لا شك أن مشروع جمع القراءات في ختمة واحدة بذل فيه جهدٌ كبيرٌ، ولا ينكر عارفٌ ما فيه من الفائدة لدارسي القراءات، ولغيرهم من المسلمين، ولكن الناظر في طريقة ذلك الجمع، وما تم تسجيله منه يجزم بأن ذلك لا يعد جمعًا للقرآن بالقراءات بقدر ما قد يعتبر كتابًا في القراءات، على نحو ما صنف القدماء من تفصيل خلافات القراء، والفرق أن تصانيف القدماء كانت مكتوبة، وهذا الجمع مقروء مسموع، وفي ذلك فائدة عظيمة من جهة التطبيق والتدريب.
وقد رأينا فيما مرَّ(١٣) أنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - أبَوْا أن يدرجوا في نسخة واحدة من المصحف أكثر من وجه من أوجه القراءة، فجاء عملهم هذا مُعَظِّمًا لتلك القراءات أن تكون إحداها أصلاً، والأخرى فرعًا، ولذا كتبوا مصاحفَ يختلف بعضها عن بعض في تلك الكلمات الخلافية التي لا يحتملها رسمٌ واحد.
وقد كره كثير من الأئمة خلط شيء مع القرآن، حتى لو كان وجوه القراءات.
قال الحليمي في وجوه تعظيم القرآن: ومنها أن لا يُخلَط في المصحف ما ليس من القرآن بالقرآن، كعدد الآيات، والسجدات، والعشرات، والوقوف، واختلاف القراءات، ومعاني الآيات.(١٤)
فالأجدر أن لا يطلق اسم المصحف إلا على ما كان مجردًا من غير القرآن، وما كان مفردًا لوجه واحد، أما ما كان فيه ذكر الخلاف، فهو أشبه بكتب التفسير وكتب القراءات.
كما أن التسجيلات التي تَمت لِهذا المشروع تحتوي ما ليس بقرآن، وهو توجيهات المشايخ للقراء، وشروحهم وتعليقاتُهم عليها، فجدير بِهذا العمل أن يعد من المصنفات التطبيقية في علم القراءات، أما أن يكون مصحفًا مجموعًا، فظاهر أن ذلك بعيد غير مقبول.
وقد عدَّ علماء القراءة الأولون جمع القراءة في التلاوة الواحدة مخالفة لما كان عليه حال سلف الأمة، واعتبروه كجمع أوجه الاختلاف في القراءة في المصحف الواحد، وهو ما منعه الصحابة - رضي الله عنهم -.


الصفحة التالية
Icon