بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

١- سُورَةُ الْفَاتِحَةِ
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ مِنَ السُّوَرِ ذَاتِ الْأَسْمَاءِ الْكَثِيرَةِ، أَنْهَاهَا صَاحِبُ «الْإِتْقَانِ» إِلَى نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ بَيْنَ أَلْقَابٍ وَصِفَاتٍ جَرَتْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْقُرَّاءِ مِنْ عَهْدِ السَّلَفِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَالْمَأْثُورِ مِنْ أَسْمَائِهَا إِلَّا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، أَوْ أُمُّ الْكِتَابِ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى بَيَانِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ.
فَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَقَدْ ثَبَتَتْ فِي السُّنَّةِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا
قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»
وَفَاتِحَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْفَتْحِ وَهُوَ إِزَالَةُ حَاجِزٍ عَنْ مَكَانٍ مَقْصُودٍ وَلِوَجْهٍ فَصِيغَتُهَا تَقْتَضِي أَنَّ مَوْصُوفَهَا شَيْءٌ يُزِيلُ حَاجِزًا، وَلَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ بَلْ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى أَوَّلِ الشَّيْءِ تَشْبِيهًا لِلْأَوَّلِ بِالْفَاتِحِ لِأَنَّ الْفَاتِحَ لِلْبَابِ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ، فَقِيلَ الْفَاتِحَةُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَتْحِ كَالْكَاذِبَةِ بِمَعْنَى الْكَذِبِ، وَالْبَاقِيَةِ بِمَعْنَى الْبَقَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ [الحاقة: ٨] وَكَذَلِكَ الطَّاغِيَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [الحاقة: ٥] فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْ بِطُغْيَانِهِمْ. وَالْخَاطِئَةُ بِمَعْنَى الْخَطَأِ وَالْحَاقَّةُ بِمَعْنَى الْحَقِّ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ أَوَّلُ الشَّيْءِ بِالْفَاتِحَةِ إِمَّا تَسْمِيَةً للْمَفْعُول لِأَن الْآتِي عَلَى وزن فاعلة بِالْمَصْدَرِ الْفَتْحَ يَتَعَلَّقُ بِأَوَّلِ أَجْزَاءِ الْفِعْلِ فَفِيهِ يَظْهَرُ مَبْدَأُ الْمَصْدَرِ، وَإِمَّا عَلَى اعْتِبَارِ الْفَاتِحَةِ اسْمَ فَاعِلٍ ثُمَّ جُعِلَتِ اسْمًا لِأَوَّلِ الشَّيْءِ، إِذْ بِذَلِكَ الْأَوَّلِ يَتَعَلَّقُ الْفَتْحُ بِالْمَجْمُوعِ فَهُوَ كَالْبَاعِثِ عَلَى الْفَتْحِ، فَالْأَصْلُ فَاتِحُ الْكِتَابِ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ هَاءُ التَّأْنِيثِ دَلَالَةً عَلَى النَّقْلِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ أَيْ إِلَى مُعَامَلَةِ الصِّفَةِ مُعَامَلَةَ الِاسْمِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَاتٍ مُعَيَّنَةٍ لَا عَلَى ذِي وَصْفٍ، مِثْلَ الْغَائِبَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [النَّمْل: ٧٥] وَمِثْلَ الْعَافِيَةِ وَالْعَاقبَة قَالَ التفتازانيّ فِي «شَرْحِ الْكَشَّافِ» :«وَلِعَدَمِ اخْتِصَاصِ الْفَاتِحَةِ وَالْخَاتِمَةِ بِالسُّورَةِ وَنَحْوِهَا كَانَتِ التَّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ وَلَيْسَتْ لِتَأْنِيثِ الْمَوْصُوفِ فِي الأَصْل، يَعْنِي
لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فَاتِحَةً وَخَاتِمَةً دَائِمًا فِي خُصُوصِ جَرَيَانِهِ عَلَى مَوْصُوفٍ مُؤَنَّثٍ كَالسُّورَةِ وَالْقِطْعَةِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ خَاتِمَةُ الْعُلَمَاءِ، وَكَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ فِي الْمَقَامَةِ الْأُولَى: «أَدَّتْنِي خَاتِمَةُ الْمَطَافِ وَهَدَتْنِي فَاتِحَةُ الْأَلْطَافِ»
.
أَرَادَهُ اللَّهُ بقوله: لِتَعارَفُوا [الحجرات: ١٣] فَلَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَصْفِ فَقْرِهِمْ كَمَا فَسَّرَ بِهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بَلْ ذَلِكَ شَامِلٌ لِلْهَدِيَّةِ لِأَغْنِيَائِهِمْ وَشَامِلٌ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُتَضَائِقِينَ وَتَرْفِيهِ عَيْشَتِهِمْ، إِذِ الْمَقْصُودُ هُوَ التَّحَابُبُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْيَتَامَى وَهُمْ مَظِنَّةُ الضَّعْفِ لِظُهُورِ أَنَّ الْمُرَادَ الْيَتِيمُ الْمُحْتَاجُ حَاجَةً دُونَ الْفَقْرِ وَإِنَّمَا هُوَ فَاقِدٌ مَا كَانَ يُنِيلُهُ أَبُوهُ مِنْ رَفَاهِيَةِ عَيْشٍ، فَإِيتَاؤُهُمُ الْمَالَ يَجْبُرُ صَدْعَ حَيَاتِهِمْ.
وَذَكَرَ السَّائِلِينَ وَهُمُ الْفُقَرَاء. والمسكنة: الذَّال مُشْتَقَّةٌ مِنَ السّكُون وَوزن مسكني مِفْعِيلٌ لِلْمُبَالِغَةِ مِثْلَ مِنْطِيقٍ. وَالْمِسْكِينُ الْفَقِيرُ الَّذِي أَذَلَّهُ الْفَقْرُ وَقَدِ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ أَنَّ الْمِسْكِينَ غَيْرُ الْفَقِيرِ هُوَ أَقَلُّ فَقْرًا مِنَ الْفَقِيرِ وَقِيلَ هُوَ أَشَدُّ فَقْرًا وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَدْ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا فِي مَوْضِعِ الْآخَرِ إِذَا لَمْ يَجْتَمِعَا وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ [التَّوْبَة: ٦٠] وَنَظِيرُهَا فِي ذِكْرِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ قَوْله تَعَالَى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الْبَقَرَة: ٢١٥].
وَذَكَرَ السَّائِلِينَ وَهُمُ الْفُقَرَاءُ كَنَّى عَنْهُمْ بِالسَّائِلِينَ لِأَنَّ شَأْنَ الْمَرْء أَن تمنع نَفْسُهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ غَالِبًا. فَالسُّؤَالُ عَلَامَةُ الْحَاجَةِ غَالِبًا، وَلَوْ أَدْخَلَ الشَّكَّ فِي الْعَلَامَاتِ الِاعْتِيَادِيَّةِ لَارْتَفَعَتِ الْأَحْكَامُ فَلَوْ تَحَقَّقَ غِنَى السَّائِلِ لَمَا شُرِعَ إِعْطَاؤُهُ لِمُجَرَّدِ سُؤَالِهِ،
وَرَوَوْا: «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَلَوْ جَاءَ رَاكِبًا عَلَى فَرَسٍ»
وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَذَكَرَ ابْنَ السَّبِيلِ وَهُوَ الْغَرِيبُ أَعْنِي الضَّيْفَ فِي الْبَوَادِي إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَبَائِلِ نزل أَو خانات أَوْ فَنَادِقُ وَلَمْ يَكُنِ السَّائِرُ يَسْتَصْحِبُ مَعَهُ الْمَالَ وَإِنَّمَا يَحْمِلُ زَادَ يَوْمِهِ وَلِذَلِكَ كَانَ حَقُّ الضِّيَافَةِ فَرْضًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْ فِي الْبَوَادِي وَنَحْوِهَا. وَذَكَرَ الرِّقَابَ وَالْمُرَادُ فِدَاءُ الْأَسْرَى وَعِتْقُ الْعَبِيدِ. ثُمَّ ذَكَرَ الزَّكَاةَ وَهِيَ حَقُّ الْمَالِ لِأَجْلِ الْغِنَى وَمَصَارِفُهَا مَذْكُورَة فِي آياتها.
وَذَكَرَ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ لِمَا فِيهِ مِنَ الثِّقَةِ بِالْمُعَاهِدِ وَمِنْ كَرَمِ النَّفْسِ وَكَوْنِ الْجِدِّ وَالْحَقِّ لَهَا دُرْبَةً وَسَجِيَّةً، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالظَّرْفِ وَهُوَ إِذَا عَاهَدُوا أَيْ وَقْتَ حُصُولِ الْعَهْدِ فَلَا يَتَأَخَّرُ وَفَاؤُهُمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ عِنْدَ بَذْلِ الْعَهْدِ بِحَيْثُ لَا يُعَاهِدُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ الْوَفَاءَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: فَإِنْ عَلِمُوا أَلَّا يَفُوا فَلَا يُعَاهِدُوا. وَعَطَفَ وَالْمُوفُونَ عَلَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَغَيَّرَ أُسْلُوبَ الْوَصْفِ فَلَمْ يَقُلْ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مُغَايَرَةِ الْوَصْفَيْنِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ عَلَائِقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَأُصُولِ الدِّينِ وَالثَّانِي مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَذَكَرَ الصابرين فِي الْبَأْسَاءِ لِمَا فِي الصَّبْرِ مِنَ الْخَصَائِصِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَيَسْرِقُ، وَإِنْ عَزَمَ عَلَيْهِ وَرَجَعَ عَنْ فِعْلِهِ اخْتِيَارًا لِغَيْرِ مَانِعٍ مَنَعَهُ، فَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ وَهُوَ مَوْرِدُ
حَدِيثِ «مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ»
وَإِنْ رَجَعَ لِمَانِعٍ قَهَرَهُ عَلَى الرُّجُوعِ فَفِي الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ قَوْلَانِ. أَيْ إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى يُجَازِيكُمْ وَأَنَّهُ مُجْمَلٌ تُبَيِّنُهُ مَوَارِدُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي أَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنَّ مَنْ سَمَّى ذَلِكَ نَسْخًا مِنَ السَّلَفِ فَإِنَّمَا جَرَى عَلَى تَسْمِيَةٍ سَبَقَتْ ضَبْطَ الْمُصْطَلَحَاتِ الْأُصُولِيَّةِ فَأَطْلَقَ النَّسْخَ عَلَى مَعْنَى الْبَيَانِ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي عِبَارَاتِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، هِيَ الْبَيَانُ لِمَنْ يَشَاء فِي قَوْله تَعَالَى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ.
وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نُسِخَتْ بِالَّتِي بَعْدَهَا» أَيْ بِقَوْلِهِ:
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [الْبَقَرَة: ٢٨٦] كَمَا سَيَأْتِي هُنَالِكَ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمَشِيئَةَ هُنَا مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى أَحْوَال المبدى والمحفى، كَمَا هُوَ بَيِّنٌ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَيَغْفِرْ وَيُعَذِّبْ بِالْجَزْمِ، عَطْفًا عَلَى يُحَاسِبْكُمْ، وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ: بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ بِتَقْدِيرِ فَهُوَ يغْفر، وهم وَجْهَانِ فَصِيحَانِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ وَلَمْ يُقْرَأْ بِهِ إِلَّا فِي الشَّاذِّ.
وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَذْيِيلٌ لِمَا دَلَّ عَلَى عُمُومِ الْعِلْمِ، بِمَا يَدُلُّ عَلَى عُمُوم الْقُدْرَة.
[٢٨٥]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٨٥]
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)
قَالَ الزَّجَّاجُ: «لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً، وَقِصَصًا، خَتَمَهَا بِقَوْلِهِ:
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ تَعْظِيمًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتْبَاعِهِ، وَتَأْكِيدًا وَفَذْلَكَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ مِنْ قَبْلُ»
. يَعْنِي: أَنَّ هَذَا انْتِقَالٌ مِنَ الْمَوَاعِظِ، وَالْإِرْشَادِ،
(١٥٣)
إِذْ تُصْعِدُونَ متعلّق بقوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ [آل عمرَان: ١٥٢] أَيْ دَفَعَكُمْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ حِينَ أَنْتُمْ مُصْعِدُونَ.
وَالْإِصْعَادُ: الذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُسَمَّى صَعِيدًا، قَالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ:
هَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ الْيَمَانِينَ مُصْعِدٌ وَالْإِصْعَادُ أَيْضًا السَّيْرُ فِي الْوَادِي، قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ: أَصْعِدُوا يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْوَادِي.
وَالْمَعْنَى: تَفِرُّونَ مُصْعِدِينَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: تَذْهَبُونَ فِي الْأَرْضِ أَي فِرَارًا، ف إِذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمَانِ الَّذِي عَقِبَ صَرْفَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ وَكَانَ مِنْ آثَارِهِ.
وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أَيْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَاللَّيُّ مَجَازٌ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ وَالرِّفْقُ مِثْلُ الْعَطْفِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، فَالْمَعْنَى وَلَا يَلْوِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فَأُوجِزَ بِالْحَذْفِ، وَالْمُرَادُ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ، يَعْنِي: فَرَرْتُمْ لَا يَرْحَمُ أَحَدٌ أَحَدًا وَلَا يَرْفُقُ بِهِ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِلْجِدِّ فِي الْهُرُوبِ حَتَّى إِنَّ الْوَاحِدَ لِيَدُوسَ الْآخَرَ لَوْ تَعَرَّضَ فِي طَرِيقِهِ.
وَجُمْلَةُ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ حَالٌ، وَالْأُخْرَى آخِرُ الْجَيْشِ أَيْ مِنْ وَرَائِكُمْ. وَدُعَاءُ الرَّسُولِ دُعَاؤُهُ إِيَّاهُمْ لِلثَّبَاتِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الْهَزِيمَةِ، وَهَذَا هُوَ دُعَاءُ الرَّسُولِ النَّاسَ بِقَوْلِهِ: «إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ مَنْ يَكُرُّ فَلَهُ الْجَنَّةُ».
وَقَوْلُهُ: فَأَثابَكُمْ غَمًّا إِنْ كَانَ ضَمِيرُ فَأَثابَكُمْ ضَمِيرَ اسْمِ الْجَلَالَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ [آل عمرَان: ١٥٤] فَهُوَ عَطْفٌ على صَرَفَكُمْ [آل عمرَان: ١٥٢] أَيْ تَرَتَّبَ عَلَى الصَّرْفِ إِثَابَتُكُمْ. وَأَصْلُ الْإِثَابَةِ إِعْطَاءُ الثَّوَابِ
وَهُوَ شَيْءٌ يَكُونُ جَزَاءً عَلَى عَطَاءٍ أَوْ فِعْلٍ. وَالْغَمُّ لَيْسَ بِخَيْرٍ، فَيَكُونُ أَثَابَكُمْ إِمَّا اسْتِعَارَةً تَهَكُّمِيَّةً كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
قَرَيْنَاكُمْ فَعَجَّلْنَا قِرَاكُمْ قبيل الصُّبْح مُرَادة طَحُونًا
أَيْ جَازَاكُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْإِصْعَادِ الْمُقَارِنِ لِلصَّرْفِ أَنْ أَثَابَكُمْ غَمًّا أَيْ قَلَقًا لَكُمْ فِي نُفُوسِكُمْ، وَالْمُرَادُ أَنْ عَاقَبَكُمْ بِغَمٍّ كَقَوْلِهِ: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمرَان: ٢١]
وَقَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لَكَوْنِ شَيْءٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَّا أَنَّهُ الَّذِي قَدَّرَ ذَلِكَ وَهَيَّأَ أَسْبَابَهُ، إِذْ لَا يَدْفَعُهُمْ إِلَى الْحَسَنَاتِ مُبَاشَرَةً. وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَكَمَا أَنَّ الْحَسَنَةَ مِنْ عِنْدِهِ، فَكَذَلِكَ السَّيِّئَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا أَرَادَهُ بِالْإِحْسَانِ وَالْإِسَاءَةِ، وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ عَقْلٍ غَيْرِ مُنْضَبِطِ التَّفْكِيرِ، لأنّهم جعلُوا بعض الْحَوَادِثَ مِنَ اللَّهِ وَبَعْضَهَا مِنْ غَيْرِ اللَّهِ فَلذَلِك قَالَ: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً أَيْ يَكَادُونَ أَنْ لَا يَفْقَهُوا حَدِيثًا، أَيْ أَنْ لَا يَفْقَهُوا كَلَامَ مَنْ يُكَلِّمُهُمْ، وَهَذَا مَدْلُولُ فِعْلِ (كَادَ) إِذَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [الْبَقَرَة: ٧١].
وَالْإِصَابَةُ: حُصُولُ حَالٍ أَوْ ذَاتٍ، فِي ذَاتٍ يُقَالُ: أَصَابَهُ مَرَضٌ، وَأَصَابَتْهُ نِعْمَةٌ، وَأَصَابَهُ سهم، وَهِي، مشقّة مِنَ اسْمِ الصَّوْبِ الَّذِي هُوَ الْمَطَرُ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَا يَتَصَرَّفُ مِنَ الْإِصَابَةِ مشعرا بِحُصُول مفاجىء أَوْ قَاهِرٍ.
وَبَعْدَ أَنْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَا يُجِيبُ بِهِ هَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ عَلَّمَهُ حَقِيقَةَ التَّفْصِيلِ فِي إِصَابَةِ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ مِنْ جِهَةِ تَمَحُّضِ النِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوِ اخْتِلَاطِهَا بِالِانْتِسَابِ إِلَى الْعَبْدِ، فَقَالَ: مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ. وَوُجِّهَ الْخِطَابُ لِلرَّسُولِ لِأَنَّهُ الْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لِإِبْطَالِ مَا نَسَبَهُ الضَّالُّونَ إِلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ مَصْدَرَ السَّيِّئَاتِ الَّتِي تُصِيبُهُمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْحَوَادِثِ كُلِّهَا مُؤَثِّرًا. وَسَبَبًا مُقَارنًا، وأدلّة تنبىء عَنْهَا وَعَنْ عَوَاقِبِهَا، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا تَخْلُو عَنْهَا الْحَوَادِثُ كُلُّهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ غَيْرَ اخْتِيَارِيَّةٍ، أَمِ اخْتِيَارِيَّةً كَأَفْعَالِ الْعِبَادِ. فَاللَّهُ قَدَّرَ الْمَنَافِعَ وَالْمَضَارَّ بِعِلْمِهِ وَقَدَرِهِ وَخَلَقَ مُؤَثِّرَاتِهَا وَأَسْبَابَهَا، فَهَذَا الْجُزْءُ لِلَّهِ وَحْدَهُ لِقَوْلِهِ: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَاللَّهُ أَقَامَ بِالْأَلْطَافِ الْمَوْجُودَاتِ، فَأَوْجَدَهَا وَيَسَّرَ لَهَا أَسْبَابَ الْبَقَاءِ وَالِانْتِفَاعِ بِمَا أَوْدَعَ فِيهَا مِنَ الْعُقُولِ وَالْإِلْهَامَاتِ، وَحَفَّهَا كُلَّهَا فِي سَائِرِ أَحْوَالِهَا بِأَلْطَافٍ كَثِيرَةٍ، لَوْلَاهَا لَمَا بَقِيَتِ الْأَنْوَاعُ، وَسَاقَ إِلَيْهَا أُصُولَ الْمُلَاءَمَةِ، وَدَفَعَ عَنْهَا أَسْبَابَ الْآلَامِ فِي الْغَالِبِ، فَاللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ. فَهَذَا الْجُزْءُ لِلَّهِ وَحْدَهُ لِقَوْلِهِ: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
بِالْغَسْلِ، وَهَذَا أَحْسَنُ تَأْوِيلٍ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَيَكُونُ مَسْحُ الرِّجْلَيْنِ مَنْسُوخًا بِالسُّنَّةِ،
فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى قوما يتوضّؤون وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» مَرَّتَيْنِ
. وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ بَعْدَ عَصْرِ التَّابِعِينَ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَلَمْ يَشِذَّ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا الْإِمَامِيَّةُ مِنَ الشِّيعَةِ، قَالُوا:
لَيْسَ فِي الرِّجْلَيْنِ إِلَّا الْمَسْحُ، وَإِلَّا ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: رَأَى التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، وَجَعَلَ الْقِرَاءَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ رِوَايَتَيْنِ فِي الْإِخْبَارِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَرْجِيحُ إِحْدَاهُمَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَوْنَ التَّخْيِيرَ فِي الْعَمَلِ إِذَا لَمْ يُعْرَفِ الْمُرَجَّحُ. وَاسْتَأْنَسَ الشَّعْبِيُّ لِمَذْهَبِهِ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يُمْسَحُ فِيهِ مَا كَانَ يُغْسَلُ فِي الْوُضُوءِ وَيُلْغَى فِيهِ مَا كَانَ يُمْسَحُ فِي الْوُضُوءِ. وَمن الَّذين قرأوا- بِالْخَفْضِ- مَنْ تَأَوَّلَ الْمَسْحَ فِي الرِّجْلَيْنِ بِمَعْنَى الْغَسْلِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْغَسْلَ الْخَفِيفَ مَسْحًا وَهَذَا الْإِطْلَاقُ إِنْ صَحَّ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا هُنَا لِأَنَّ الْقُرْآنَ فَرَّقَ فِي التَّعْبِيرِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ.
وَجُمْلَةُ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا- إِلَى قَوْلِهِ- وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَضَى الْقَوْلُ فِي نَظِيرِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَجُمْلَةُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ تَعْلِيلٌ لِرُخْصَةِ التَّيَمُّمِ، وَنَفْيُ الْإِرَادَةِ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ الْجَعْلِ لِأَنَّ الْمُرِيدَ الَّذِي لَا غَالِبَ لَهُ لَا يَحُولُ دُونَ إِرَادَتِهِ عَائِقٌ.
وَاللَّامُ فِي لِيَجْعَلَ دَاخِلَةٌ عَلَى أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ مَحْذُوفَةً وَهِيَ لَامٌ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا بَعْدَ أَفْعَالِ الْإِرَادَةِ وَأَفْعَالِ مَادَّةِ الْأَمْرِ، وَهِيَ لَامٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَتُسَمَّى لَامُ أَنْ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٢٦]، وَهِيَ قَرِيبَةٌ فِي الْمَوْقِعِ مِنْ مَوْقِعِ لَامِ الْجُحُودِ.
وَالْحَرَجُ: الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ، وَالْحَرَجَةُ: الْبُقْعَةُ مِنَ الشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ الْمُتَضَايِقِ، وَالْجَمْعُ حَرَجٌ. وَالْحَرَجُ الْمَنْفِيُّ هُنَا هُوَ الْحَرَجُ الْحِسِّيُّ لَوْ كُلِّفُوا بِطَهَارَةِ الْمَاءِ مَعَ الْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ، وَالْحَرَجُ النَّفْسِيُّ لَوْ مُنِعُوا مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِضُرٍّ أَوْ سَفَرٍ أَوْ فَقْدِ مَاءٍ فَإِنَّهُمْ يَرْتَاحُونَ إِلَى الصَّلَاةِ وَيُحِبُّونَهَا.
قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ مَا يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤].
وَقَدْ خُولِفَتْ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ فِي تَقْدِيمِ الْخَبَرِ الظَّرْفِ عَلَى كُلِّ مُبْتَدَأٍ نَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ [ص: ٢٣]، حَتَّى قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : إِنَّهُ الْكَلَامُ السَّائِرُ، فَلَمْ يُقَدِّمِ الظَّرْفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِإِظْهَارِ الِاهْتِمَامِ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ حَيْثُ خُولِفَ الِاسْتِعْمَالُ الْغَالِبُ مِنْ تَأْخِيرِهِ فَصَارَ بِهَذَا التَّقْدِيمِ تَنْكِيرُهُ مُفِيدًا لِمَعْنَى التَّعْظِيمِ، أَيْ وَأَجَلٌ عَظِيمٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
وَمَعْنَى: مُسَمًّى مُعَيَّنٌ، لِأَنَّ أَصْلَ السِّمَةِ الْعَلَامَةُ الَّتِي يَتَعَيَّنُ بِهَا الْمُعَلَّمُ. وَالتَّعْيِينُ هُنَا تَعْيِينُ الْحَدِّ وَالْوَقْتِ.
وَالْعِنْدِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: عِنْدَهُ عِنْدِيَّةُ الْعِلْمِ، أَيْ مَعْلُومٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ. فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ:
وَأَجَلٌ مُسَمًّى أَجَلُ بَعْثِ النَّاسِ إِلَى الْحَشْرِ، فَإِنَّ إِعَادَةَ النَّكِرَةِ بَعْدَ نَكِرَةٍ يُفِيدُ أَنَّ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى، فَصَارَ: الْمَعْنَى ثُمَّ قَضَى لَكُمْ أَجَلَيْنِ: أَجَلًا تَعْرِفُونَ مُدَّتَهُ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ، وَأَجَلًا مُعَيَّنَ الْمُدَّةِ فِي عِلْمِ اللَّهِ.
فَالْمُرَادُ بِالْأَجَلِ الْأَوَّلِ عُمُرُ كُلِّ إِنْسَانٍ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُهُ النَّاسُ عِنْدَ مَوْتِ صَاحِبِهِ، فَيَقُولُونَ: عَاشَ كَذَا وَكَذَا سَنَةً، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ عِلْمُهُ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا عِنْدَ انْتِهَائِهِ فَمَا هُوَ إِلَّا عِلْمٌ حَاصِلٌ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بِالْمُقَايَسَةِ. وَالْأَجَلُ الْمَعْلُومُ وَإِنْ كَانَ قَدِ انْتَهَى فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ أَجَلٌ مُمْتَدٌّ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَجَلِ الثَّانِي مَا بَيْنَ مَوْتِ كُلِّ أَحَدٍ وَبَيْنَ يَوْمِ الْبَعْثِ الَّذِي يُبْعَثُ فِيهِ جَمِيعُ النَّاسِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ وَلَا يَعْلَمُونَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ [يُونُس: ٤٥]، وَقَالَ: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [الرّوم: ٥٥].
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ عُطِفَتْ عَلَى جُمْلَةِ: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ، فَحَرْفُ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ كَغَالِبِ وُقُوعِهَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ لِانْتِقَالٍ مِنْ خَبَرٍ إِلَى أَعْجَبَ مِنْهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الْأَنْعَام: ١]، أَيْ فَالتَّعْجِيبُ حَقِيقٌ مِمَّنْ يَمْتَرُونَ فِي أَمْرِ الْبَعْثِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ وَبِالْمَوْتِ. وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ:
أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ هُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَجِيءَ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ ضَمِيرًا بَارِزًا لِلتَّوْبِيخِ.
مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا [الْأَنْعَام: ١٣٩] وَحَرَّمُوا الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالْحَامِيَ،
فَلَمَّا قَامَ الْإِسْلَامُ جادلوا النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ خَطِيبُهُمْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ الْجُشَمِيَّ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ بَلَغَنَا أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ مِمَّا كَانَ آبَاؤُنَا يَفْعَلُونَهُ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكُمْ قَدْ حَرَّمْتُمْ أَصْنَافًا مِنَ النَّعَمِ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَإِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَزْوَاجَ الثَّمَانِيَةَ لِلْأَكْلِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا التَّحْرِيمُ أَمِنْ قِبَلِ الذَّكَرِ أَمْ مِنْ قِبَلِ الْأُنْثَى. فَسَكَتَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَتَحَيَّرَ اهـ
(أَيْ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ) وَلَمْ يَعْزُهُ الْبَغَوِيُّ إِلَى قَائِلٍ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَهُ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَمُجَاهِدٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحِجَاجَ كُلَّهُ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِ بَعْضِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَفِي عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا حَرَّمُوا أَكْلَهُ وَمَا لَمْ يُحَرِّمُوهُ مَعَ تَمَاثُلِ النَّوْعِ أَوِ الصِّنْفِ.
وَالَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي نَظْمِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ فِي قَوْلِهِ: آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ، قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» الْهَمْزَةُ فِي آلذَّكَرَيْنِ لِلْإِنْكَارِ. وَالْمَعْنَى: إِنْكَارُ أَنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ جِنْسَيِ الْغَنَمِ شَيْئًا مِنْ نَوْعَيْ ذُكُورِهَا وَإِنَاثِهَا وَمَا تَحْمِلُ إِنَاثُهَا وَكَذَلِكَ فِي جِنْسَيِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَبَيَّنَهُ صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» فِي بَابِ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَرَدْتَ بِهِ (أَيْ بِالِاسْتِفْهَامِ) الْإِنْكَارَ فَانْسُجْهُ عَلَى مِنْوَالِ النَّفْيِ فَقُلْ (فِي إِنْكَارِ نَفْسِ الضَّرْبِ) أَضَرَبْتَ زَيْدًا، وَقُلْ (فِي إِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُخَاطَبِ مَضْرُوبٌ) أَزَيْدًا ضَرَبْتَ أَمْ عَمْرًا، فَإِنَّكَ إِذَا أَنْكَرْتَ مَنْ يُرَدَّدِ الضَّرْبُ بَيْنَهُمَا (أَيْ بِزَعْمِهِ) تَوَلَّدَ مِنْهُ (أَيْ مِنَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ) إِنْكَارُ الضَّرْبِ عَلَى وَجْهٍ بُرْهَانِيٍّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ. قَالَ شَارِحُهُ الْقُطْبُ الشِّيرَازِيُّ: لِاسْتِلْزَامِ انْتِفَاءِ مَحَلِّ التَّحْرِيمِ انْتِفَاءَ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ عَرَضٌ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ، أَيِ التَّحْرِيمُ، دُونَ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ فَإِذَا انْتَفَى (أَيْ مَحَلُّهُ) انْتَفَى هُوَ أَيِ التَّحْرِيمُ اهـ.
(٤٣)
اتِسَاقُ النَّظْمِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: هُمْ فِيها خالِدُونَ [الْأَعْرَاف: ٤٢]، وَتَكُونُ جُمْلَةُ: وَنَزَعْنا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ:
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [الْأَعْرَاف: ٤٢]، وَجُمْلَةُ: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَخْ، اعْتِرَاضًا بُيِّنَ بِهِ حَالُ نُفُوسِهِمْ فِي الْمُعَامَلَةِ فِي الْجَنَّةِ، لِيُقَابِلَ الِاعْتِرَاضَ الَّذِي أُدْمِجَ فِي
أَثْنَاءِ وَصْفِ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ، وَالْمُبِيَّنُ بِهِ حَالُ نُفُوسِهِمْ فِي الْمُعَامَلَةِ بِقَوْلِهِ: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [الْأَعْرَاف: ٣٨].
وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الْمَاضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلَى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، أَيْ: وَنَنْزِعُ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ، وَهُوَ تَعْبِيرٌ مَعْرُوفٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النَّحْل: ١].
وَالنَّزْعُ حَقِيقَتُهُ قَلْعُ الشَّيْءِ مِنْ مَوْضِعِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ فِي آلِ عِمْرَانَ [٢٦]، وَنَزْعُ الْغِلِّ مِنْ قُلُوبِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: هُوَ إِزَالَةُ مَا كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْغِلِّ عِنْدَ تَلَقِّي مَا يَسُوءُ مِنَ الْغَيْرِ، بِحَيْثُ طَهَّرَ اللَّهُ نُفُوسَهُمْ فِي حَيَاتِهَا الثَّانِيَةِ عَنِ الِانْفِعَالِ بِالْخَوَاطِرِ الشَّرِّيَّةِ الَّتِي مِنْهَا الْغِلُّ، فَزَالَ مَا كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ غِلِّ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الدُّنْيَا، أَيْ أَزَالَ مَا كَانَ حَاصِلًا مِنْ غِلٍّ وَأَزَالَ طِبَاعَ الْغِلِّ الَّتِي فِي النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ بِحَيْثُ لَا يَخْطُرُ فِي نُفُوسِهِمْ.
وَالْغِلُّ: الْحِقْدُ وَالْإِحْنَةُ وَالضِّغْنُ، الَّتِي تَحْصُلُ فِي النَّفْسِ عِنْدَ إِدْرَاك مَا يسوؤها مِنْ عَمَلِ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ الْحَسَدُ مِنَ الْغِلِّ بَلْ هُوَ إِحْسَاسٌ بَاطِنِيٌّ آخَرُ.
عُلِمَ أَنَّ التَّحْصِيلَ عَلَى بَعْضِهَا يُحَصِّلُ بَعْضَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ بِمَا يُنَاسِبُهُ، بِشَرْطِ الْإِيمَانِ، كَمَا عُلِمَ مِنْ آيَاتٍ أُخْرَى خَاطَبَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى كَقَوْلِهِ آنِفًا وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا [الْأَعْرَاف: ١٥٣] فَتَشْمَلُ هَذِهِ الرَّحْمَةُ مَنِ اتَّقَى وَآمَنَ وَآتَى الزَّكَاةَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَ بعثة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ اتِّبَاعَهُمْ إِيَّاهُ مُتَعَذَّرُ الْحُصُولِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عَازِمِينَ عَلَى اتِّبَاعِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ أَنْ كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَمَا آتَيْنَاكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [آل عمرَان: ٨١، ٨٢]. وَتَشْمَلُ الرَّحْمَةُ أَيْضًا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَالْمَعْنِيُّ بِهَا الْآيَاتُ الَّتِي سَتَجِيءُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّ آيَاتِ مُوسَى قَدِ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ بِهَا يَوْمَئِذٍ، وَهَذَا مُوجِبُ إِعَادَةِ اسْمِ الْمَوْصُولِ فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ هَذِهِ الصِّلَةِ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى، وَهُمْ مَنْ يَكُونُ عِنْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلِذَلِكَ أُبْدِلَ مِنْهُمْ قَوْلُهُ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ إِلَخْ. وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْكَائِنِينَ فِي زَمَنِ الْبِعْثَةِ وَبَعْدَهَا لِقَوْلِهِ: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ وَلِقَوْلِهِ: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ شَرِيعَةٍ فِيهَا شِدَّةٌ وَحَرَجٌ، وَالْمُرَادُ بِآيَاتِ اللَّهِ:
الْقُرْآنُ، لِأَنَّ أَلْفَاظَهُ هِيَ الْمَخْصُوصَةُ بِاسْمِ الْآيَاتِ، لِأَنَّهَا جُعِلَتْ مُعْجِزَاتٍ لِلْفُصَحَاءِ عَنْ مُعَارَضَتِهَا. وَدَالَّةً عَلَى أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَعَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّامِنَةِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بِشَارَةٌ ببعثة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مُشِيرَةٌ إِلَى مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ حَتَّى الرَّابِعَ عَشَرَ، وَالْإِصْحَاحِ الثَّامَنَ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: فَإِنَّ مُوسَى بَعْدَ أَنْ ذَكَّرَهُمْ بِخَطِيئَةِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، وَذَكَرَ مُنَاجَاتَهُ لِلَّهِ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ، كَمَا تَضَمَّنَهُ
الْإِصْحَاحُ التَّاسِعُ مِنْ ذَلِكَ السِّفْرِ، وَذَكَرْنَاهُ آنِفًا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ أَمْرَهُمْ بِالتَّقْوَى بِقَوْلِهِ: «فَالْآنَ يَا إِسْرَائِيلُ مَا يَطْلُبُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلَّا أَنْ تَتَّقِيَ رَبَّكَ لِتَسْلُكَ فِي طُرُقِهِ وَتُحِبَّهُ». ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ وَفِي الثَّلَاثَةِ بَعْدَهُ وَصَايَا تَفْصِيلًا لِلتَّقْوَى، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعَ عَشَرَ الزَّكَاةَ فَقَالَ «تَعْشِيرًا تُعَشِّرُ كُلَّ مَحْصُولِ زَرْعِكَ
فِي عُقُودِ الْمُصَالَحَةِ وَالْمُعَاهَدَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَطْعَنُوا فِي الْإِسْلَامِ، فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَانَ هَذَا شَرْطًا عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَصْبَحُوا فِي قُوَّةٍ.
وَقَوله: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أَمْرٌ لِلْوُجُوبِ.
وَجُمْلَةُ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ يَجُوزُ أَنْ تكون تعليلا للجملة فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أَيْ قِتَالَهُمْ لِرَجَاءِ أَنْ يَنْتَهُوا، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْقِتَالَ يُفْنِي كَثِيرًا مِنْهُمْ، فَالِانْتِهَاءُ الْمَرْجُوُّ انْتِهَاءُ الْبَاقِينَ أَحْيَاءً بَعْدَ أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا.
وَلَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ يَنْتَهُونَ وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِانْتِهَاءُ عَنْ نَكْثِ الْعَهْدِ، لِأَنَّ
عَهْدَهُمْ لَا يُقْبَلُ بَعْدَ أَنْ نَكَثُوا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّهُمْ لَا أَيْمانَ لَهُمْ، وَلَا أَنْ يَكُونَ الِانْتِهَاءُ عَنِ الطَّعْنِ فِي الدِّينِ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ طَعْنُهُمْ فِي دِينِنَا حَاصِلًا فِي مُدَّةِ قِتَالِهِمْ فَلَا جَدْوَى لِرَجَاءِ انْتِهَائِهِمْ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إِذْ لَا غَايَةَ لِتَنْهِيَةِ الْقَتْلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ عَنِ الْكُفْرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لَا اتِّصَالَ لَهَا بِجُمْلَةِ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ الْآيَةَ، بَلْ نَاشِئَةً عَنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ- إِلَى قَوْله- أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [التَّوْبَة:
٥- ١٢].
وَالْمَعْنَى: الْمَرْجُوُّ أَنَّهُمْ يَنْتَهُونَ عَنِ الشِّرْكِ وَيُسْلِمُونَ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَبَعْدَ حُنَيْنٍ، وَلَمْ يَقَعْ نَكْثٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَدَخَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْإِسْلَامِ أَفْوَاجًا فِي سنة الْوُفُود.
[١٣]
[سُورَة التَّوْبَة (٩) : آيَة ١٣]
أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)
تَحْذِيرٌ مِنَ التَّوَانِي فِي قِتَالِهِمْ عَدَا مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِمْ، وَأَسْرِهِمْ، وَحِصَارِهِمْ، وَسَدِّ مَسَالِكِ النَّجْدَةِ فِي وُجُوهِهِمْ، بِقَوْلِهِ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ- إِلَى قَوْلِهِ- كُلَّ مَرْصَدٍ [التَّوْبَة: ٥]. وَبَعْدَ أَنْ أُثْبِتَتْ لَهُمْ ثَمَانِيَةُ خِلَالٍ تُغْرِي بِعَدَمِ
وَطَلَبًا لِصَلَاحِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ عَدَمُ قَبُولِهِمْ رَحْمَتَهُ وَهِدَايَتَهُ. وَلِذَلِكَ أَتَى فِي حِكَايَةِ كَلَامِهِمُ الْعُدُولُ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ إِلَى لَفْظِ الرَّبِّ الْمُضَافِ إِلَى ضَمِيرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ:
مِنْ رَبِّهِ إِيمَاءً إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِالتَّعَلُّقِ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ رُبُوبِيَّةُ الْمُصْطَفِي (بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ) لِلْمُصْطَفَى (بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ) مِنْ بَيْنِ بَقِيَّةِ الْخَلْقِ الْمُقْتَضِيَةِ الْغَضَبَ لِغَضَبِهِ لِتَوَهُّمِهِمْ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ مِثْلُ غَضَبِ الْخَلَائِقِ يَسْتَدْعِي الْإِسْرَاعَ إِلَى الِانْتِقَامِ وَمَا عَلِمُوا أَسْرَارَ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْحُكْمِ الْإِلَهِيِّ وَالْعِلْمِ الْأَعْلَى.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأَنْ يُجِيبَ عَنِ اقْتِرَاحِهِمْ بِمَا هُوَ الْحَقِيقَةُ الْمُرْشِدَةُ وَإِنْ كَانَتْ أَعْلَى
مِنْ مَدَارِكِهِمْ جَوَابًا فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لَهُمْ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ، فَجَاءَ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ هُنَا دُونَ بَعْضِ نَظَائِرِهِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى تَعْقِيبِ كَلَامِهِمْ بِالْجَوَابِ شَأْنَ الْمُتَمَكِّنِ مِنْ حَالِهِ الْمُتَثَبِّتِ فِي أَمْرِهِ.
وَالْغَيْبُ: مَا غَابَ عَنْ حَوَاسِّ النَّاسِ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَتَكَوَّنُ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فِي الْعَالَمِ الدُّنْيَوِيِّ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ. وَتَفْسِيرُ هَذَا قَوْلُهُ: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ [الْأَنْعَام: ١٠٩].
وَاللَّامُ لِلْمِلْكِ، أَيِ الْأُمُورُ الْمُغَيَّبَةُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ. وَجَاءَ الْكَلَامُ بِصِيغَةِ الْقَصْرِ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ فِي مُكْنَةِ الرَّسُولِ الْحَقِّ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَسْأَلُهُ قَوْمُهُ مِنَ الْخَوَارِقِ، فَجَعَلُوا عَدَمَ وُقُوعِ مُقْتَرَحِهِمْ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ مِنَ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الْقَصْرِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي إِيقَاعِ مَا سَأَلُوهُ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ يَرْمُونَ بِسُؤَالِهِمْ إِلَى الْجَرَاءَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِفْحَامِ.
وَجُمْلَةُ: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أَيْ لَيْسَ دَأْبِي وَدَأْبُكُمْ إِلَّا انْتِظَارَ مَا يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ، كَقَوْلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [هود: ٣٣].
وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لَهُمْ أَنَّ مَا يَأْتِي بِهِ اللَّهُ لَا يَتَرَقَّبُونَ مِنْهُ إِلَّا شَرًّا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [الْأَنْعَام:
٨].

[سُورَة هود (١١) : آيَة ٨١]

قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها مَا أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)
هَذَا كَلَامُ الْمَلَائِكَةِ لِلُوطٍ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَاشَفُوهُ بِأَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ مُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِذْ قَدْ كَانُوا فِي صُورَةِ الْبَشَرِ وَكَانُوا حَاضِرِي الْمُجَادَلَةِ حَكَى كَلَامَهُمْ بِمِثْلِ مَا تُحْكَى بِهِ الْمُحَاوَرَاتُ فَجَاءَ قَوْلُهُمْ بِدُونِ حَرْفِ الْعَطْفِ عَلَى نَحْوِ مَا حُكِيَ قَوْلُ: لُوطٍ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَقَوْلُ قَوْمِهِ. وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي كَلَّمُوا بِهِ لُوطًا- عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَحْيٌ أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَى لُوطٍ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَ بِلُوطٍ تَوَقُّعُ أَذَى ضَيْفِهِ مَبْلَغَ الْجَزَعِ وَنَفَادَ الْحِيلَةِ جَاءَهُ نَصْرُ اللَّهِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ رُسُلِهِ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا [يُوسُف: ١١٠].
وَابْتَدَأَ الْمَلَائِكَةُ خِطَابَهُمْ لُوطًا- عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِالتَّعْرِيفِ بِأَنْفُسِهِمْ لِتَعْجِيلِ الطُّمَأْنِينَةِ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ عَلِمَ أَنَّهُمْ مَا نَزَلُوا إِلَّا لِإِظْهَارِ الْحَقِّ. قَالَ تَعَالَى: مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ [الْحجر: ٨]. ثُمَّ أَلْحَقُوا هَذَا التَّعْرِيفَ بِالْبِشَارَةِ بِقَوْلِهِمْ: لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ. وَجِيءَ بِحَرْفِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ خَاطَبُوهُ بِمَا يُزِيلُ الشَّكَّ مِنْ نَفْسِهِ. وَقَدْ صَرَفَ اللَّهُ الْكُفَّارَ عَنْ لُوطٍ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَرَجَعُوا مِنْ حَيْثُ أَتَوْا، وَلَوْ أَزَالَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ التَّشَكُّلَ بِالْأَجْسَادِ الْبَشَرِيَّةِ فَأَخْفَاهُمْ عَنْ عُيُونِ الْكُفَّارِ لَحَسِبُوا أَنَّ لُوطًا- عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَخْفَاهُمْ فَكَانُوا يُؤْذُونَ لُوطًا- عَلَيْهِ السَّلَامُ-. وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ الْمَلَائِكَةُ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ وَلَمْ يَقُولُوا لَنْ يَنَالُوا، لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَعْلَمُوا لُوطًا- عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِأَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ مَا كَانَ يَشُكُّ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَنَالُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يَخْشَى سَوْرَتَهُمْ أَنْ يَتَّهِمُوهُ بِأَنَّهُ أَخْفَاهُمْ.
وَوَقَعَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ أَعْمَى أَبْصَارَ الْمُرَاوِدِينَ لُوطًا- عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَنْ
عِنْدَ قَوْله: وَسَيعْلَمُ الْكَافِر لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [سُورَة الرَّعْد: ٤٢]. وَانْظُرْ مَا ذَكَرْتُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ [٣٧] فَقَدْ زِدْتُهُ بَيَانًا.
وَإِضَافَتُهَا إِلَى الدَّارِ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ. وَالْمَعْنَى: لَهُمُ الدَّارُ الْعَاقِبَةُ، أَي الْحَسَنَة.
[٢٣، ٢٤]
[سُورَة الرَّعْد (١٣) : الْآيَات ٢٣ إِلَى ٢٤]
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)
جَنَّاتُ عَدْنٍ بَدَلٌ مِنْ عُقْبَى الدَّارِ. وَالْعَدْنُ: الِاسْتِقْرَارُ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ:
وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ [٧٢].
وَذِكْرُ يَدْخُلُونَها لِاسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ الْبَهِيجَةِ. وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ جَنَّاتُ أَوْ مِنْ ضَمِيرِ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، وَالْوَاوُ فِي وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَاوُ الْمَعِيَّةِ وَذَلِكَ زِيَادَةُ الْإِكْرَامِ بِأَنْ جَعَلَ أُصُولَهُمْ وَفُرُوعَهُمْ وَأَزْوَاجَهُمُ الْمُتَأَهِّلِينَ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ لِصَلَاحِهِمْ فِي الدَّرَجَةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا فَمَنْ كَانَتْ مَرْتَبَتُهُ دُونَ مَرَاتِبِهِمْ لَحِقَ بِهِمْ، وَمَنْ كَانَتْ مَرْتَبَتُهُ فَوْقَ مَرَاتِبِهِمْ لَحِقُوا هُمْ بِهِ، فَلَهُمُ الْفَضْلُ فِي الْحَالَيْنِ. وَهَذَا كَعَكْسِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [سُورَة الصافات: ٢٢] الْآيَةَ لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ عَذَابِ الْأَقَارِبِ عَذَابٌ مُضَاعَفٌ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بُشْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ سَلَفٌ صَالِحٌ أَوْ خَلَفٌ صَالِحٌ أَوْ زَوْجٌ صَالِحٌ مِمَّنْ تَحَقَّقَتْ فيهم هَذِه الصَّلَاة أَنَّهُ إِذَا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ لَحِقَ بِصَالِحِ أُصُولِهِ أَوْ فَرُوعِهِ أَوْ زَوْجِهِ، وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ هَذَا إِلَّا لِهَذِهِ الْبُشْرَى كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [سُورَة الطّور: ٢١].
وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ، وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَأَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ... » إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
وَسُؤَالُ السَّائِلِينَ لِطَلَبِ الْخَبَرِ عَنِ الْمُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُؤَالَهُمْ سُؤَالُ مُسْتَرْشِدٍ عَنْ دَعْوَى بَلَغَتْهُمْ وَشَاعَ خَبَرُهَا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، وَأَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ حُسْنِ طَوِيَّةٍ، وَيَصُوغُونَ السُّؤَالَ عَنِ الْخَبَرِ كَمَا بَلَغَتْهُمْ دَعْوَتُهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ فَهُوَ جَوَابٌ بَلِيغٌ تَضَمَّنَ بَيَانَ نَوْعِ هَذَا الْكَلَامِ، وَإِبْطَالَ أَنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِأَنَّ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ مَعْرُوفَةٌ وَالْمُنَزَّلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ مِنْ قَبْلُ.
وماذا كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ (مَا) الِاسْتِفْهَامِيَّةِ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ، وَيَقَعُ بَعْدَهَا فِعْلٌ هُوَ صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ نَابَ عَنْهُ اسْمُ الْإِشَارَةِ. وَالْمَعْنَى: مَا هَذَا الَّذِي أُنْزِلَ.
وَ (مَا) يُسْتَفْهَمُ بِهَا عَنْ بَيَانِ الْجِنْسِ وَنَحْوِهِ. وَمَوْضِعُهَا أَنَّهَا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. وَمَوْضِعُ اسْمِ الْإِشَارَةِ الِابْتِدَاءُ. وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ رَبُّكُمْ مَا هُوَ. وَقَدْ تَسَامَحَ النَّحْوِيُّونَ فَقَالُوا: إِنَّ (ذَا) مِنْ قَوْلِهِمْ (مَاذَا) صَارَتِ اسْمَ مَوْصُولٍ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢١٥].
وأَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا فِي السُّؤَالِ. وَالتَّقْدِيرُ: هُوَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أَيِ الْمَسْئُولُ عَنْهُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ مُنَزَّلًا مِنْ رَبِّهِمْ لِأَنَّ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ لَا تَكُونُ مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ كَمَا قُلْنَاهُ آنِفًا. وَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ مَنْصُوبًا لِأَنَّهُ لَوْ نُصِبَ لَاقْتَضَى التَّقْدِيرُ:
أَنْزَلَ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ، وَهُوَ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ. لِأَنَّ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ السَّابِقَةَ لَا تَكُونُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ الْآنَ.
وَالْأَسَاطِيرُ: جَمْعُ أَسْطَارٍ الَّذِي هُوَ جَمْعُ سَطْرٍ. فَأَسَاطِيرُ جَمْعُ الْجَمْعِ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ:
جَمْعُ أُسْطُورَةٍ- بِضَمِّ الْهَمْزَةِ- كَأُرْجُوحَةٍ. وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا

[سُورَة الْإِسْرَاء (١٧) : آيَة ٥٣]

وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣)
لَمَّا أَعْقَبَ مَا أَمر النبيء- عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام- بِتَبْلِيغِهِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَقْوَال تعظهم وتنهنههم مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا تَقولُونَ [الْإِسْرَاء: ٤٢] وَقَوْلِهِ: قُلْ كُونُوا حِجارَةً [الْإِسْرَاء: ٥٠] وَقَوْلِهِ: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً [الْإِسْرَاء:
٥١] ثُنِيَ الْعِنَانُ إِلَى الْأَمْرِ بِإِبْلَاغِ الْمُؤْمِنِينَ تَأْدِيبًا يَنْفَعُهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي
تلوين الْأَغْرَاض وتعقيب بَعْضِهَا بِبَعْضِ أَضْدَادِهَا اسْتِقْصَاءً لِأَصْنَافِ الْهُدَى وَمُخْتَلِفِ أَسَالِيبِهِ وَنَفْعَ مُخْتَلِفِ النَّاسِ.
وَلَمَّا كَانَ مَا سَبَقَ مِنْ حِكَايَةِ أَقْوَال الْمُشْركين تنبىء عَنْ ضَلَالِ اعْتِقَادِ نَقْلِ الْكَلَام إِلَى أَمر الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَقُولُوا أَقْوَالًا تُعْرِبُ عَنْ حُسْنِ النِّيَّةِ وَعَنْ نُفُوسٍ زَكِيَّةٍ. وَأُوتُوا فِي ذَلِكَ كَلِمَةً جَامِعَةً وَهِيَ يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
والَّتِي هِيَ أَحْسَنُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ يَقُولُوا. تَقْدِيرُهُ: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَقَالَةً وَاحِدَةً.
وَاسْمُ التَّفْضِيلِ مُسْتَعْمَلٌ فِي قُوَّةِ الْحُسْنِ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النَّحْل: ١٢٥]، أَيْ بِالْمُجَادَلَاتِ الَّتِي هِيَ بَالِغَةُ الْغَايَةِ فِي الْحُسْنِ، فَإِنَّ الْمُجَادَلَةَ لَا تَكُونُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَهَذِهِ الْآيَةُ شَدِيدَةُ الِاتِّصَالِ بِالَّتِي قَبْلَهَا وَلَيْسَتْ بِحَاجَةٍ إِلَى تَطَلُّبِ سَبَبٍ لِنُزُولِهَا. وَهَذَا تَأْدِيبٌ عَظِيمٌ فِي مُرَاقَبَةِ اللِّسَانِ وَمَا يَصْدُرُ مِنْهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِأَعْمَالٍ تُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ:
بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»

وَلَا يَخْفَى قُرْبُ الْحُرُوفِ الْأُولَى فِي هَذَا الِاسْمِ مِنْ حُرُوف إِدْرِيس، فَلَعَلَّ الْعَرَبَ اخْتَصَرُوا الِاسْمَ لِطُولِهِ فَاقْتَصَرُوا عَلَى أَوَّلِهِ مَعَ تَغْيِيرٍ.
وَكَانَ إِدْرِيسُ نَبِيئًا، فَفِي الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ «وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللَّهِ».
قِيلَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ لِلْبَشَرِ عِمَارَةَ الْمُدُنِ، وَقَوَاعِدَ الْعِلْمِ، وَقَوَاعِدَ التَّرْبِيَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْخَطَّ، وَعِلْمَ الْحِسَابِ بِالنُّجُومِ وَقَوَاعِدَ سَيْرِ الْكَوَاكِبِ، وَتَرْكِيبَ الْبَسَائِطِ بِالنَّارِ فَلِذَلِكَ كَانَ عِلْمُ الْكِيِمْيَاءِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَأَوَّلُ مَنْ عَلَّمَ النَّاسَ الْخِيَاطَةَ. فَكَانَ هُوَ مَبْدَأَ مَنْ وَضَعَ الْعُلُومَ، وَالْحَضَارَةَ، وَالنُّظُمَ الْعَقْلِيَّةَ.
فَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ فِي الْقُرْآنِ بِإِدْرِيسَ أَنَّهُ اشْتُقَّ لَهُ اسْمٌ من الْفرس على وَزْنٌ مُنَاسِبٌ لِلْأَعْلَامِ الْعَجَمِيَّةِ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ مَعَ كَوْنِ حُرُوفِهِ مِنْ مَادَّةٍ عَرَبِيَّةٍ، كَمَا مُنِعَ إِبْلِيسُ مِنَ الصَّرْفِ، وَكَمَا مُنِعَ طَالُوتُ مِنَ الصَّرْفِ.
وَتَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي لَفْظِ نَبِيئًا عِنْدَ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَوْلُهُ وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا قَالَ جمَاعَة مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هُوَ رَفْعٌ مَجَازِيٌّ. وَالْمُرَادُ:
رَفَعُ الْمَنْزِلَةِ، لِمَا أُوتِيَهُ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي فَاقَ بِهِ عَلَى مَنْ سَلَفَهُ. وَنُقِلَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ. وَقَالَ بِهِ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ رَفْعٌ حَقِيقِيٌّ إِلَىِ السَّمَاءِ، وَفِي الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ «وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللَّهِ وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ اللَّهَ أَخَذَهُ»، وَعَلَى هَذَا فَرَفْعُهُ مِثْلُ رَفْعِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ نَزْعِ رُوحِهِ وَرَوْحَنَةِ جُثَّتِهِ. وَمِمَّا يُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ بَقِيَ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً لَا يَنَامُ وَلَا يَأْكُلُ حَتَّى تَرَوْحَنَ، فَرُفِعَ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ عِدَّةَ أَنْبِيَاءَ غَيْرَهُ وُجِدُوا فِي السَّمَاوَاتِ. وَوَقَعَ
فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ الْإِسْرَاءِ بِالنَّبِيءِ
لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْغَضَبِ لِأَنَّهُ غَضَبٌ غَرِيبٌ. وَهَذَا مُقْتَضَى الْمَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ مُغاضِباً
حَالًا مُرَادًا بِهَا التَّشْبِيهُ، أَيْ خَرَجَ كالمغاضب. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ خَرَجَ خُرُوجًا غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ. ظَنَّ أَنَّهُ إِذَا ابْتَعَدَ عَنِ الْمَدِينَة الْمُرْسل هُوَ إِلَيْهَا يُرْسِلُ اللَّهُ غَيْرَهُ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ (حَزْقِيَالَ) مَلِكَ إِسْرَائِيلَ كَانَ فِي زَمَنِهِ خَمْسَةُ أَنْبِيَاءَ مِنْهُمْ يُونُسُ، فَاخْتَارَهُ الْمَلِكُ لِيَذْهَبَ إِلَى أَهْلِ (نِينَوَى) لِدَعْوَتِهِمْ فَأَبَى وَقَالَ: هَاهُنَا أَنْبِيَاءُ غَيْرِي وَخرج مغاضبا للْملك. وَهَذَا بَعِيدٌ مِنَ الْقُرْآنِ فِي آيَاتٍ أُخْرَى وَمِنْ كُتُبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَمَحَلُّ الْعِبْرَةِ مِنَ الْآيَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعْيِينِ الْقِصَّةِ.
وَمَعْنَى فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قِيلَ نَقْدِرُ مُضَارِعُ قَدَرَ عَلَيْهِ أَمْرًا بِمَعْنَى ضَيَّقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [الرَّعْد: ٢٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [الطَّلَاق: ٧]، أَيْ ظَنَّ أَنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ تَحْتِيمَ الْإِقَامَةِ مَعَ الْقَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَوْ تَحْتِيمَ قِيَامِهِ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ سَقَطَ تَعَلُّقُ تَكْلِيفِ التَّبْلِيغِ عَنْهُ اجْتِهَادًا مِنْهُ، فَعُوتِبَ بِمَا حَلَّ بِهِ إِذْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْلِمَ رَبَّهُ عَمَّا يُرِيدُ فِعْلَهُ. وَفِي «الْكَشَّافِ» : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: «لَقَدْ ضَرَبَتْنِي أَمْوَاجُ الْقُرْآنِ الْبَارِحَةُ فَغَرِقْتُ فَلَمْ أَجِدْ لِنَفْسِي خَلَاصًا إِلَّا بك. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَقَرَأَ مُعَاوِيَةُ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ: أَوَ يَظُنُّ نَبِيءُ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا مِنَ الْقَدْرِ لَا مِنَ الْقُدْرَةِ». يَعْنِي التَّضْيِيقَ عَلَيْهِ.
مِمَّا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ الْآيِ. وَلَيْسَ مِنَ الْمُنَاسِبِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ حَاصِلًا بَعْدَ دُخُولِ الْكَافِرِينَ النَّارَ، وَالْمُفَسِّرُونَ الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلَى ذَلِكَ تَكَلَّفُوا مَا لَا يُنَاسِبُ انْتِظَامَ الْمَعَانِي.
وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ قُلْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. وَالْخِطَابُ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِإِحْيَاءِ الْأَمْوَات.
وَجُمْلَة: فَسْئَلِ الْعادِّينَ تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ تَرَدُّدِهِمْ فِي تَقْدِيرِ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ فِي الْأَرْضِ. وَأَرَى فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ جَاءُوا فِي كَلَامِهِمْ بِمَا كَانَ مُعْتَادُهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَدَمِ ضَبْطِ حِسَابِ السِّنِينَ إِذْ كَانَ عِلْمُ مُوَافَقَةِ السِّنِينَ الْقَمَرِيَّةِ لِلسِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ تَقُومُ بِهِ بَنُو كِنَانَةَ الَّذِينَ بِيَدِهِمُ النَّسِيءُ وَيُلَقَّبُونَ بِالنَّسَأَةِ، قَالَ الْكِنَانِيُّ:
وَنَحْنُ النَّاسِئُونَ عَلَى مَعَدٍّ شُهُورَ الْحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا
وَالْمُفَسِّرُونَ جَعَلُوا الْمُرَادَ مِنَ الْعَادِّينَ الْمَلَائِكَةَ أَوِ النَّاسَ الَّذِينَ يَتَذَكَّرُونَ حِسَابَ مُدَّةِ الْمُكْثِ. وَلَكِنَّ الْقُرْطُبِيَّ قَالَ: أَيْ سَلِ الْحُسَّابَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَإِنَّا نَسِينَاهُ.
وَقَوْلُهُ: قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا قَرَأَهُ الْجُمْهُور كَمَا قرأوا الَّذِي قَبْلَهُ فَهُوَ حِكَايَةٌ لِلْمُحَاوَرَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ فِعْلُ قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا وَهِيَ طَرِيقَةُ حِكَايَةِ الْمُحَاوَرَاتِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٣٠]. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ كَالَّذِي قَبْلَهُ.
وَالِاسْتِفْهَامُ عَنْ عَدَدِ سَنَوَاتِ الْمُكْثِ فِي الْأَرْضِ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّنْبِيهِ لِيَظْهَرَ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ إِذْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ إِذَا دُفِنُوا فِي الْأَرْضِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا.
وَانْتُصِبَ عَدَدَ سِنِينَ عَلَى التَّمْيِيزِ لِ كَمْ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ وَالتَّمْيِيزُ إِنَّمَا هُوَ سِنِينَ.
وَإِضَافَةُ لَفْظِ عَدَدَ إِلَيْهِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ (كَمْ) لِأَنَّ (كَمْ) اسْمُ اسْتِفْهَامٍ عَنِ الْعَدَدِ فَذِكْرُ لَفْظِ عَدَدَ مَعَهَا تَأْكِيدٌ لِبَعْضِ مَدْلُولِهَا.
وَ (قَلِيلٌ) إِذَا وُصِفَ بِهِ يَجُوزُ مُطَابَقَتُهُ لِمَوْصُوفِهِ كَمَا هُنَا، وَيَجُوزُ مُلَازَمَتُهُ الْإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَ كَمَا قَالَ السموأل أَوِ الْحَارِثِيُّ:
وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ... الْبَيْتَ وَنَظِيرُهُ فِي ذَلِكَ لَفْظُ (كَثِيرٌ) وَقَدْ جَمَعَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ [الْأَنْفَال: ٤٣].
وَ «غَائِظُونَ» اسْمُ فَاعِلٍ مَنْ غَاظَهُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى أَغَاظَهُ، أَيْ جَعَلَهُ ذَا غَيْظٍ. وَالْغَيْظُ:
أَشَدُّ الْغَضَبِ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ فِي آلِ عِمْرَانَ [١١٩]، وَقَوْلِهِ: وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ [١٥]، أَيْ وَأَنَّهُمْ فَاعِلُونَ مَا يُغْضِبُنَا.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لَنا لَامُ التَّقْوِيَةِ وَاللَّامُ فِي لَغائِظُونَ لَامُ الِابْتِدَاءِ، وَتَقْدِيمُ لَنا عَلَى لَغائِظُونَ لِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ حَثٌّ لِأَهْلِ الْمَدَائِنِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا حَذِرِينَ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ إِذْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَجَمِيعٌ وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ وُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي سِيَاسَةِ الْمَمْلَكَةِ، أَيْ إِنَّا كلّنا حذرون، فَجَمِيع وَقَعَ مُبْتَدأ وَخَبره حاذِرُونَ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ، وَ (جَمِيعٌ) بِمَعْنَى: (كُلٍّ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فِي سُورَة يُونُس [٤].
وحاذِرُونَ قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِدُونِ أَلِفٍ بَعْدَ الْحَاءِ فَهُوَ جَمْعُ حَذِرٍ وَهُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمُبَالَغَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهٍ والمحققين. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ وَخَلَفٍ بِأَلِفٍ بَعْدَ الْحَاءِ جَمْعُ (حَاذِرٍ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَذَرَ مِنْ شِيمَتِهِ
وَعَادَتِهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، أَيْ إِنَّا مِنْ عَادَتِنَا التَّيَقُّظُ لِلْحَوَادِثِ وَالْحَذَرُ مِمَّا عَسَى أَنْ يَكُونَ لَهَا من سيّىء الْعَوَاقِبِ.
وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ السِّيَاسَةِ وَهُوَ سَدُّ ذَرَائِعِ الْفَسَادِ وَلَوْ كَانَ احْتِمَالُ إِفْضَائِهَا إِلَى الْفَسَادِ ضَعِيفًا، فَالذَّرَائِعُ الْمُلْغَاةُ فِي التَّشْرِيعِ فِي حُقُوقِ الْخُصُوصِ غَيْرُ مُلْغَاةٍ فِي سِيَاسَةِ الْعُمُومِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ: إِنَّ نَظَرَ وُلَاةِ الْأُمُورِ فِي مَصَالِحِ الْأُمَّةِ أَوْسَعُ مِنْ نَظَرِ الْقُضَاةِ، فَالْحَذَرُ أَوْسَعُ مِنْ حِفْظِ الْحُقُوقِ وَهُوَ الْخَوْفُ
فَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى [الْقَصَص:
٤٣] مَسُوقٌ مَسَاقَ إِبْطَالِ تَعْجَبِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ لَمْ يَسْبِقْهَا رِسَالَةُ رَسُولٍ
إِلَى آبَائِهِمُ الْأَوَّلِينَ، كَمَا عَلِمْتَ مِمَّا تَقَدَّمَ آنِفًا، فَذَكَّرَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مُوسَى كَذَلِكَ بَعْدَ فَتْرَةٍ عَظِيمَةٍ، وَأَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى أَثَارُوا مِثْلَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَقَالُوا مَا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [الْقَصَص: ٣٦] فَكَمَا كَانَتْ رِسَالَةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ كَذَلِكَ كَانَتْ رِسَالَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَالْمَعْنَى: فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ حَقِيقِينَ بِأَنْ يُنَظِّرُوا رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ بِرِسَالَةِ مُوسَى وَلَكِنَّ اللَّهَ أَنْشَأَ قُرُونًا أَيْ أُمَمًا بَيْنَ زَمَنِ مُوسَى وَزَمَنِهِمْ فَتَطَاوَلَ الزَّمَنُ فَنَسِيَ الْمُشْرِكُونَ رِسَالَةَ مُوسَى فَقَالُوا مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ [ص: ٧]. وَحَذْفُ بَقِيَّةِ الدَّلِيلِ وَهُوَ تَقْدِيرُ: فَنَسُوا، لِلْإِيجَازِ لِظُهُورِهِ مِنْ قَوْلِهِ فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ حِينَ صَارُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [الْمَائِدَة:
١٣]، وَقَالَ عَنِ النَّصَارَى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [الْمَائِدَة: ١٤] وَقَالَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الْحَدِيد: ١٦]، فَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِمُ عَائِدٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ لَا إِلَى الْقُرُونِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِدْرَاكَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى [الْقَصَص: ٤٣] وَأَنَّ مَا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ هَذَا اسْتِطْرَادٌ. وَهَذَا أَحْسَنُ فِي بَيَانِ اتِّصَالِ الِاسْتِدْرَاكِ مِمَّا احْتَفَلَ بِهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ». وَلِلَّهِ دَرُّهُ فِي اسْتِشْعَارِهِ، وَشَكَرَ اللَّهُ مَبْلَغَ جُهْدِهِ. وَهُوَ بِهَذَا مُخَالِفٌ لِمَوْقِعِ الِاسْتِدْرَاكَيْنِ الْآتِيَيْنِ بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَقَوْلِهِ وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الْقَصَص: ٤٦]. والْعُمُرُ الْأَمَدُ كَقَوْلِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ [يُونُس: ١٦].
وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ.
هَذَا تَكْرِيرٌ لِلدَّلِيلِ بِمَثَلٍ آخَرَ مِثْلُ مَا فِي قَوْلِهِ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ [الْقَصَص: ٤٤] أَيَّ مَا كُنْتَ مَعَ مُوسَى فِي وَقْتِ التَّكْلِيمِ وَلَا كُنْتَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ إِذْ جَاءَهُمْ مُوسَى وَحَدَثَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُعَيْبٍ مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ.
الصَّحِيحَةِ وَآثَارِ الْحِكْمَةِ لَمْ يَتَمَالَكُوا أَنْ لَا يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ غَلَطَهُمْ رَدًّا يَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ أَنْ لَا يَكُونُوا قَبِلُوا دَعْوَةَ الْحَقِّ كَمَا قَبِلَهَا الْمُؤْمِنُونَ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ. وَعَطَفَ الْإِيمَانَ على الْعلم للاهتمام بِهِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِدُونِ إِيمَانٍ لَا يُرْشِدُ إِلَى الْعَقَائِدِ الْحَقِّ الَّتِي بِهَا الْفَوْزُ فِي الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ. وَالْمَعْنَى: وَقَالَ لَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ إِنْكَارًا عَلَيْهِمْ وَتَحْسِيرًا لَهُمْ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْمَعُونَ تَحَاجَّ الْمُشْرِكِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فَيُبَادِرُونَ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ تَغْيِيرَ الْمُنْكَرِ سَجِيَّتَهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا. وَفِي هَذَا أَدَبٌ إِسْلَامِيٌّ وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَسْمَعُ الْخَطَأَ فِي الدِّينِ وَالْإِيمَانِ لَا يُقِرُّهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ صَرْفٌ لَهُمْ عَنْ تِلْكَ الْمَعْذِرَةِ كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: دَعُوا عَنْكُمْ هَذَا فَلَا جَدْوَى فِيهِ وَاشْتَغِلُوا بِالْمَقْصُودِ وَمَا وُعِدْتُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْبَعْثِ. وَفِعْلُ لَبِثْتُمْ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ، أَيْ مَكَثْتُمْ، أَيِ اسْتَقْرَرْتُمْ فِي الْقُبُورِ، وَالْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّحْزِينِ وَالتَّرْوِيعِ بِاعْتِبَارِ مَا يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الْإِفْصَاحِ عَنْ حُضُورِ وَقْتِ عَذَابِهِمْ. وفِي مِنْ قَوْلِهِ فِي كِتابِ اللَّهِ لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ لَبِثْتُمْ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ وَلَمْ يُعَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ لِأَجْلِ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ تَهْدِيدِهِمْ بِهَذَا الْيَوْمِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٠]، أَيْ: لَقَدْ بَلَغَكُمْ ذَلِكَ وَسَمِعْتُمُوهُ فَكَانَ الشَّأْنُ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَلَا تَعْتَذِرُوا بِقَوْلِكُمْ مَا لَبِثْنَا غَيْرَ سَاعَةٍ.
وَالْفَاءُ فِي فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ فَاءُ الْفَصِيحَةِ أَفْصَحَتْ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وَتُفِيدُ مَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فِي سُورَةِ الْفرْقَان [١٩]،
أَي إِذا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ كَالْفَاءِ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ:
قَالُوا خُرَاسَانُ أَقْصَى مَا يُرَادُ بِنَا ثُمَّ الْقُفُولُ فَقَدْ جِئْنَا خَرَاسَانَا
وَهَذَا تَوْبِيخٌ لَهُمْ وَتَهْدِيدٌ وَتَعْجِيلٌ لِإِسَاءَتِهِمْ بِمَا يَتَرَقَّبُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ. وَالِاقْتِصَارُ عَلَى فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ لِيَتَوَقَّعُوا كُلَّ سُوءٍ وَعَذَابٍ.
إِلَى قَوْلِهِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الْأَحْزَاب: ٧٣] فَقَدْ جَاءَ تَفْصِيلُهُ بِذِكْرِ فَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مضيع للأمانة وَالْآخر مُرَاعٍ لَهَا.
وَلِذَلِكَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الَّذِينَ وَفَّوْا بِالْعُهُودِ وَالْأَمَانَاتِ فَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا [الْأَحْزَاب: ١٥] وَقَالَ فِيهَا: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الْأَحْزَاب: ٢٣] وَقَالَ: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [مَرْيَم: ٥٤] وَقَالَ فِي ضِدِّ ذَلِكَ: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ إِلَى قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [الْبَقَرَة: ٢٦، ٢٧].
[٧٣]
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٧٣]
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣)
مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [الْأَحْزَاب: ٧٢] لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْنَافِ الْإِنْسَانِ. وَهَذِهِ اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ الْمَجَازِيِّ الْمُسَمَّاةُ لَامُ الْعَاقِبَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا غَيْرَ مَرَّةٍ إِحْدَاهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً فِي آلِ عِمْرَانَ [١٧٨].
وَالشَّاهِدُ الشَّائِعُ فِيهَا هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [الْقَصَص: ٨] وَعَادَةُ النُّحَاةِ وَعُلَمَاءِ الْبَيَانِ يَقُولُونَ: إِنَّهَا فِي مَعْنَى فَاءِ التَّفْرِيعِ: وَإِذْ قَدْ كَانَ هَذَا عَاقِبَةً لِحَمْلِ الْإِنْسَانِ الْأَمَانَةَ وَكَانَ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ لَامُ التَّعْلِيلِ إِجْمَالٌ تَعَيَّنَ أَنَّ هَذَا يُفِيدُ بَيَانًا لِمَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الْأَحْزَاب: ٧٢] كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا، أَيْ فَكَانَ الْإِنْسَانُ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا ظَالِمًا جَاهِلًا، وَفَرِيقًا رَاشِدًا عَالِمًا.
وَالْمَعْنَى: فَعَذَّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَلَى عَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْأَمَانَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوهَا فِي أَصْلِ الْفِطْرَةِ وَبِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ، وَتَابَ عَلَى الْمُؤمنِينَ فغفر لَهُم مِنْ ذُنُوبِهِمْ لِأَنَّهُمْ وَفَّوْا بِالْأَمَانَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوهَا. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [الْأَحْزَاب: ٢٤] أَيْ كَمَا تَابَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَنْدَمُوا عَلَى مَا فَرَطَ مِنْ نِفَاقِهِمْ فَيُخْلِصُوا الْإِيمَانَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ.
وَإِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ: وَيَتُوبَ اللَّهُ وَكَانَ الظَّاهِرُ إِضْمَارَهُ لِزِيَادَةِ الْعِنَايَةِ
الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠]. فَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَهْلِهِ هُنَا لِقِلَّةِ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَوْ أُرِيدَ بِالْأَهْلِ أَهْلَ دِينِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [آل عمرَان: ٦٨].
وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَنَّ اسْتِجَابَةَ دُعَاءِ نُوحٍ كَانَتْ بِأَنْ أَهْلَكَ قَوْمَهَ.
والْكَرْبِ: الْحُزْنُ الشَّدِيدُ وَالْغَمُّ. وَوَصَفَهُ بِ الْعَظِيمِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي نَوْعِهِ فَهُوَ غَمٌّ عَلَى غَمٍّ. وَالْمَعْنِيُّ بِهِ الطُّوفَانُ، وَهُوَ كَرْبٌ عَظِيمٌ عَلَى الَّذِينَ وَقَعُوا فِيهِ، فَإِنْجَاءُ نُوحٍ مِنْهُ هُوَ سَلَامَتُهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهِ كَمَا عَلِمْتَ لِأَنَّهُ هَوْلٌ فِي الْمَنْظَرِ، وَخَوْفٌ فِي الْعَاقِبَة وَالْوَاقِع فِيهِ مُوقِنٌ بِالْهَلَاكِ. وَلَا يزَال الْخَوْف يزْدَاد بِهِ حَتَّى يَغْمُرَهُ الْمَاءُ ثُمَّ لَا يَزَالُ فِي آلَامٍ مِنْ ضِيقِ النَّفَسِ وَرِعْدَةِ القرّ وَالْخَوْف وَتحقّق الْهَلَاكِ حَتَّى يَغْرَقَ فِي الْمَاءِ.
وَإِنْجَاءُ اللَّهِ إِيَّاهُ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنْجَاءُ أَهْلِهِ نعْمَة أُخْرَى، وإهلاك ظَالِمِيهِ نِعْمَةٌ كُبْرَى، وَجَعْلُ عُمْرَانِ الْأَرْضِ بذريته نعْمَة دائمة لِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ لَهُ وَيُذْكَرُ بَيْنَهُمْ مَصَالِحُ أَعْمَالِهِ وَذَلِكَ مِمَّا يَرْحَمُهُ اللَّهُ لِأَجْلِهِ، وَسَتَأْتِي نِعَمٌ أُخْرَى تَبْلُغُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
وَضَمِيرُ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ: هُمُ الْباقِينَ لِلْحَصْرِ، أَيْ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ نَجَّاهُ اللَّهُ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ مَنْ تَنَاسَلَ مِنْهُمْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَبْنَاءِ آدَمَ غَيْرُ ذَرِّيَّةِ نُوحٍ فَجَمِيعُ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَوْلَادِ نُوحٍ الثَّلَاثَةِ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مَنْ آمَنَ مَعَ نُوحٍ مِنْ غَيْرِ أَبْنَائِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَسْلٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
لَمَّا خَرَجَ نُوحٌ مِنَ السَّفِينَةِ مَاتَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَلَدَهُ وَنِسَاءَهُ. وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ هُودٍ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠]، وَهَذَا جَارٍ عَلَى أَنَّ الطُّوفَانَ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا وَاسْتَأْصَلَ جَمِيعَ الْبَشَرِ إِلَّا مَنْ حَمَلَهُمْ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ فِي سُورَةِ هُودٍ.
وَعُمُومُ الطُّوفَانِ هُوَ مُقْتَضَى ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ، وَمَنْ قَالُوا إِنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَعُمَّ الْأَرْضَ فَإِنَّمَا أَقْدَمُوا عَلَى إِنْكَارِهِ مِنْ جِهَةِ قِصَرِ الْمُدَّةِ الَّتِي حَدَّدَتْ بِهَا كُتُبُ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ الِاطْمِئْنَانُ لَهَا فِي ضَبْطِ عُمْرِ الْأَرْضِ وَأَحْدَاثِهَا وَذَلِكَ لَيْسَ
اللَّهِ فَلَا يَلْبَثُ أَنْ يَفْتَضِحَ أَمْرُهُ أَوْ يُهْلِكَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤- ٤٦] لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُمْهِلُ الْكَاذِبَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا جَاءَكُمْ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ فَقَدْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَخْرُقُ الْعَادَةَ بَعْدَ تَحَدِّي الْمُتَحَدِّي بِهَا إِلَّا لِيَجْعَلَهَا أَمَارَةً عَلَى أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْهُ لِأَنَّ تَصْدِيقَ الْكَاذِبِ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَمَعْنَى: يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ أَيْ مِمَّا تَوَعَّدَكُمْ بِوُقُوعِهِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ فِي الْآخِرَةِ وَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ الْبَيِّنَةُ نَفْسُهَا مَصَائِبَ تَحُلُّ بِهِمْ مِثْلَ الطُّوفَانِ وَالْجَرَادِ وَبَقِيَّةِ التِّسْعِ الْآيَاتِ.
وَالْمُسْرِفُ: مُتَجَاوِزُ الْمَعْرُوفِ فِي شَيْءٍ، فَالْمُرَادُ هُنَا مُسْرِفٌ فِي الْكَذِبِ لِأَنَّ أَعْظَمَ الْكَذِبِ أَنْ يَكُونَ عَلَى اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الْأَنْعَام: ٩٣].
وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ الْإِسْرَافُ فِي الْكَذِبِ تَعَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: كَذَّابٌ عَطْفُ بَيَانٍ وَلَيْسَ خَبَرًا ثَانِيًا إِذْ لَيْسَ ثَمَّةَ إِسْرَافٌ هُنَا غَيْرُ إِسْرَافِ الْكَذِبِ، وَفِي هَذَا اعْتِرَافٌ مِنْ هَذَا الْمُؤْمِنِ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْكَرَهُ فِرْعَوْنُ، رَمَاهُ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي إِلَى آخِرِهَا جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ كَلَامَيْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ لَيْسَتْ مِنْ حِكَايَةِ كَلَامِهِ وَإِنَّمَا هِيَ قَوْلٌ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ فِي قُرْآنِهِ يُقْصَدُ مِنْهَا تَزْكِيَةُ هَذَا الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ إِذْ هَدَاهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ، وَأَنَّهُ تَقِيٌّ صَادِقٌ، فَيَكُونُ نَفْيُ الْهِدَايَةِ عَنِ الْمُسْرِفِ الْكَذَّابِ كِنَايَةً عَنْ تَقْوَى هَذَا الرَّجُلِ وَصِدْقِهِ لِأَنَّهُ نَطَقَ عَنْ هُدًى وَاللَّهُ لَا يُعْطِي الْهُدَى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ.
[٢٩]
[سُورَة غَافِر (٤٠) : آيَة ٢٩]
يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩)
يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا.
لَمَّا تَوَسَّمَ نُهُوضَ حُجَّتِهِ بَيْنَهُمْ وَأَنَّهَا دَاخَلَتْ نُفُوسَهُمْ، أَمِنَ بَأْسَهُمْ، وَانْتَهَزَ فُرْصَةَ انْكِسَارِ قُلُوبِهِمْ، فَصَارَحَهُمْ بِمَقْصُودِهِ مِنِ الْإِيمَانِ بِمُوسَى عَلَى سُنَنِ الْخُطَبَاءِ
بِالضَّلَالَةِ وَالْعَذَابِ، وَوَصْفِ حَالِهِمُ الْفَظِيعِ، عَادَ الْكَلَامُ إِلَى خِطَابِهِمْ بِالدَّعْوَةِ الْجَامِعَةِ لِمَا تَقَدَّمَ طَلَبًا لِتَدَارُكِ أَمْرِهِمْ قَبْلَ الْفَوَاتِ، فَاسْتُؤْنِفَ الْكَلَامُ اسْتِئْنَافًا فِيهِ مَعْنَى النَّتِيجَةِ لِلْمَوَاعِظِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ من الزواجر يهيّىء بَعْضَ النُّفُوسِ لِقَبُولِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ.
وَالِاسْتِجَابَةُ: إِجَابَةُ الدَّاعِي، وَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلتَّوْكِيدِ. وَأُطْلِقَتْ الِاسْتِجَابَةُ عَلَى امْتِثَالِ مَا يُطَالِبُهُمْ بِهِ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ لِأَنَّ اسْتِجَابَةَ النِّدَاءِ تَسْتَلْزِمُ الِامْتِثَالَ لِلْمُنَادِي فَقَدْ كَثُرَ إِطْلَاقُهَا عَلَى إِجَابَةِ الْمُسْتَنْجِدِ. وَالْمَعْنَى: أَطِيعُوا رَبَّكُمْ وَامْتَثِلُوا أَمْرَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمُ الْعَذَابِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ جَارٍ عَلَيْهِ.
وَاللَّامُ فِي لِرَبِّكُمْ لِتَأْكِيدِ تَعْدِيَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْمَفْعُولِ مِثْلَ: حَمِدْتُ لَهُ وَشَكَرْتُ لَهُ.
وَتُسَمَّى لَامَ التَّبْلِيغِ وَلَامَ التَّبْيِينِ. وَأَصْلُهُ اسْتِجَابَةٌ، قَالَ كَعْبٌ الْغَنَوِيٌّ:
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
وَلَعَلَّ أَصْلَهُ اسْتَجَابَ دُعَاءَهُ لَهُ، أَيْ لِأَجْلِهِ لَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشَّرْح: ١] فَاخْتُصِرَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَقَالُوا: اسْتَجَابَ لَهُ وَشَكَرَ لَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٨٦].
وَالْمَرَدُّ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الرَّدِّ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى:
٤٤]. فَلا مَرَدَّ لَهُ صِفَةُ يَوْمٌ. وَالْمَعْنَى: لَا مَرَدَّ لِإِثْبَاتِهِ بَلْ هُوَ وَاقِعٌ، ولَهُ خَبَرُ لَا النَّافِيَةِ، أَيْ لَا مَرَدَّ كَائِنًا لَهُ، وَلَامُ لَهُ لِلِاخْتِصَاصِ.
ومِنْ: فِي قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ ابْتِدَائِيَّةٌ وَهُوَ ابْتِدَاءٌ مَجَازِيٌّ، وَمَعْنَاهُ: حُكْمُ اللَّهِ بِهِ فَكَأَنَّ الْيَوْمَ جَاءَ مِنْ لَدُنْهُ.
وَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الْمَجْرُورِ بِفِعْلِ يَأْتِيَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْكَوْنِ الَّذِي فِي خَبَرِ لَا. وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا: لَا مَرَدَّ كَائِنًا مِنَ اللَّهِ لَهُ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِ مَرَدَّ عَلَى أَنَّهُ مُتَمِّمُ مَعْنَاهُ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اسْمُ لَا شَبِيهًا بِالْمُضَافِ فَكَانَ مُنَوَّنًا
وَعَطْفُ وَتَدْعُوا عَلَى تَهِنُوا فَهُوَ مَعْمُولٌ لِحَرْفِ النَّهْيِ، وَالْمَعْنَى: وَلَا تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَهُوَ عَطْفٌ خَاصٌّ عَلَى عَامٍّ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ الدُّعَاء إِلَى السّلم مَعَ الْمَقْدِرَةِ مِنْ طَلَبِ الدَّعَةِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ. وَإِنَّمَا خُصَّ بِالذِّكْرِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةَ اسْتِبْقَاءِ النُّفُوسِ وَالْعِدَةِ بالاستراحة من عدوان الْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ كَانُوا مُتَكَالِبِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَرُبَّمَا ظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ إِنْ تَدَاعَوْا مَعَهُمْ لِلسَّلْمِ أَمِنُوا مِنْهُمْ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ فُرْصَةً لِيَنُشُّوا الدَّعْوَةَ فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْمَضَرَّةِ لِأَنَّهُ يَحُطُّ مِنْ شَوْكَتِهِمْ فِي نَظَرِ الْمُشْرِكِينَ فَيَحْسَبُونَهُمْ طَلَبُوا السَّلْمَ عَنْ ضَعْفٍ فَيَزِيدُهُمْ ذَلِكَ ضَرَاوَةً عَلَيْهِمْ وَتَسْتَخِفُّ بِهِمْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ بَعْدَ أَنْ أَخَذُوا مِنْ قُلُوبِهِمْ مَكَانَ الْحُرْمَةِ وَتَوَقُّعِ الْبَأْسِ.
وَلِهَذَا الْمَقْصِدِ الدَّقِيقِ جُمِعَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الْوَهَنِ وَالدُّعَاءِ إِلَى السَّلْمِ وَأُتْبِعَ بِقَوْلِهِ:
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ.
فَتَحَصَّلَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الدُّعَاءَ إِلَى السَّلْمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ هُوَ طلب المسالمة مِنَ الْعَدُوِّ فِي حَالِ قُدْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَخَوْفِ الْعَدُوِّ مِنْهُمْ، فَهُوَ سَلْمٌ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِ الْمُسْلِمِينَ دَاعِينَ لَهُ وَبِكَوْنِهِ عَنْ وَهَنٍ فِي حَالِ قُوَّةٍ. قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ لَا تَكُونُوا أَوَّلَ الطَّائِفَتَيْنِ ضَرِعَتْ إِلَى صَاحِبَتِهَا.
فَهَذَا لَا يُنَافِي السَّلْمَ الْمَأْذُونَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [٦١]، فَإِنَّهُ سَلْمٌ طَلَبَهُ الْعَدُوُّ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةً لِآيَةِ الْأَنْفَالِ وَلَا الْعَكْسَ وَلِكُلٍّ حَالَةٌ خَاصَّةٌ، وَمُقَيَّدٌ بِكَوْنِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَالَةِ قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ وَعِدَّةٍ بِحَيْثُ يَدْعُونَ إِلَى السَّلْمِ رَغْبَةً فِي الدَّعَةِ. فَإِذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةٌ فِي السَّلْمِ أَوْ كَانَ أَخَفَّ ضُرًّا عَلَيْهِمْ فَلَهُمْ أَنْ يَبْتَدِئُوا إِذَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ وَأَنْ يُجِيبُوا إِلَيْهِ إِذَا دُعُوا إِلَيْهِ.
وَقَدْ صَالح النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لِمَصْلَحَةٍ ظَهَرَتْ فِيمَا بَعْدُ، وَصَالَحَ الْمُسْلِمُونَ فِي غَزْوِهِمْ إفريقية أَهلهَا وانكفأوا رَاجِعِينَ إِلَى مِصْرَ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كَلَامٍ لَهُ مَعَ بَعْضِ أُمَرَاءِ الْجَيْشِ «فَقَدْ آثَرْتُ سَلَامَةَ الْمُسْلِمِينَ». وَأَمَّا الصُّلْحُ عَلَى بَعْضِ الْأَرْضِ مَعَ فَتْحِهَا فَذَلِكَ لَا يُنَافِي قُوَّةَ الْفَاتِحِينَ كَمَا صَالَحَ أُمَرَاءُ أَبِي بَكْرٍ نِصْفَ أَهْلِ دِمَشْقَ وَكَمَا صَالَحَ أُمَرَاءُ عمر أهل سود الْعِرَاقِ وَكَانُوا أَعْلَمَ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ.
مِنَ الصُّحُفِ شَيْءٌ مَكْتُوبٌ وَالْكِتَابَةُ فِيهَا مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَصَلُحَ «مَا فِي صُحُفِ مُوسَى» لِأَنْ تُفَسِّرَهُ (أَنْ) التَّفْسِيرِيَّةُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى [النَّجْم: ٥٦] فِي هَذِهِ السُّورَةِ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: هَذِهِ الْحُرُوفُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ إِلَى قَوْلِهِ: هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى [النَّجْم: ٥٦] كُلُّ هَذِهِ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى. وتَزِرُ مُضَارِعُ وَزَرَ، إِذَا فَعَلَ وِزْرًا.
وَتَأْنِيثُ وازِرَةٌ بِتَأْوِيلِ: نَفْسٍ، وَكَذَلِكَ تَأْنِيثُ أُخْرى، وَوُقُوعُ «نَفْسٍ»
وأُخْرى فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يُفِيدُ الْعُمُومَ فَيَشْمَلُ نَفْيَ مَا زَعَمَهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنْ تَحَمُّلِ الرَّجُلِ عَنْهُ عَذَابَ اللَّهِ.
وَهَذَا مِمَّا كَانَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْهُ مَا حَكَى اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشُّعَرَاء: ٨٧- ٨٩].
وَحُكِيَ فِي التَّوْرَاةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي شَأْنِ قَوْمِ لُوطٍ: «أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الْآثِمِ».
وَأَمَّا نَظِيرُهُ فِي صُحُفِ مُوسَى فَفِي التَّوْرَاةِ (١) «لَا يُقْتَلُ الْآبَاءُ عَنِ الْأَوْلَادِ وَلَا يُقْتَلُ الْأَوْلَادُ عَنِ الْآبَاءِ كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيئَتِهِ يُقْتَلُ». وَحَكَى اللَّهُ عَنْ مُوسَى قَوْلَهُ: أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الْأَعْرَاف: ١٥٥]. وَعُمُومُ لَفْظِ وِزْرَ يَقْتَضِي اطِّرَادَ الْحُكْمِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَأُمُورِ الْآخِرَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ (٢) أَنَّ اللَّهَ قَالَ: «أَفْتَقِدُ الْأَبْنَاءَ بِذِنُوبِ الْآبَاءِ إِلَى الْجِيلِ الثَّالِثِ» فَذَلِكَ فِي تَرْتِيبِ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى الْأَسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَهُوَ تَحْذِيرٌ.
وَلَيْسَ حَمْلُ الْمُتَسَبِّبِ فِي وِزْرِ غَيْرِهِ حَمْلًا زَائِدًا عَلَى وِزْرِهِ مِنْ قَبِيلِ تَحَمُّلِ وِزْرِ الْغَيْرِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ زِيَادَةِ الْعِقَابِ لِأَجْلِ تَضْلِيلِ الْغَيْرِ، قَالَ تَعَالَى:
_________
(١) سفر التَّثْنِيَة إصحاح ٢٤.
(٢) سفر الْخُرُوج إصحاح ٢٠.
وَمُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ فِيهَا تَعْيِينُ مَا قَصَدَهُ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَجَهُّزِهِ إِلَى مَكَّةَ أَهْوَ لِأَجْلِ الْعُمْرَةِ أَمْ لِأَجْلِ الْفَتْحِ فَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ الْأَوَّلَ وَهُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ كَانَتِ السُّورَةُ جَمِيعُهَا نَازِلَةً فِي مُدَّةٍ مُتَقَارِبَةٍ فَإِنَّ امْتِحَانَ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ كَانَ عَقِبَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَيَكُونُ نُزُولُ السُّورَةِ مُرَتَّبًا عَلَى تَرْتِيبِ آيَاتِهَا وَهُوَ الْأَصْلُ فِي السُّورِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَكُونُ صُدُورُ السُّورَةِ نَازِلًا بَعْدَ آيَاتِ الِامْتِحَانِ وَمَا بَعْدَهَا حَتَّى
قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ لَا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ السُّورَةُ قَدْ عُدَّتِ الثَّانِيَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي تِعْدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْعُقُودِ وَقَبْلَ سُورَة النِّسَاء.
أغراض هَذِه السُّورَة
اشْتَمَلَتْ مِنَ الْأَغْرَاضِ عَلَى تَحْذِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ اتِّخَاذِ الْمُشْرِكِينَ أَوْلِيَاءَ مَعَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِالدِّينِ الْحَقِّ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ.
وَإِعْلَامِهِمْ بِأَنَّ اتِّخَاذَهُمْ أَوْلِيَاءَ ضَلَالٌ وَأَنَّهُمْ لَوْ تَمَكَّنُوا من الْمُؤمنِينَ لأساؤوا إِلَيْهِمْ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ، وَأَنَّ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَوَاصِرِ الْقَرَابَةِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ تُجَاهَ الْعَدَاوَةِ فِي الدِّينِ، وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فِي ذَلِكَ قَطِيعَةَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ.
وَأَرْدَفَ ذَلِكَ بِاسْتِئْنَاسِ الْمُؤْمِنِينَ بِرَجَاءِ أَنْ تَحْصُلَ مَوَدَّةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِمُعَادَاتِهِمْ أَيْ هَذِهِ مُعَادَاةٌ غَيْرُ دَائِمَةٍ.
وَأَرْدَفَ بِالرُّخْصَةِ فِي حُسْنِ مُعَامَلَةِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ قِتَالَ عَدَاوَةٍ فِي دِينٍ وَلَا أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ. وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ إِلَى نِهَايَةِ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ.
وَحكم الْمُؤْمِنَات الّلاء يَأْتِينَ مُهَاجِرَاتٍ وَاخْتِبَارِ صَدَقِ إِيمَانِهِنَّ وَأَنْ يُحْفَظْنَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى دَارِ الشِّرْكِ وَيُعَوَّضَ أَزْوَاجُهُنَّ الْمُشْرِكُونَ مَا أَعْطَوْهُنَّ مِنَ الْمُهُورِ وَيَقَعَ التَّرَادُّ كَذَلِكَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ.
وَ (هاؤُمُ) بِتَصَارِيفِهِ مُعْتَبَرٌ اسْمُ فِعْلِ أَمْرٍ بِمَعْنَى: خُذْ، كَمَا فِي «الْكَشَّافِ» وَبِمَعْنَى تَعَالَ، أَيْضًا كَمَا فِي «النِّهَايَةِ».
وَالْخِطَابُ فِي قَوْله: هاؤُمُ اقْرَؤُا لِلصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَحْشَرِ.
وكِتابِيَهْ أَصْلُهُ: كِتَابِيَ بِتَحْرِيكِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى أَحَدِ وُجُوهٍ فِي يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ إِذَا وَقَعَتْ مُضَافًا إِلَيْهَا وَهُوَ تَحْرِيكٌ أَحْسَبُ أَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ إِظْهَارُ إِضَافَةِ الْمُضَافِ إِلَى تِلْكَ الْيَاءِ لِلْوُقُوفِ، مُحَافَظَةً عَلَى حَرَكَةِ الْيَاءِ الْمَقْصُود اجتلابها.
واقْرَؤُا بَيَانٌ لِلْمَقْصُودِ مِنِ اسْمِ الْفِعْلِ مِنْ قَوْلِهِ هاؤُمُ.
وَقَدْ تَنَازَعَ كُلٌّ من هاؤُمُ واقْرَؤُا قَوْلَهُ: كِتابِيَهْ. وَالتَّقْدِيرُ: هاؤم كِتَابيه اقرأوا كِتَابِيَهِ. وَالْهَاءُ فِي كِتَابِيَهْ وَنَظَائِرِهَا لِلسَّكْتِ حِين الْوَقْف.
وَحَقُّ هَذِهِ الْهَاءِ أَنْ تُثْبَتَ فِي الْوَقْفِ وَتُسْقَطَ فِي الْوَصْلِ. وَقَدْ أُثْبِتَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْحَالَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْقُرَّاءِ وَكُتِبَتْ فِي الْمَصَاحِفِ، فَعُلِمَ أَنَّهَا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الْكَلَامِ الْمَحْكِيِّ بِلُغَةِ ذَلِكَ الْقَائِلِ بِمَا يُرَادِفُهُ فِي الْاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ لِأَنَّ الْاسْتِعْمَالَ أَنْ يَأْتِيَ الْقَائِلُ بِهَذِهِ الْهَاءِ بِالْوَقْفِ عَلَى كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ.
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَقَعَتْ فَوَاصِلَ وَالْفَوَاصِلُ مِثْلُ الْأَسْجَاعِ تُعْتَبَرُ بِحَالَةِ الْوَقْفِ مِثْلُ الْقَوَافِي، فَلَو قيل: اقرأوا كِتَابِيَ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَ، سَقَطَتْ فَاصِلَتَانِ وَذَلِكَ تَفْرِيطٌ فِي مُحَسِّنَيْنِ.
وَقَرَأَهَا يَعْقُوبُ إِذَا وَصَلَهَا بِحَذْفِ الْهَاءِ وَالْقُرَّاءُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهَا الْقَارِئُ
لِيُوَافِقَ مَشْهُورَ رَسْمِ الْمُصْحَفِ وَلِئَلَّا يَذْهَبَ حُسْنُ السَّجْعِ.
وَأُطْلِقَ الظَّنُّ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ، عَلَى مَعْنَى الْيَقِينِ وَهُوَ أَحَدُ مَعْنَيَيْهِ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ: كُلُّ ظَنٍّ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُؤْمِنِ فَهُوَ يَقِينٌ وَمِنَ الْكَافِرِ فَهُوَ شَكٌّ.
وَحَقِيقَةُ الظَّنِّ: عِلْمٌ لَمْ يَتَحَقَّقْ إِمَّا لِأَنَّ الْمَعْلُومَ بِهِ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى عَالَمِ الْحِسِّ، وَإِمَّا لِأَنَّ عِلْمَ صَاحِبِهِ مَخْلُوطٌ بِشَكٍّ. وَبِهَذَا يَكُونُ إِطْلَاقُ الظَّنِّ على الْمَعْلُوم الْمُتَّقِينَ إِطْلَاقًا حَقِيقِيًّا. وَعَلَى هَذَا جَرَى الْأَزْهَرِيُّ فِي «التَّهْذِيبِ» وَأَبُو عَمْرٍو وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ عَطِيَّةَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَنَّا صَبَبْنَا بِكَسْرِ هَمْزَةِ (أَنَّا) عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ لِتَفْصِيلِ مَا أُجْمِلَ هُنَالِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِيجَازِ. وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ بَدَلِ اشْتِمَالٍ مِنْ طَعامِهِ أَوِ الْبَدَلُ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِنْ مُجْمَلٍ.
وَالصَّبُّ: إِلْقَاءُ صُبْرَةٍ مُتَجَمِّعَةٍ مِنْ أَجْزَاءٍ مَائِعَةٍ أَوْ كَالْمَائِعَةِ فِي الدِّقَّةِ فِي وِعَاءٍ غَيْرِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ، يُقَالُ: صَبَّ الْمَاءَ فِي الْجَرَّةِ، وَصَبَّ الْقَمْحَ فِي الْهَرِي، وَصَبَّ الدَّرَاهِمَ فِي الْكِيسِ. وَأَصْلُهُ: صَبَّ الْمَاءَ، مِثْلَ نُزُولِ الْمَطَرِ وَإِفْرَاغِ الدَّلْوِ.
وَالشَّقُّ: الْإِبْعَادُ بَيْنَ مَا كَانَ مُتَّصِلًا. وَالْمُرَادُ هُنَا شَقُّ سَطْحِ الْأَرْضِ بِخَرْقِ الْمَاءِ فِيهِ أَوْ بِآلَةٍ كَالْمِحْرَاثِ وَالْمِسْحَاةِ، أَوْ بِقُوَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ لِتَتَهَيَّأَ لِقَبُولِ الْأَمْطَارِ فِي فَصْلِ الْخَرِيفِ وَالشِّتَاءِ.
وَإِسْنَادُ الصَّبِّ وَالشَّقِّ وَالْإِنْبَاتِ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ لِأَنَّ اللَّهَ مُقَدِّرُ نِظَامِ الْأَسْبَابِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي ذَلِكَ، وَمُحْكِمُ نَوَامِيسِهَا وَمُلْهِمُ النَّاسِ اسْتِعْمَالَهَا.
فَالْإِسْنَادُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ فِي الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ. وَقَدْ شَاعَ فِي صَبَبْنَا وَ (أَنْبَتْنَا) حَتَّى سَاوَى الْحَقِيقَةَ الْعَقْلِيَّةَ.
وَانْتَصَبَ صَبًّا وشَقًّا عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ لِ صَبَبْنَا وشَقَقْنَا مُؤَكِّدًا لِعَامِلِهِ لِيَتَأَتَّى تَنْوِينُهُ لِمَا فِي التَّنْكِيرِ مِنَ الدِّلَالَةِ عَلَى التَّعْظِيمِ وَتَعْظِيمُ كُلِّ شَيْءٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ وَهُوَ تَعْظِيمُ تَعْجِيبٍ.
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَأَنْبَتْنا لِلتَّفْرِيعِ وَالتَّعْقِيبِ وَهُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ.
وَالْحَبُّ أُرِيدَ مِنْهُ الْمُقْتَاتُ مِنْهُ لِلْإِنْسَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦١].
وَالْعِنَبُ: ثَمَرُ الْكَرْمِ، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ الْخَمْرُ وَالْخَلُّ، وَيُؤْكَلُ رَطْبًا، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ الزَّبِيبُ.
وَالْقَضْبُ: الْفِصْفِصَةُ الرَّطْبَةُ، سُمِّيَتْ قَضْبًا لِأَنَّهَا تُعْلَفُ لِلدَّوَابِّ رَطْبَةً فَتُقَضَّبُ،


الصفحة التالية
Icon