…إلا أن ابن تيمية في رسالته يعترف أن هناك اختلافا محققا بين السلف في التفسير خاصة فيما يتعلق بالأحكام. ولكنه يرى أن اختلافهم قليل جدا وهذا يعود ـ في نظره ـ إلى شرف عصرهم. وهو في ذلك يتأول حديث رسول الله ( خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم "(١). وهو يقول في ذلك :" كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو إن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل إلى من بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الإجتماع والإئتلاف والعلم والبيان فيه أكثر"(٢).
…وبعد أن بين ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أن اختلاف السلف في التفسير قليل وغلطهم يسير بالمقارنة مع اختلاف وغلط من جاء بعدهم، وأرجع ذلك إلى عتصامهم بالكتاب والسنة، ونقاء سريرتهم، وصلاحهم وتقواهم، مما عبر عنه بصلاح عصرهم، انتقل إلى بيان أن اختلافهم
في التفسير هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وأرجع ذلك لأمور نجملها فيما يلي :
١- تعبيرهم عن المراد بألفاظ بين المترادفة والمتباينة، وإن كان في كل منها إضافة دلالية ليست في الأخرى ولكنها تؤول إلى عين الشيء، من ذلك أسماء الله الحسنى، وأسماء الرسول ( وأسماء القرآن فهي كلها تدل على مسمى واحد(١). وإن كان بينها فروق دلالية واضحة، لكنها لا ترقى إلى أن تجعلها ألفاظا متباينة. وبعد هذا الطرح النظري يضرب لذلك مثلا عمليا فيقول: " مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم، فقال بعضهم : هو القرآن - أي اتباعه... وقال بعضهم هو الإسلام. فهذان القولان متفقان لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ " صراط " يشعر بوصف ثالث. وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال : هو طريق العبودية، وقول من قال : هو طاعة الله ورسوله ( وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها كل بصفة من صفاتها" (٢).


الصفحة التالية
Icon