قال الزركشي: ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم ذلك - كتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو والياء، والهمز والمد والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء، وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنًا، نحو: } الْخَبْءَ ﴿ و﴾ دِفْءٌ {، فصار ذلك كله حجةً.(١٦)
كما أنه قد يُعترَض على القول بالتوقيف باعتراضين:
أحدهما: كيف كان للنَّبِيّ - ﷺ - أن يوقف الصحابة على ما يكتب في المصاحف مع كونه أميًّا؟
ويجاب عن ذلك بأن الأمية لم تكن عيبًا فيه - ﷺ -، وقد كان من الذكاء والفطنة بحيث يستطيع أن يوجههم إلى مثل ذلك.
فقد كان النَّبِيّ - ﷺ - مع أميته يعرف أسماء الحروف، وهذا مِمَّا يَجهله الأمي.
فعن عَبْد اللهِ بْن مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ (الم) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ.(١٧)
على أنه قد صح الخبر بِما يدل دلالة قوية على أنه - ﷺ - قد علم الخط والكتاب بعدما بُعِثَ.
فَعَنِ الْبَرَاءِ - رضي الله عنه - في خبر صلح الحديبية قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْكِتَابَ، وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ… الحديث.(١٨)
قال القاضي عياض: وقوله في الرواية التي ذكرناها: "ولا يحسن أن يكتب، فكتب" كالنصِّ أنه كتب بنفسه، قال: والعدول إلى غيره مجازٌ، ولا ضرورةَ إليه.(١٩)
فلا يَبْعُدُ مع هذا أن يكون من النَّبِيّ - ﷺ - التوقيف على ما يُكتب من الحروف وما لا يكتب عند كتابة القرآن بين يديه - ﷺ -.