ب- وأما الأثر فهو ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سألني ( سيرين ) المكاتبة فأبيت عليه، فأتى ( عمر بن الخطاب ) فأخبره فأقبل عليَّ بالدرّة وتلا قوله تعالى :﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ فكاتبه أنس. قال داود الظاهري : وما كان عمر ليرفع الدرة على أنس لو لم تكن الكتابة واجبة.
وهذا المذاهب منقول عن بعض التابعين كعطاء، وعكرمة، ومسروق، والضحاك بن مزاحم.
أدلة الجمهور :
واستدل جمهور الفقهاء ( المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة ) على أنه مندوب بما يأتي :
أ- إن الله تعالى قيَّد المكاتبة بشرط علم الخير فيه فقال :﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾. فعلّق الوجوب على أمر باطن، وهو علم السيد بالخيرية، فإذا قال العبد : كاتبنْي، وقال له السيد : لم أعلم فيك خيراً كان القول للسيد فدلّ على عدم وجوبه.
ب- حديث « لا يحل مال امرئٍ مسلم إلاّ بطيبٍ من نفسه » والعبدُ مالٌ فلا يجوز إلاّ برضى السيد.
ج - وتمسّكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبدُ سيده أن يبيعه من غيره، لم يجب عليه ذلك، ولم يجبر عليه فكذا الكتابة لأنها معاوضة.
قال الجصاص : فإن قيل : لو لم يكن يراها واجبة لما رفع لعيه الدِرّة ولم يضربه؟
قلنا : لأن عمر رضي الله عنه كان كالوالد المشفق على الرعية، فكان يأمرهم بما لهم فيه الأفضل في الدين، وإن لم يكن واجباً، على وجه التأديب والمصلحة!
والصحيح ما قاله الجمهور إن الأمر للندب والاستحباب، لا للوجوب والله أعلم.
الحكم التاسع : من هم المخاطبون بإيتاء المال؟ وما مقداره؟
اختلف المفسرون في قوله تعالى :﴿ وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ ﴾ من هم المخاطبون به؟ على قولين.
أحدهما : أنه خطاب للأغنياؤ الذين تجب عليهم الزكاة، أُمروا أن يُعْطوا المكاتبين من سهم ( الرقاب ) وقد روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال : هو سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون، أي المراد أن يدفعوا لهم من مال الزكاة.
والثاني : أنه خطاب للسادة أمروا أن يُعطوا مكاتبيهم من كتابتهم شيئاً. ولعلّ هذا أصح لأن سياق الآية يدل على ذلك حيث أمر السادة بطريق ( الندب والاستحباب ) أن يكاتبوا عبيدهم، وأمروا أيضاً أن يحطوا عنهم شيئاً من مال الكتابة عوناً لهم على فكاك أنفسهم من ربقة العبودية.
قال القرطبي : هذا أمر للسادة بإعانتهم في مال الكتابة، إمَّا بأن يعطوهم شيئاً مما في أيديهم أعني ( أيدي السادة ) أو يحطوا عنهم شيئاً من مال الكتابة.
وقد اختلف الفقهاء في حكم الإيتاء هل هو واجب؟ وفي مقداره؟ على مذهبين :
١- مذهب ( الشافعية والحنابلة ) : أنه واجب وقدّره أحمد بربع بمال الكتابة... وقال الشافعي : ليس محدوداً ويكفي في أقل شيء يقع عليه اسم المال.


الصفحة التالية
Icon