ذلك لِمقاصد تتعلق بِما ثبتت روايته عن النَّبِيّ - ﷺ - من أوجه القراءة في العرضة الأخيرة، فكتبوا في الفاتحة: } ملك يوم الدين ﴿،(١١) دون ألف في (ملك) لتحتمل الوجهين من القراءة بالألف (مالِكِ)، وبدونِها (مَلِكِ).
ومن أمثلة ذلك أيضًا كتابتهم قوله تعالى: ﴾ إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَانِ ﴿،(١٢) دون الألفات، ودون النقط والشكل هكذا (ان هدن لسحرن) فاحتملت جميع أوجه القراءة فيها:
فقد قرأ أبو عمرو: ﴾ إِنَّ هَذَينِ لَسَحِرَانِ ﴿ بتشديد نون (إن)، وبالياء في (هذين)، وتخفيف النون فيها.
وقرأ ابن كثير: ﴾ إِنْ هذَانِّ لَسَحِرَانِ ﴿ بتخفيف نون (إنْ)، وبالألف في (هذان)، وتشديد النون منها.
وقرأ حفصٌ: ﴾ إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَانِ ﴿ بتخفيف نون (إنْ)، وبالألف في (هذان)، وتخفيف النون منها.
وقرأ بقية القراء العشرة ﴾ إِنَّ هَذَانِ لَسَحِرَانِ { بتشديد نون (إنَّ)، وبالألف في (هذان)، وتخفيف النون منها.(١٣)
فهل يُعَدُّ مثل هذا الرسم مُخالفًا لقياس أهل صناعة الخط؟!
وكذلك كتابتهم تاء التأنيث بالتاء المفتوحة في بعض المواضع نحو (امرأت)، و(رحمت)، و(نعمت)، فيقف عليها جمهور القراء بالتاء، ولو كتبت بالهاء المربوطة، لَتَغَيَّرَ حكمُ الوقف عليها.(١٤)
قال السيوطي: أجمعوا على لزوم اتباع رسم المصاحف العثمانية في الوقف إبدالاً وإثباتًا وحذفًا، ووصلاً وقطعًا، إلا أنه ورد عنهم اختلافٌ في أشياء بأعيانِها، كالوقف بالهاء على ما كتب بالتاء، وبإلحاق الهاء فيما تقدم وغيره، وبإثبات الياء في مواضع لم تُرسَم بِها … ثم قال: ومن القراء من يتبع الرسم في الجميع.(١٥)