قال: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة، والآثار المستفيضة تدلُّ عليه، وتشهد له.(١٤)
واحتج أصحاب هذا القول بِما احتج به أصحاب المذهب الثاني على بقاء بعض الأحرف السبعة، والحاجة إليها، واحتجوا على أن السبعة لم تبق كلها بِما ورد من الآثار التي تدل على حدوث النسخ في العرضة الأخيرة لبعض أوجه القراءة، فكتب الصحابة في المصاحف عند الجمع ما تيقنوا أنه قرآن ثابت في العرضة الأخيرة، وتركوا ما سوى ذلك.
قال السيوطي: ولا شك أن القرآن نُسخ منه في العرضة الأخيرة وغُيِّر، فاتفق الصحابة على أن كتبوا ما تحققوا أنه قرآن مستقرٌّ في العرضة الأخيرة، وتركوا ما سوى ذلك.(١٥)
وقال البغوي في شرح السنة: يُقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بين فيها ما نُسخ وما بقي، وكتبِها لرسول الله - ﷺ -، وقرأها عليه، وكان يُقرئ بِها الناس حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف.(١٦)
وقد وردت الآثار بأن القرآن قد نسخ منه وغُيِّر في العرضة الأخيرة، وأن قراءتنا التي جمعها الصحابة هي ما كان في تلك العرضة.
فَعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ أنه قال: القراءة التي عُرِضَت على رسول الله - ﷺ - في العام الذي قبض فيه -هذا القراءة التي يقرأها الناس.(١٧) يعني بذلك قراءة زيد بن ثابت - رضي الله عنه -.
وعن سمرة - رضي الله عنه - قال: عُرض القرآنُ على رَسُول اللهِ - ﷺ - عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه العرضة الأخيرة.(١٨)
وعن ابن سيرين، قال: كان جبريل يعارض النبي - ﷺ - كل سنة في شهر رمضان مرةً، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه مرتين، فيرون أن تكون قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة.(١٩)
(١) انظر البرهان في علوم القرآن (١/٢٢٤، ٢٢٦، ٢٣٩، ٢٤١)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٦/١٠٠).
(٢) البرهان في علوم القرآن (١/٢٢٣).