وأما الاعتراض الثاني، فهو: أن يقال: إن كان الرسم توقيفيًّا بوحيٍ إلى النَّبِيّ - ﷺ -، فَلِمَ لم يُنقل تواترًا كما نقلت ألفاظ القرآن، حتى ترتفع عنه الريبة، وتطمئن به القلوب؟
والجواب عن هذا أن رسم المصاحف قد نقل ألفاظًا ورسمًا على الوجه الذي تقوم به الحجة، يدرك ذلك أهل العلم، الذين حفظوا ألفاظه ورسمه، ولم يضيعوا منها شيئًا.
ولا يقدح في ذلك اختلاف علماء الرسم بعض الحروف، إذ إن عثمان - رضي الله عنه - قد كتب عددًا من المصاحف، وقد كان بينها بعض الاختلاف لتحتمل ما ثبت من أوجه القراءة، ولا يَضُرُّ جهل مَن جهل دقة هذا النقل، كما لا يَضُرُّ جهل العوامِّ بالقرآن وعدم حفظهم لألفاظه.(٢٠)
وفي ختام هذه المسألة أنوِّه على أنه ليس هناك صعوبة تذكر على قارئ القرآن الكريم، بعد ما أضيف إلى صورة الرسم من رموز النقط والشكل، التي أوضحت مشكله، وأعانت على سلامة النطق به.
وقد مرت القرون على المسلمين، وهم يكتبون المصاحف على ما رسم الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم يؤدِّ ذلك إلى خطأ في تلاوة القرآن، أو وقوع تحريف، فلله الحمد والمنَّة.
(١) انظر مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص ١٤٩.
(٢) الإبريز لأحمد بن المبارك السلجماسي ص ١٠١-١٠٣.
(٣) انظر الآثار الواردة في ذلك في كتاب المصاحف لابن أبي داود باب خطوط المصاحف ص ٩-١٠.
(٤) المقصود بِهذا القول جميع الخطوط، أي خطوط المصاحف وغيرها مِمَّا يكتبه البشر.
(٥) سورة العلق، الآيات ٣-٥.
(٦) سورة القلم آية ١.
(٧) الصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس ص ٣٩.
(٨) انظر الإتقان في علوم القرآن (١/١٤٥).
(٩) انظر تفسير أبي السعود (٣/٢٧٩).
(١٠) دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص ٤٢.
(١١) سورة الفاتحة الآية ٤.
(١٢) سورة طه من الآية ٦٣.
(١٣) انظر النشر في القراءات العشر (٢/٣٢٠-٣٢١).
(١٤) انظر التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبوية ص ٢٧-٢٩.