بِنَفْيِ الْأَضْعَفِ بَعْدَ نَفْيِ الْأَقْوَى، مَعَ رِعَايَةِ الْفَوَاصِلِ.
وَالْغَضَبُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هُوَ غَضَبُ اللَّهِ. وَحَقِيقَةُ الْغَضَبِ الْمَعْرُوفِ فِي النَّاسِ أَنَّهُ كَيْفِيَّةٌ تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ يَتْبَعُهَا حَرَكَةُ الرُّوحِ إِلَى الْخَارِجِ وَثَوَرَانُهَا فَتَطْلُبُ الِانْتِقَامَ، فَالْكَيْفِيَّةُ سَبَبٌ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ وَطَلَبُ الِانْتِقَامِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الِانْتِقَامِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ إِرَادَةَ الِانْتِقَامِ لَيْسَتْ مِنْ لَوَازِمِ مَاهِيَّةِ الْغَضَبِ بِحَيْثُ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكُونُ مِنْ آثَارِهِ، وَأَنَّ الْغَضَبَ هُوَ كَيْفِيَّةٌ لِلنَّفْسِ تَعْرِضُ مِنْ حُصُولِ مَا لَا يُلَائِمُهَا فَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَرَاهِيَةُ الْفِعْلِ الْمَغْضُوبِ مِنْهُ وَكَرَاهِيَةُ فَاعِلِهِ، وَيُلَازِمُهُ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ وَمُعَامَلَتُهُ بِالْعُنْفِ وَبِقَطْعِ الْإِحْسَانِ وَبِالْأَذَى وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إِلَى طَلَبِ الِانْتِقَامِ مِنْهُ فَيَخْتَلِفُ الْحَدُّ الَّذِي يَثُورُ عِنْدَ الْغَضَبِ فِي النَّفْسِ بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِ احْتِمَالِ النُّفُوسِ لِلْمُنَافَرَاتِ وَاخْتِلَافِ الْعَادَاتِ فِي اعْتِبَارِ أَسْبَابِهِ، فَلَعَلَّ الَّذِينَ جَعَلُوا إِرَادَةَ الِانْتِقَامِ لَازِمَةً لِلْغَضَبِ بَنَوْا عَلَى الْقَوَانِينِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَإِذْ كَانَتْ حَقِيقَةُ الْغَضَبِ يَسْتَحِيلُ اتِّصَافُ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا وَإِسْنَادُهَا إِلَيْهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِلْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ التَّغَيُّرَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِ صَرْفُ إِسْنَادِ الْغَضَبِ إِلَى اللَّهِ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، وَطَرِيقَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ فِي هَذَا الصَّرْفِ أَنْ يُصْرَفَ اللَّفْظُ إِلَى الْمَجَازِ بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ أَوْ إِلَى الْكِنَايَةِ بِاللَّفْظِ عَنْ لَازِمِ مَعْنَاهُ فَالَّذِي يَكُونُ صِفَةً لِلَّهِ مِنْ مَعْنَى الْغَضَبِ هُوَ لَازِمُهُ، أَعْنِي الْعِقَابَ وَالْإِهَانَةَ يَوْمَ الْجَزَاءِ وَاللَّعْنَةَ أَيِ الْإِبْعَادَ عَنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ فِي الدُّنْيَا أَوْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّمْثِيلِيَّةِ.
وَكَانَ السَّلَفُ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَمُنْتَصَفِ الْقَرْنِ الثَّانِي يُمْسِكُونَ عَنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْمُتَشَابِهَاتِ لِمَا رَأَوْا فِي ذَلِكَ الْإِمْسَاكِ مِنْ مَصْلَحَةِ الِاشْتِغَالِ بِإِقَامَةِ الْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ مُرَادُ الشَّرْعِ مِنَ النَّاسِ فَلَمَّا نَشَأَ النَّظَرُ فِي الْعِلْمِ وَطَلَبِ مَعْرِفَةِ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَحَدَثَ قَوْلُ النَّاسِ فِي مَعَانِي الدِّينِ بِمَا لَا يُلَائِمُ الْحَقَّ، لَمْ يَجِدْ أَهْلُ الْعِلْمِ بُدًّا مِنْ تَوْسِيعِ أَسَالِيبِ التَّأْوِيلِ
الصَّحِيحِ لِإِفْهَامِ الْمُسْلِمِ وَكَبْتِ الْمُلْحِدِ، فَقَامَ الدِّينُ بِصَنِيعِهِمْ عَلَى قَوَاعِدِهِ، وَتَمَيَّزَ الْمُخْلِصُ لَهُ عَنْ مَاكِرِهِ وَجَاحِدِهِ. وَكُلٌّ فِيمَا صَنَعُوا عَلَى هُدًى. وَبَعْدَ الْبَيَانِ لَا يُرْجَعُ إِلَى الْإِجْمَالِ أَبَدًا. وَمَا تَأَوَّلُوهُ إِلَّا بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مَفْهُومٌ لِأَهْلِهِ.
فَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعُمُومِ يَرْجِعُ إِلَى مُعَامَلَتِهِ الْحَائِدِينَ عَنْ هَدْيِهِ الْعَاصِينَ لِأَوَامِرِهِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الِانْتِقَامُ وَهُوَ مَرَاتِبٌ أَقْصَاهَا عِقَابُ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ بِالْخُلُودِ فِي الدَّرْكِ
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
معطوفة على يَسْئَلُونَكَ وَلَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ هِيَ مَواقِيتُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّا سَأَلُوا عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ مَقُولًا لِلْمُجِيبِ. وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِلَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا كَانَ مُوَالِيًا أَوْ مُقَارِنًا لِسَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَأَنَّ مَضْمُونَ كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ كَانَ مُثَارَ تَرَدُّدٍ وَإِشْكَالٍ عَلَيْهِمْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ، فَكَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ مِنْ بِلَادِهِمْ
جَعَلُوا مِنْ أَحْكَامِ الْإِحْرَامِ أَلَّا يَدْخُلَ الْمُحْرِمُ بَيْتَهُ مِنْ بَابِهِ أَوْ لَا يَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، وَكَانَ الْمُحْرِمُونَ إِذَا أَرَادُوا أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ تَسَنَّمُوا عَلَى ظُهُورِ الْبُيُوتِ أَوِ اتَّخَذُوا نَقْبًا فِي ظُهُورِ الْبُيُوتِ إِنْ كَانُوا مَنْ أَهْلِ الْمَدَرِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْخيام دخلُوا من خَلْفَ الْخَيْمَةِ، وَكَانَ الْأَنْصَارُ يَدِينُونَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الْحُمْسُ فَلَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ هَذَا، وَالْحُمْسُ جَمْعُ أَحْمَسَ وَالْأَحْمَسُ الْمُتَشَدِّدُ بِأَمْرِ الدِّينِ لَا يُخَالِفُهُ، وَهُمْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ وَثَقِيفٌ وَجُشْمٌ وَبَنُو نَصْرِ ابْن مُعَاوِيَةَ وَمُدْلِجٌ وَعَدْوَانُ وَعَضَلٌ وَبَنُو الْحَارِثِ بن عبد مَنَاة، وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَكُلُّهُمْ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ وَحَرَّمَهَا مَا عَدَا بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَإِنَّهُمْ تَحَمَّسُوا لِأَنَّ أُمَّهُمْ قُرَشِيَّةٌ.
وَمَعْنَى نَفْيِ الْبِرِّ عَنْ هَذَا نَفْيٌ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا أَوْ مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لِأَنَّهُ غُلُوٌّ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَإِنَّ الْحَجَّ وَإِنِ اشْتَمَلَ عَلَى أَفْعَالٍ رَاجِعَةٍ إِلَى تَرْكِ التَّرَفُّهِ عَنِ الْبَدَنِ كَتَرْكِ الْمَخِيطِ وَتَرْكِ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْمَقْصِدُ مِنْ تَشْرِيعِهِ إِعْنَاتَ النَّاسِ بَلْ إِظْهَارَ التَّجَرُّدِ وَتَرْكَ التَّرَفُّهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنِ الْحُمْسُ يَفْعَلُونَ، ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، فَالنَّفْيُ فِي قَوْلِهِ: وَلَيْسَ الْبِرُّ نَفْيُ جِنْسِ الْبِرِّ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [الْبَقَرَة: ١٧٧] وَالْقَرِينَةُ هُنَا هِيَ قَوْلُهُ: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَلَمْ يَقُلْ هُنَالِكَ: وَاسْتَقْبِلُوا أَيَّةَ جِهَةٍ شِئْتُمْ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَتَيْنِ إِظْهَارُ الْبِرِّ الْعَظِيمِ وَهُوَ مَا ذُكِرَ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِدْرَاكِ فِي الْآيَتَيْنِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا نَفَى عَنْهُ الْبِرَّ، وَهَذَا هُوَ مَنَاطُ الشَّبَهِ وَالِافْتِرَاقِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ.
رَوَى الْوَاحِدِيُّ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَّلَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهُ دَخَلَ بَيْتًا وَأَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْصَارِ، قِيلَ: اسْمُهُ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَقِيلَ: رِفَاعَةُ بْنُ تَابُوتٍ.
وَجِيءَ فِي هَذَا الْإِخْبَارِ بِطَرِيقَةٍ مُؤْذِنَةٍ بِوُرُودِ سُؤَالٍ إِذْ قَدْ جِيءَ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ: لِبَيَانِ سَبَبِ اخْتِلَافِهِمْ، وَكَأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ أَمْرٌ مَعْلُومٌ لِلسَّامِعِ. وَهَذَا أُسْلُوبٌ عَجِيبٌ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ حَالِهِمْ إِخْبَارًا يَتَضَمَّنُ بَيَانَ سَبَبِهِ، وَإِبْطَالَ مَا يَتَرَاءَى مِنَ الْأَسْبَابِ غَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ إِظْهَارِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ حَالِ الدِّينِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَبَيْنَ سَلَامَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ ذَلِكَ.
وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قَدْ آذَنَ بِأَنَّ غَيره من الأدين لَمْ يَبْلُغْ مَرْتَبَةَ الْكَمَالِ وَالصَّلَاحِيَةِ لِلْعُمُومِ، وَالدَّوَامِ، قَبْلَ التَّغْيِيرِ، بَلْهَ مَا طَرَأَ عَلَيْهَا مِنَ التَّغْيِيرِ، وَسُوءِ التَّأْوِيلِ، إِلَى يَوْمِ مَجِيءِ الْإِسْلَامِ، لِيَعْلَمَ السَّامِعُونَ أَنَّ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يَصِلْ إِلَى أَكْمَلِ مُرَادِ اللَّهِ مِنَ الْخَلْقِ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ التَّغْيِيرُ وَالِاخْتِلَافُ، وَأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ هُوَ الْبَغي بعد مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ سَبَبَ بُطْلَانِ مَا هُمْ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ وَتَغْيِيرُهُمْ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا بَدَّلُوهُ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى بعثة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ بَعِيدٌ عَنْ مِثْلِ مَا وَقَعُوا فِيهِ مِنَ التَّحْرِيفِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَظْهَرِ التَّاسِعِ، وَمِنْ ثَمَّ ذَمَّ عُلَمَاؤُنَا التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةَ، وَالَّتِي لَمْ يَدْعُ إِلَيْهَا دَاعٍ صَرِيحٌ.
وَقَدْ جَاءَتِ الْآيَةُ عَلَى نَظْمٍ عَجِيبٍ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعَانٍ: مِنْهَا التَّحْذِيرُ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ، أَيْ فِي أُصُولِهِ، وَوُجُوبُ تَطَلُّبِ الْمَعَانِي الَّتِي لَا تُنَاقِضُ مَقْصِدَ الدِّينِ، عِبْرَةً بِمَا طَرَأَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الِاخْتِلَافِ.
وَمِنْهَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَصَلَ مَعَ قِيَامِ أَسْبَابِ الْعِلْمِ بِالْحَقِّ، فَهُوَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ أَسَاءُوا فَهْمَ الدِّينِ.
وَمِنْهَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْحَاصِلَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا اخْتِلَافُ كُلِّ أُمَّةٍ مَعَ الْأُخْرَى فِي صِحَّةِ دِينِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ [الْبَقَرَة: ١١٣]، وَثَانِيهِمَا اخْتِلَافُ كُلِّ أُمَّةٍ مِنْهُمَا فِيمَا بَيْنَهَا وَافْتِرَاقُهَا فِرَقًا مُتَبَايِنَةَ الْمَنَازِعِ. كَمَا
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «اخْتَلَفَتِ الْيَهُودُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً»
يُحَذِّرُ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا صَنَعُوا.
وَمِنْهَا أنّ اخْتلَافهمْ ناشيء عَنْ بَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
شَأْنُ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتْ:
كَانَ أَكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أَتَرَى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الْأَعْمَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ الْيَقِينُ.
وَالْخَلْقُ بِمَعْنَى كَيْفِيَّةِ أَثَرِ الْخَلْقِ، أَوِ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَالْإِضَافَةُ إِمَّا عَلَى مَعْنَى اللَّامِ، وَإِمَّا عَلَى مَعْنَى (فِي).
وَقَوْلُهُ: رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلًا وَمَا بَعْدَهُ جُمْلَةٌ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الْحَالِ عَلَى تَقْدِيرِ قَوْلٍ: أَيْ يَتَفَكَّرُونَ قَائِلِينَ: رَبَّنَا إِلَخْ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ أُرِيدَ بِهِ حِكَايَةُ قَوْلِهِمْ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ مِنَ الدُّعَاءِ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيفَ تواطأ الْجمع مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ عَلَى قَوْلِ هَذَا التَّنْزِيهِ وَالدُّعَاء عِنْد التفكّر مَعَ اخْتِلَافِ تَفْكِيرِهِمْ وَتَأَثُّرِهِمْ وَمَقَاصِدِهِمْ. قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ تَلَقَّوْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا يُلَازِمُونَهُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ وَعَقِبِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَهُمْ إِيَّاهُ فَصَارَ هَجِّيرَاهُمْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا [الْبَقَرَة: ٢٨٥] الْآيَاتِ. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ
حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي «الصَّحِيحِ» قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ»
إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلًا حِكَايَةً لِتَفَكُّرِهِمْ فِي نُفُوسِهِمْ، فَهُوَ كَلَامُ النَّفْسِ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْمُتَفَكِّرِينَ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي صِحَّةِ التَّفَكُّرِ لِأَنَّهُ تَنَقَّلَ مِنْ مَعْنًى إِلَى مُتَفَرِّعٍ عَنْهُ، وَقَدِ اسْتَوَى أُولُو الْأَلْبَابِ الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمْ هُنَا فِي إِدْرَاكِ هَذِهِ الْمعَانِي، فأوّل التفكّر أَنْتَجَ لَهُمْ أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ لَمْ تُخْلَقْ بَاطِلًا، ثُمَّ تَفَرَّعَ عَنْهُ تَنْزِيهُ اللَّهِ وَسُؤَالِهِ أَنْ يَقِيَهُمْ عَذَابَ النَّارِ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْا فِي الْمَخْلُوقَاتِ طَائِعًا وَعَاصِيًا، فَعَلِمُوا أَنَّ وَرَاءَ هَذَا الْعَالَمِ ثَوَابًا وَعِقَابًا، فَاسْتَعَاذُوا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ. وَتَوَسَّلُوا إِلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ بَذَلُوا غَايَةَ مَقْدُورِهِمْ فِي طَلَبِ النَّجَاةِ إِذِ اسْتَجَابُوا لِمُنَادِي الْإِيمَانِ وَهُوَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَسَأَلُوا غُفْرَانَ الذُّنُوبِ، وَتَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْمَوْتَ عَلَى الْبِرِّ إِلَى آخِرِهِ... فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ يَخْلُو مِنْ هَذِهِ التَّفَكُّرَاتِ وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَشَاعَتْ بَيْنَهُمُ، اهْتَدَى لِهَذَا التَّفْكِيرِ مَنْ لَمْ يَكُنِ انْتَبَهَ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَصَارَ شَائِعًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِمَعَانِيهِ وَأَلْفَاظِهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ هُنَا نِعْمَةُ إِنْزَالِ الْكِتَابِ تَفْصِيلًا لِوُجُوهِ الْحَقِّ فِي الْحُكْمِ وَعِصْمَتِهِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ فِيهِ. وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ هَمَّ طَائِفَةٍ مِنَ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أنفسهم بِأَن يضلّون الرَّسُولَ غَيْرُ وَاقِعٍ مِنْ أَصْلِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُضِلُّوهُ بِالْفِعْلِ. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عِلْمَهُمْ بِأَمَانَتِهِ يَزَعُهُمْ عَنْ مُحَاوَلَةِ تَرْوِيجِ الْبَاطِلِ عَلَيْهِ إِذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمِينٌ فَلَا يَسَعُهُمْ إِلَّا حِكَايَةُ الصِّدْقِ عِنْدَهُ، وَأَنَّ بَنِي ظَفَرٍ لَمَّا اشْتَكَوْا إِلَيْهِ مِنْ صَنِيعِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ وَعَمِّهِ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ أَصْحَابَهُمْ بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلَى الْحَقِّ، أَوْ أَنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ لَمَّا شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِمَا صَنَعَهُ قَتَادَةُ كَانُوا مُوجِسِينَ خِيفَةً أَنْ يَطَّلِعَ اللَّهُ رَسُوله عَلَى جَلِيَّةِ الْأَمْرِ، فَكَانَ مَا حَاوَلُوهُ مِنْ تَضْلِيلِ الرَّسُولِ طَمَعًا لَا هَمًّا، لِأَنَّ الْهَمَّ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ وَالثِّقَةُ بِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ انْتِفَاءُ هَمِّهِمْ تَضْلِيلَهُ فَضْلًا وَرَحْمَةً، لِدَلَالَتِهِ عَلَى وَقَارِهِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَذَلِكَ فَضْلٌ عَظِيمٌ.
وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الِانْتِفَاءِ: إِنَّ الْمُرَادَ انْتِفَاءُ أَثَرِهِ، أَيْ لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ لَضَلَلْتَ بِهَمِّهِمْ أَنْ يُضِلُّوكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ عَنِ الضَّلَالِ، فَيَكُونُ كِنَايَةً. وَفِي هَذَا التَّفْسِيرِ بُعْدٌ مِنْ جَانِبِ نَظْمِ الْكَلَامِ وَمِنْ جَانِبِ الْمَعْنَى.
وَمَعْنَى: وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
أَنَّهُمْ لَوْ هَمُّوا بِذَلِكَ لَكَانَ الضلال لَا حَقًا بِهِمْ دُونَكَ، أَيْ يَكُونُونَ قَدْ حَاوَلُوا تَرْوِيجَ الْبَاطِلِ وَاسْتِغْفَالَ الرَّسُولِ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لَا يَجِدُونَكَ مُصْغِيًا لِضَلَالِهِمْ، وَ (مِنْ)
زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وشَيْءٍ
أَصْلُهُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِقَوْلِهِ يَضُرُّونَكَ
أَيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ، وَجُرَّ لِأَجْلِ حَرْفِ الْجَرِّ الزَّائِدِ.
وَجُمْلَةُ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
عَطْفٌ عَلَى وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
. وَمَوْقِعُهَا لِزِيَادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ
وَلِذَلِكَ خَتَمَهَا
بِقَوْلِهِ: وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
، فَهُوَ مِثْلُ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ. وَالْكتاب:
وَالْقُرْآن. وَالْحكمَة: النُّبُوءَةَ. وَتَعْلِيمُهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ هُوَ مَا زَادَ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ مِنَ الْعِلْمِ الْوَارِدِ فِي السُّنَّةِ والإنباء بالمغيّبات.
وَمَنْسِيًّا لَا يُذْكَرُ بَيْنَ عُلَمَائِهِمْ، فَلَمَّا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ بُهِتُوا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ظَهَرَ مِنْ مُرَادِهِمْ فِي إِنْكَارِهِمْ وُجُودَ حُكْمِ الرَّجْمِ. فَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ وأنّ النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ الْمدَارِس فَأَمَرَ بِالتَّوْرَاةِ فَنُشِرَتْ فَجَعَلَ قَارِئُهُمْ يَقْرَأُ وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ وأنّ النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ وَقُرِئَتْ آيَةُ الرَّجْمِ وَاعْتَرَفَ ابْنَا صُورِيَّا بِهَا. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهَذِهِ الْحَادِثَةُ مُؤْذِنَةٌ بِاخْتِلَالِ نِظَامِ الشَّرِيعَةِ بَيْنَ الْيَهُودِ يَوْمَئِذٍ وَضَعْفِ ثِقَتِهِمْ بِعُلُومِهِمْ.
وَمَعْنَى لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ نَهْيُهُ عَنْ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ إِحْزَانٌ مُسْنَدٌ إِلَى الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. وَالْإِحْزَانُ فِعْلُ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، وَالنَّهْيُ عَنْ فِعْلِ الْغَيْرِ إِنَّمَا هُوَ نَهْيٌ عَنْ أَسْبَابِهِ، أَيْ لَا تَجْعَلْهُمْ يُحْزِنُونَكَ، أَيْ لَا تَهْتَمَّ بِمَا يَفْعَلُونَ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يُدْخِلَ الْحُزْنَ عَلَى نَفْسِكَ. وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ شَائِعٌ وَهُوَ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمُرَكَّبِ فِي مَعْنَاهُ الْكِنَائِيِّ.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: لَا أَعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا، أَيْ لَا تَفْعَلْ حَتَّى أَعْرِفَهُ. وَقَوْلُهُمْ: لَا أُلْفِيَنَّكَ هَاهُنَا، وَلَا أَرَيَنَّكَ هُنَا.
وَإِسْنَادُ الْإِحْزَانِ إِلَى الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ لِأَنَّ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ سَبَبٌ فِي الْإِحْزَانِ، وَأَمَّا مُثِيرُ الْحُزْنِ فِي نَفْسِ الْمَحْزُونِ فَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي
الْعُرْفِ وَلِذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ. وَأَمَّا كَوْنُ اللَّهِ هُوَ مُوجِدَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا فَذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ غَالِبُ الْإِسْنَادِ مَجَازًا عَقْلِيًّا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاظِرِينَ فِي تَعْيِينِ حَقِيقَةٍ عَقْلِيَّةٍ لِبَعْضِ مَوَارِدِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ. وَلَقَدْ أَجَادَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ إِذْ قَالَ فِي «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ لِلْفِعْلِ فَاعِلٌ فِي التَّقْدِيرِ إِذَا أَنْتَ نَقَلْتَ الْفِعْلَ إِلَيْهِ صَارَ حَقِيقَةً فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ فِي قَوْلِكَ: أَقْدَمَنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلَى فُلَانٍ، فَاعِلًا سِوَى الحقّ»، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلُهُ:

وَصَيَّرَنِي هَوَاكِ وَبِي لِحَيْنِي يُضْرَبُ الْمَثَلُ
ويزيدك وَجْهُهُ حُسْنًا.
كَانَ الْفِعْلُ الَّذِي بَعْدَ قَدْ فِعْلَ مُضِيٍّ، وَفِي زَمَنِ الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ إِنْ كَانَ الْفِعْلُ بَعْدَ (قَدْ) فِعْلًا مُضَارِعًا مَعَ مَا يُضَمُّ إِلَى التَّحْقِيقِ مِنْ دَلَالَةِ الْمَقَامِ، مِثْلَ تَقْرِيبِ زَمَنِ الْمَاضِي مِنَ الْحَالِ فِي نَحْوِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. وَهُوَ كِنَايَةٌ تَنْشَأُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِتَحْقِيقِ فِعْلٍ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَشُكَّ السَّامِعُ فِي أَنَّهُ يَقَعُ، وَمِثْلَ إِفَادَةِ التَّكْثِيرِ مَعَ الْمُضَارِعِ تَبَعًا لِمَا يَقْتَضِيهِ الْمُضَارِعُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّجَدُّدِ، كَالْبَيْتِ الَّذِي نَسَبَهُ سِيبَوَيْهِ لِلْهُذَلِيِّ، وَحَقَّقَ ابْنُ بَرِّيٍّ أَنَّهُ لِعَبِيدِ بْنِ الْأَبْرَصِ، وَهُوَ:
قَدْ أَتْرُكُ الْقِرْنَ مُصْفَرًّا أَنَامِلُهُ كَأَنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصَادِ
وَبَيْتُ زُهَيْرٍ:
أَخَا ثِقَةٍ لَا تُهْلِكُ الْخَمْرُ مَالَهُ وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ الْمَالَ نَائِلُهُ
وَإِفَادَةُ اسْتِحْضَارِ الصُّورَةِ، كَقَوْلِ كَعْبٍ:
لَقَدْ أَقُومُ مَقَامًا لَوْ يَقُومُ بِهِ أَرَى وَأَسْمَعُ مَا لَوْ يَسْمَعُ الْفِيلُ
لَظَلَّ يُرْعَدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الرَّسُولِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَنْوِيلُ
أَرَادَ تَحْقِيقَ حُضُورِهِ لَدَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ اسْتِحْضَارِ تِلْكَ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ مِنَ الْوَجَلِ الْمَشُوبِ بِالرَّجَاءِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كَلَامَ سِيبَوَيْهِ بَرِيءٌ مِمَّا حَمَّلُوهُ، وَمَا نَشَأَ اضْطِرَابُ كَلَامِ النُّحَاةِ فِيهِ إِلَّا مِنْ فَهْمِ ابْنِ مَالِكٍ لِكَلَامِ سِيبَوَيْهِ. وَقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ أَبُو حَيَّانَ رَدًّا وَجِيهًا.
فَمَعْنَى الْآيَةِ عَلِمْنَا بِأَنَّ الَّذِي يَقُولُونَهُ يُحْزِنُكَ مُحَقَّقًا فَتَصْبِرُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِي كَلَامٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٤٤]، فَكَانَ فِيهِ إِجْمَالٌ وَأَحَلْتُ عَلَى تَفْسِيرِ آيَةِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، فَهَذَا الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيِي.
وَفِعْلُ نَعْلَمُ مُعَلَّقٌ عَنِ الْعَمَلِ فِي مَفْعُولَيْنِ بِوُجُودِ اللَّامِ.
وَلِذَلِكَ أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ.
إِظْهَار لِلْعَدْلِ، فَلِذَلِكَ سَجَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ هَذَا لَا ظُلْمَ فِيهِ لِيُنْصِفُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ. وَأَمَّا عَدُّ عَوْدِ الضَّمِيرَيْنِ إِلَى الْفَرِيقَيْنِ فَلَا يُنَاسب فَرِيقُ أَصْحَابِ الْحَسَنَاتِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ لِلَّذِي أُكْرِمَ وَأُفِيضَ عَلَيْهِ الْخَيْرُ إِنَّهُ غير مظلوم.
[١٦١]
[سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ١٦١]
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)
اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ لِلِانْتِقَالِ مِنْ مُجَادَلَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَمَا تَخَلَّلَهَا، إِلَى فَذْلَكَةِ مَا أُمِرَ بِهِ الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الشَّأْنِ، غَلْقًا لِبَابِ الْمُجَادَلَةِ مَعَ الْمُعْرِضِينَ، وَإِعْلَانًا بِأَنَّهُ قَدْ تَقَلَّدَ لِنَفْسِهِ مَا كَانَ يُجَادِلُهُمْ فِيهِ لِيَتَقَلَّدُوهُ وَأَنَّهُ ثَابِتٌ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَأَنَّ إِعْرَاضَهُمْ لَا يُزَلْزِلُهُ عَنِ الْحَقِّ.
وَفِيهِ إِيذَانٌ بِانْتِهَاءِ السُّورَةِ لِأَنَّ الْوَاعِظَ وَالْمُنَاظِرَ إِذَا أَشْبَعَ الْكَلَامَ فِي غَرَضِهِ، ثُمَّ أَخَذَ يُبَيِّنُ مَا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ وَمَا قَرَّ عَلَيْهِ قَرَارُهُ، عَلِمَ السَّامِعُ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ يَطْوِي سِجِلَّ الْمُحَاجَّةِ، وَلِذَلِكَ غَيَّرَ الْأُسْلُوبَ. فَأمر الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَ أَشْيَاءَ يُعْلِنُ بِهَا أُصُولَ دِينِهِ، وَتَكَرَّرَ الْأَمْرُ بِالْقَوْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَنْوِيهًا بِالْمَقُولِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الْأَنْعَام: ١٥٣] الَّذِي بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ [الْأَنْعَام: ٩٢] فَزَادَهُ بَيَانًا بِقَوْلِهِ هَذَا: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا الدِّينَ إِنَّمَا جَاءَ بِهِ الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَدْيٍ
وَمَعْنَى (لَعَلَّ) تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢١].
وَالرَّحْمَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فِي سُورَة الْفَاتِحَة [٣].
[٦٤]
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : آيَة ٦٤]
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤)
وَقَعَ التَّكْذِيبُ مِنْ جَمِيعِ قَوْمِهِ: مِنْ قَادَتِهِمْ، وَدَهْمَائِهِمْ، عَدَا بَعْضَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَنْ آمَنَ بِهِ عَقِبَ سَمَاعِ قَوْلِ نُوحٍ، فَعَطَفَ عَلَى كَلَامِهِ بِالْفَاءِ أَيْ صَدَرَ مِنْهُمْ قَوْلٌ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ دَعْوَى أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُبَلِّغُ وَيَنْصَحُ وَيَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُونَ، فَصَارَ تَكْذِيبًا أَعَمَّ مِنَ التَّكْذِيبِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ بالنّسبة للملأ يؤول إِلَى مَعْنَى الِاسْتِمْرَارِ عَلَى التَّكْذِيبِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْعَامَّةِ تَكْذِيبٌ أُنُفٍ، بَعْدَ سَمَاعِ قَوْلِ قَادَتِهِمْ وَانْتِهَاءِ الْمُجَادَلَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نُوحٍ، فَلَيْسَ الْفِعْلُ مُسْتَعْمَلًا فِي الِاسْتِمْرَارِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ [النِّسَاء: ١٣٦] إِذْ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ هُنَا، وَضَمِيرُ الْجَمْعِ عَائِدٌ إِلَى الْقَوْمِ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَأَنْجَيْناهُ لِلتَّعْقِيبِ، وَهُوَ تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ: لِأَنَّ التَّكْذِيبَ حَصَلَ بَعْدَهُ الْوَحْيُ إِلَى نُوحٍ بِأَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِهِ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ، وَلَا يُرْجَى زِيَادَةُ مُؤْمِنٍ آخَرَ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَدْخُلَ الْفُلْكَ وَيَحْمِلَ مَعَهُ مَنْ آمَنَ إِلَى آخَرِ مَا قَصَّهُ اللَّهُ فِي سُورَةِ هُودٍ.
وَقُدِّمَ الْإِخْبَارُ بِالْإِنْجَاءِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِالْإِغْرَاقِ، مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى مَقَامِ الْعِبْرَةِ تَقْدِيمُ الْإِخْبَارِ بِإِغْرَاقِ الْمُنْكِرِينَ، فَقُدِّمَ الْإِنْجَاءُ لِلِاهْتِمَامِ بِإِنْجَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعْجِيلًا لِمَسَرَّةِ السَّامِعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ عَادَةَ اللَّهِ إِذَا أَهْلَكَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَجِّيَ الرّسول وَالْمُؤمنِينَ، فَلذَلِك التَّقْدِيمُ يُفِيدُ التَّعْرِيضَ بِالنِّذَارَةِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْإِغْرَاقَ وَقَعَ قَبْلَ الْإِنْجَاءِ، إِذْ لَا يَظْهَرُ تَحَقُّقُ إِنْجَاءِ نُوحٍ وَمَنْ مَعَهُ إِلَّا بَعْدَ حُصُولِ الْعَذَابِ لِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فَالْمُعَقَّبُ بِهِ التَّكْذِيبُ ابْتِدَاءً هُوَ
صَانِعَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَيْسَ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَلَزَالَ إِنْكَارُهُمْ دَعْوَةَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِبْطَالِ الشِّرْكِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ مَعْطُوفٌ عَلَى وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ.
وأَنْ هَذِهِ هِيَ أَنَّ الْمَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ الْمُشَدَّدَةُ النُّونِ خُفِّفَتْ، فَكَانَ اسْمُهَا ضَمِيرَ شَأْنٍ مُقَدَّرًا. وَجُمْلَةُ: عَسى أَنْ يَكُونَ إِلَخْ خَبَرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.
وأَنْ الَّتِي بَعْدَ عَسَى مَصْدَرِيَّةٌ هِيَ الَّتِي تُزَادُ بَعْدَ عَسَى غَالِبًا فِي الِاسْتِعْمَالِ.
وَاسْمُ يَكُونَ ضَمِيرُ شَأْنٍ أَيْضًا مَحْذُوفٌ، لِأَنَّ مَا بَعْدَ (يَكُونَ) غَيْرُ صَالِحٍ لِأَنْ يُعْتَبَرَ اسْمًا لِكَانَ، وَالْمَعْنَى أَلَمْ يَنْظُرُوا فِي تَوَقُّعٍ قُرْبِ أَجَلِهِمْ.
وَصِيغَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا النَّظْمِ لِإِفَادَةِ تَهْوِيلِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ وَتَخْوِيفِهِمْ، بِجَعْلِ مُتَعَلِّقٍ النَّظَرِ مِنْ مَعْنَى الْإِخْبَارِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخْطُرَ فِي النُّفُوسِ، وَأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ، وَأَنَّهُ قَدْ صَارَ حَدِيثًا وَخَبَرًا فَكَأَنَّهُ أَمْرٌ مُسَلَّمٌ مُقَرَّرٌ.
وَهَذَا مَوْقِعُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ حَيْثُمَا وَرَدَ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى: ضَمِيرُ الْقِصَّةِ اعْتِدَادًا بِأَنَّ جُمْلَةَ خَبَرِهِ قَدْ صَارَتْ شَيْئًا مُقَرَّرًا وَمِمَّا يَقُصُّهُ النَّاسُ وَيَتَحَدَّثُونَ بِهِ.
وَمَعْنَى النَّظَرِ فِي تَوَقُّعِ اقْتِرَابِ الْأَجَلِ، التَّخَوُّفُ مِنْ ذَلِكَ.
وَالْأَجَلُ الْمُضَافُ إِلَى ضَمِيرِ الْمُكَذِّبِينَ هُوَ أَجَلُ الْأُمَّةِ لَا أَجَلُ الْأَفْرَادِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ تَهْدِيدٌ بِأَجَلٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ، نَبَّهَهُمْ إِلَى التَّفَكُّرِ فِي تَوَقُّعِ حُلُولِ الِاسْتِئْصَالِ بِهِمْ وَإِهْلَاكِهِمْ كَمَا هَلَكَ الْمُكَذِّبُونَ مِنْ قَبْلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ إِذَا تَفَكَّرُوا فِي أَنَّ صَاحِبَهُمْ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ حَصَلَ لَهُمُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ مِنَ الْعُقَلَاءِ، فَمَا كَانَ الْعَاقِلُ بِالَّذِي يَحْدُثُ لِقَوْمِهِ حَادِثًا عَظِيمًا مِثْلَ هَذَا، وَيَحْدُثُ لِنَفْسِهِ عَنَاءً كَهَذَا الْعَنَاءِ لِغَيْرِ أَمْرٍ عَظِيمٍ جَاءَ بِهِ، وَمَا كَانَ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَإِذَا نَظَرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ الْمَلِكُ الْأَعْظَمُ، وَأَنَّهُ خَالِقُ الْمَخْلُوقَاتِ، فَأَيْقَنُوا بِأَنَّهُ الْإِلَهُ الْوَاحِدُ، فَآلَ ذَلِكَ إِلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِبْطَالِ مُعْتَقَدِهِمْ تَعَدُّدَ الْآلِهَةِ أَوْ آلَ فِي أَقَلِّ
الِاحْتِمَالَاتِ إِلَى الشَّكِّ فِي ذَلِكَ، فَلَا جَرَمَ أَنْ يُفْضِيَ بِهِمْ إِلَى النَّظَرِ فِي تَوَقُّعِ مَصِيرٍ لَهُمْ مِثْلِ مَا صَارَ إِلَيْهِ الْمُكَذِّبُونَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ مَجِيءَ السَّاعَةِ، وَانْقِرَاضَ هَذَا الْعَالَمِ، فَهُوَ أَجَلُهُمْ
وَ (مَا) فِي قَوْلِهِ: وَمَا لَكُمْ اسْمُ اسْتِفْهَامٍ إِنْكَارِيٍّ، وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ، ولَكُمْ خَبَرٌ عَنِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكُمْ.
وإِذا ظَرْفٌ تَعَلَّقَ بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ عَلَى مَعْنَى: أَنَّ الْإِنْكَارَ حَاصِلٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فِيهِ: انْفِرُوا، وَلَيْسَ مُضَمَّنًا مَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّهُ ظَرْفُ مُضِيٍّ.
وَجُمْلَةُ اثَّاقَلْتُمْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ، وَتِلْكَ الْحَالَةُ هِيَ مَحَلُّ الْإِنْكَارِ، أَيْ: مَا لَكُمْ مُتَثَاقِلِينَ. يُقَال: مَا لَك فَعَلْتَ كَذَا، وَمَا لَك تَفْعَلُ كَذَا كَقَوْلِهِ: مَا لَكُمْ لَا تَناصَرُونَ [الصافات: ٢٥]، وَمَا لَك فَاعِلًا، كَقَوْلِهِ: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ [النِّسَاء: ٨٨].
وَالنَّفْرُ: الْخُرُوجُ السَّرِيعُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى غَيْرِهِ لِأَمْرٍ يَحْدُثُ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْحَرْبِ، وَمَصْدَرُهُ حِينَئِذٍ النَّفِيرُ.
وَسَبِيلُ اللَّهِ: الْجِهَادُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَى اللَّهِ، أَيْ إِلَى رِضَاهُ.
واثَّاقَلْتُمْ أَصْلُهُ تَثَاقَلْتُمْ قُلِبَتِ التَّاءُ الْمُثَنَّاةُ ثَاءً مُثَلَّثَةً لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا طَلَبًا لِلْإِدْغَامِ، وَاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ لِإِمْكَانِ تَسْكِينِ الْحَرْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْكَلِمَةِ عِنْدَ إِدْغَامِهِ.
(وَالتَّثَاقُلُ) تَكَلُّفُ الثِّقَلِ، أَيْ إِظْهَارُ أَنَّهُ ثَقِيلٌ لَا يَسْتَطِيعُ النُّهُوضَ.
وَالثِّقَلُ حَالَةٌ فِي الْجِسْمِ تَقْتَضِي شِدَّةَ تَطَلُّبِهِ لِلنُّزُولِ إِلَى أَسْفَلَ، وَعُسْرَ انْتِقَالِهِ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا فِي الْبُطْءِ مَجَازًا مُرْسَلًا، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ بُطْأَهُمْ لَيْسَ عَنْ عَجْزٍ، وَلَكِنَّهُ عَنْ تَعَلُّقٍ بِالْإِقَامَةِ فِي بِلَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
وَعُدِّيَ التَّثَاقُلُ بِ إِلَى لِأَنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنَى الْمَيْلِ وَالْإِخْلَادِ، كَأَنَّهُ تَثَاقُلٌ يَطْلُبُ فَاعِلُهُ الْوُصُولَ إِلَى الْأَرْضِ لِلْقُعُودِ وَالسُّكُونِ بِهَا.
وَالْأَرْضُ مَا يَمْشِي عَلَيْهِ النَّاسُ.
وَمَجْمُوعُ قَوْلِهِ: اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْكَارِهِينَ لِلْغَزْوِ الْمُتَطَلِّبِينَ لِلْعُذْرِ عَنِ الْجِهَادِ كَسَلًا وَجُبْنًا بِحَالِ مَنْ يُطْلَبُ مِنْهُ النُّهُوضُ وَالْخُرُوجُ، فَيُقَابِلُ

[سُورَة يُونُس (١٠) : آيَة ٥٤]

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ
الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ بَقِيَّةِ الْقَوْلِ، فَهِيَ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ
[يُونُس: ٥٣] إِعْلَامًا لَهُمْ بِهَوْلِ ذَلِكَ الْعَذَابِ عَسَاهُمْ أَنْ يَحْذَرُوهُ، وَلِذَلِكَ حُذِفَ الْمُتَعَلِّقُ الثَّانِي لِفِعْلِ (افْتَدَتْ) لِأَنَّهُ يَقْتَضِي مُفْدِيًا بِهِ وَمُفْدِيًا مِنْهُ، أَيْ لَافْتَدَتْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْعَذَابَ لَا تَتَحَمَّلُهُ أَيَّةُ نَفْسٍ عَلَى تَفَاوُتِ الْأَنْفُسِ فِي احْتِمَالِ الْآلَامِ، وَلذَلِك ذكر لِكُلِّ نَفْسٍ دُونَ أَنْ يُقَالَ وَلَوْ أَنَّ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَيْتُمْ بِهِ.
وَجُمْلَةُ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ شَرْطِ (لَوْ).
وَمَا فِي الْأَرْضِ اسْمُ (أَنَّ). ولِكُلِّ نَفْسٍ خَبَرُ (أَنَّ) وَقُدِّمَ عَلَى الِاسْمِ لِلِاهْتِمَامِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْعُمُومِ بِحَيْثُ يَنُصُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَسْلَمُ نَفْسٌ مِنْ ذَلِكَ. وَجُمْلَةُ ظَلَمَتْ صفة ل لِكُلِّ نَفْسٍ. وَجُمْلَةُ: لَافْتَدَتْ بِهِ جَوَابُ (لَو).
فعموم لِكُلِّ نَفْسٍ يَشْمَلُ نُفُوسَ الْمُخَاطَبِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ.
وَمَعْنَى ظَلَمَتْ أَشْرَكَتْ، وَهُوَ ظُلْمُ النَّفْسِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَان: ١٣].
وَمَا فِي الْأَرْضِ يَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ فِي ظَاهِرِ الْأَرْضِ وَبَاطِنِهَا لِأَنَّ الظَّرْفِيَّةَ ظَرْفِيَّةُ جَمْعٍ وَاحْتِوَاءٍ.
وَ (افْتَدَى) مُرَادِفُ فَدَى. وَفِيهِ زِيَادَةُ تَاءِ الِافْتِعَالِ لِتَدُلَّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى، أَيْ لَتَكَلَّفَتْ فِدَاءَهَا بِهِ.
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَطْفَ كَلَامٍ عَلَى كَلَامٍ. وَضَمِيرُ أَسَرُّوا عَائِد إِلَى لِكُلِّ نَفْسٍ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

١٢- سُورَةُ يُوسُفَ
الِاسْمُ الْوَحِيدُ لِهَذِهِ السُّورَةِ اسْمُ سُورَةِ يُوسُفَ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِ «الْإِصَابَةِ» فِي تَرْجَمَةِ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ الزُّرَقِيِّ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ أَبَا رَافِعِ بْنَ مَالِكٍ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِسُورَةِ يُوسُفَ، يَعْنِي بَعْدَ أَن بَايع النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْعَقَبَةِ.
وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا ظَاهِرٌ لِأَنَّهَا قَصَّتْ قِصَّةَ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- كُلَّهَا، وَلَمْ تُذْكَرْ قِصَّتُهُ فِي غَيْرِهَا. وَلَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ فِي غَيْرِهَا إِلَّا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَغَافِرٍ.
وَفِي هَذَا الِاسْمِ تَمَيُّزٌ لَهَا مِنْ بَيْنِ السُّوَرِ الْمُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ الَرَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إِلَى غَيْرِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ مِنْ أَوَّلِهَا مَدَنِيَّةٌ. قَالَ فِي «الْإِتْقَانِ» : وَهُوَ وَاهٍ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ.
نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ هُودٍ، وَقَبْلَ سُورَةِ الْحِجْرِ.
وَهِيَ السُّورَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَلَمْ تذكر قصَّة نبيء فِي الْقُرْآنِ بِمِثْلِ مَا ذُكِرَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ الْإِطْنَابِ.
وَالرَّدُّ: مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى تَكْرِيرِ جَعْلِ الْأَيْدِي فِي الْأَفْوَاهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ «الرَّاغِبُ».
أَيْ وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْأَفْوَاهِ ثُمَّ أَزَالُوهَا ثُمَّ أَعَادُوا وَضْعَهَا فَتِلْكَ الْإِعَادَةُ رَدٌّ.
وَحَرْفُ فِي لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ الْمُرَادِ بِهَا التَّمْكِينُ، فَهِيَ بِمَعْنَى عَلَى كَقَوْلِهِ:
أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سُورَة الزمر: ٢٢]. فَمَعْنَى فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ جَعَلُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ.
وَعَطْفُهُ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ مُشِيرٌ إِلَى أَنَّهُمْ بَادَرُوا بِرَدِّ أَيْدِيهِمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ بِفَوْرِ تَلَقِّيهِمْ دَعْوَةَ رُسُلِهِمْ، فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ رَدُّ الْأَيْدِي فِي الْأَفْوَاهِ تَمْثِيلًا لِحَالِ الْمُتَعَجِّبِ الْمُسْتَهْزِئِ، فَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِلْحَالَةِ الْمُعْتَادَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَتُهُ، لِأَنَّ وُقُوعَهُ خَبَرًا عَنِ الْأُمَمِ مَعَ اخْتِلَافِ عَوَائِدِهِمْ وَإِشَارَاتِهِمْ وَاخْتِلَافِ الْأَفْرَادِ فِي حَرَكَاتِهِمْ عِنْدَ التَّعَجُّبِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَا أُرِيدَ بِهِ إِلَّا بَيَانٌ عَرَبِيٌّ.
وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ [سُورَة الزمر: ٧٤]، فَمِيرَاثُ الْأَرْضِ كِنَايَةٌ عَنْ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ جَرْيًا عَلَى بَيَانِ الْعَرَبِ عِنْدَ تَنَافُسِ قَبَائِلِهِمْ أَنَّ حُسْنَ الْعَاقِبَةِ يَكُونُ لِمَنْ أَخَذَ أَرْضَ عَدُوِّهِ.
وَأَكَّدُوا كُفْرَهُمْ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ إِنَّ وَفِعْلُ الْمُضِيِّ فِي قَوْلِهِ:
إِنَّا كَفَرْنا. وَسَمَّوْا مَا كَفَرُوا بِهِ مُرْسَلًا بِهِ تَهَكُّمًا بِالرُّسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [سُورَة الْحجر: ٦]، فَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِأَنَّ مَا جَاءُوا بِهِ مُرْسَلٌ بِهِ مِنَ اللَّهِ، أَيْ كَفَرُوا بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُمْ. فَهَذَا مِمَّا أَيْقَنُوا بِتَكْذِيبِهِمْ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ فَذَلِكَ شَكٌّ فِي صِحَّةِ مَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ وَسَدَادِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُعَرَّضٌ لِلنَّظَرِ وَتَمْيِيزِ صَحِيحِهِ مِنْ سَقِيمِهِ، فَمَوْرِدُ الشَّكِّ مَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ، وَمَوْرِدُ التَّكْذِيبِ نِسْبَةُ دَعْوَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ. فَمُرَادُهُمْ: أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا كَاذِبِينَ فِي دَعْوَى الرِّسَالَةِ فَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ مَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ مَا هُوَ صِدْقٌ وَحَقٌّ فَإِنَّ الْكَاذِبَ قَدْ يَقُولُ حَقًّا.
وَالتَّعْبِيرُ بِ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ دُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَوْ لِلَّذِينَ آمَنُوا، لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّهُمُ الَّذِينَ الْإِيمَانُ كَالسَّجِيَّةِ لَهُمْ وَالْعَادَةُ الرَّاسِخَةُ الَّتِي تَتَقَوَّمُ بِهَا قَوْمِيَّتُهُمْ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٤].
وَهَاتِهِ الْآيَةُ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلْعِبَرِ وَالْحُجَجِ النَّاشِئَةِ عَنْ وَصْفِ أَحْوَالِ الْمَخْلُوقَاتِ وَنِعَمِ الْخَالِقِ عَلَى النَّاسِ الْمُبْتَدِئَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ [سُورَة النَّحْل:
١٧].
[٦٥]
[سُورَة النَّحْل (١٦) : آيَة ٦٥]
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)
انْتَهَى الْكَلَامُ الْمُعْتَرَضُ بِهِ وَعَادَ الْكَلَامُ إِلَى دَلَائِلِ الِانْفِرَادِ بِالْخَلْقِ مَعَ مَا أُدْمِجَ فِيهِ ذَلِكَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ. فَهَذِهِ مِنَّةٌ مِنَ الْمِنَنِ وَعِبْرَةٌ مِنَ الْعِبَرِ وَحُجَّةٌ مِنَ الْحُجَجِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَنِ التَّذْكِيرِ بِنِعَمِ اللَّهِ وَالِاعْتِبَارِ بِعَجِيبِ صُنْعِهِ.
عَادَ الْكَلَامُ إِلَى تَعْدَادِ نِعَمٍ جَمَّةٍ وَمَعَهَا مَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ أَيْضًا جَمْعًا عَجِيبًا بَيْنَ الِاسْتِدْلَالِ وَوَصْلًا لِلْكَلَامِ الْمُفَارِقِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [سُورَة النَّحْل:
١٦]، كَمَا عَلِمْتَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. فَكَانَ ذِكْرُ إِنْزَالِ الْمَاءِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مَسُوقًا مَسَاقَ الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ هُنَا مَسُوقٌ مَسَاقَ الِامْتِنَانِ بِنِعْمَةِ إِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا بِالْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ.
وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ خَالَفَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ النِّعْمَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ سَابِقًا هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ [سُورَة النَّحْل: ١٠] بِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ الْأَوَّلِيِّ، فَهُوَ هُنَا لَك الِاسْتِدْلَالُ بِتَكْوِينِ الْمَاءِ وَهُنَا الِامْتِنَانُ.
وَبِنَاءُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ لِإِفَادَةِ التَّخْصِيصِ، أَيِ اللَّهُ لَا غَيْرُهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً. وَذَلِكَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ
وَيُطْلَقُ الرُّوحُ عَلَى الْكَائِنِ الشَّرِيفِ الْمُكَوَّنِ بِأَمْرٍ إِلَهِيٍّ بِدُونِ سَبَبٍ اعْتِيَادِيٍّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: ٥٢] وَقَوْلُهُ: وَرُوحٌ مِنْهُ [النِّسَاء: ١٧١].
وَيُطْلَقُ لَفْظُ (الرُّوحِ) عَلَى الْمَلَكِ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْوَحْيِ عَلَى الرُّسُلِ. وَهُوَ جِبْرِيلُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَمِنْهُ قَوْلُهُ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [الشُّعَرَاء: ١٩٣].
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الرُّوحِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ الْمَذْكُورِ هُنَا مَا هُوَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
فَالْجُمْهُورُ قَالُوا: الْمَسْئُولُ عَنْهُ هُوَ الرُّوحُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، قَالُوا لِأَنَّهُ الْأَمْرُ الْمُشْكِلُ الَّذِي لَمْ تَتَّضِحْ حَقِيقَتُهُ، وَأَمَّا الرُّوحُ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْآخَرِينَ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنْهُ سُؤَالًا عَنْ مَعْنَى مُصْطَلَحٍ قُرْآنِيٍّ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا عَنِ الرُّوحِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَارِدُ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِمْ وَهُوَ سِفْرُ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْرَاةِ لِقَوْلِهِ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ «وَرُوحُ اللَّهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ». وَلَيْسَ الرُّوحُ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْآخَرَيْنِ بِوَارِدٍ فِي كُتُبِهِمْ.
وَعَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ جِبْرِيلَ، وَالْأَصَحُّ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ.
وَفِي «الرَّوْضِ الْأُنُفِ» أَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَهُمْ مَرَّةً، فَقَالَ لَهُمْ: هُوَ جِبْرِيلُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-
. وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ.
وَإِنَّمَا سَأَلُوا عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ وَبَيَانِ مَاهِيَّتِهَا، فَإِنَّهَا قَدْ شَغَلَتِ الْفَلَاسِفَةَ وَحُكَمَاءَ الْمُتَشَرِّعِينَ، لِظُهُورِ أَنَّ فِي الْجَسَدِ الْحَيِّ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْجِسْمِ، بِهِ يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُدْرِكًا وَبِزَوَالِهِ يَصِيرُ الْجِسْمُ مَسْلُوبَ الْإِرَادَةِ وَالْإِدْرَاكِ، فَعُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ فِي الْجِسْمِ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ غَيْرَ مُشَاهَدٍ إِذْ قَدْ ظَهَرَ بِالتَّشْرِيحِ أَنَّ جِسْمَ الْمَيِّتِ لَمْ يَفْقِدْ شَيْئًا مِنَ الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ.
وَإِذْ قَدْ كَانَتْ عُقُولُ النَّاسِ قَاصِرَةً عَنْ فَهْمِ حَقِيقَةِ الرُّوحِ وَكَيْفِيَّةِ اتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ وَكَيْفِيَّةِ انْتِزَاعِهَا مِنْهُ وَفِي مَصِيرِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الِانْتِزَاعِ، أُجِيبُوا بِأَنَّ
وَالنَّعْلَانِ: جِلْدَانِ غَلِيظَانِ يُجْعَلَانِ تَحْتَ الِرِّجْلِ وَيُشَدَّانِ بِرِبَاطٍ مِنْ جِلْدٍ لِوِقَايَةِ الرِّجْلِ أَلَمَ الْمَشْيِ عَلَى التُّرَابِ وَالْحَصَى، وَكَانَتِ النَّعْلَ تُجْعَلُ عَلَى مِثَالِ الرِّجْلِ.
وَإِنَّمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ تَعْظِيمًا مِنْهُ لِذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي سَيَسْمَعُ فِيهِ الْكَلَامَ الْإِلَهِيَّ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ (١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَتْ نَعْلَاهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ»
. أَقُولُ: وَفِيهِ أَيْضًا زِيَادَةُ خُشُوعٍ. وَقَدِ اقْتَضَى كِلَا الْمَعْنِيِّينِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ فَحَرْفُ التَّوْكِيدِ مُفِيدٌ هُنَا التَّعْلِيلَ كَمَا هُوَ شَأْنُهُ فِي كُلِّ مَقَامٍ لَا يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ.
وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ مِنْ جِهَاتٍ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا حُكْمٌ يَقْتَضِي نَزْعَ النَّعْلِ عِنْدَ الصَّلَاةِ.
وَالْوَادِ: الْمَفْرَجُ بَيْنَ الْجِبَالِ وَالتِّلَالِ. وَأَصْلُهُ بِيَاءٍ فِي آخِرِهِ. وَكَثُرَ تَخْفِيفُهُ بِحَذْفِ الْيَاءِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَإِذَا ثُنِّيَ لَزِمَتْهُ الْيَاءُ يُقَالُ: وَادِيَانِ وَلَا يُقَالُ وَادَانِ. وَكَذَلِكَ إِذَا
أُضِيفَ يُقَالُ: بِوَادِيكَ وَلَا يُقَالُ بِوَادِكَ.
وَالْمُقَدَّسُ: الْمُطَهَّرُ الْمُنَزَّهُ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنُقَدِّسُ لَكَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ [٣٠]. وَتَقْدِيسُ الْأَمْكِنَةِ يَكُونُ بِمَا يَحِلُّ فِيهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُعَظَّمَةِ وَهُوَ هُنَا حُلُولُ الْكَلَامِ الْمُوَجَّهِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى طُوىً وَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ وَبِكَسْرِهَا، وَلَمْ يُقْرَأْ فِي الْمَشْهُورِ إِلَّا بِضَمِّ الطَّاءِ، فَقِيلَ: اسْمٌ لِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِثْلُ هُدًى، وُصِفَ بِالْمَصْدَرِ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، أَيْ طَوَاهُ مُوسَى بِالسَّيْرِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ:
إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ الَّذِي طَوَيْتَهُ سَيْرًا، فَيَكُونُ الْمَعْنَى تَعْيِينُ أَنَّهُ هُوَ ذَلِكَ الْوَادِ.
_________
(١) فِي لبس الصُّوف من كتاب اللبَاس.
وَالَّذِي خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ هُوَ أَصْلُ النَّوْعِ، وَهُوَ آدَمُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَحَوَّاءُ، ثُمَّ كُوِّنَتْ
فِي آدَمَ وَزَوْجِهِ قُوَّةُ التَّنَاسُلِ، فَصَارَ الْخَلْقُ مِنَ النُّطْفَةِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ بِ (ثُمَّ).
وَالنُّطْفَةُ: اسْمٌ لِمَنِيِّ الرَّجُلِ، وَهُوَ بِوَزْنِ فُعْلَةٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ مَنْطُوفٍ، وَالنَّطْفُ:
الْقَطْرُ وَالصَّبُّ. وَالْعَلَقَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ الدَّمِ الْجَامِدِ اللِّينِ.
وَالْمُضْغَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ بِقَدْرِ مَا يُمْضَغُ مِثْلُهُ، وَهِيَ فِعْلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ بِتَأْوِيلِ:
مِقْدَارٍ مَمْضُوغَةٍ. وَ (ثُمَّ) الَّتِي عُطِفَ بِهَا ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ عَاطِفَةُ مُفْرَدَاتٍ فَهِيَ لِلتَّرَاخِي الْحَقِيقِيِّ.
وَ (مِنْ) الْمُكَرَّرَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ هُنَا ابْتِدَائِيَّةٌ وَتَكْرِيرُهَا تَوْكِيدٌ.
وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ مَخْلُوقًا مِنَ النُّطْفَةِ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الطِّبِّ أَنَّ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ مُدَّةَ الْحَيْضِ جُزْءًا هُوَ مَقَرُّ الْأَجْرَامِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِأَنْ يَتَكَوَّنَ مِنْهَا الْجَنِينُ، وَهَذَا الْجُزْءُ مِنَ الرَّحِمِ يُسَمَّى فِي الِاصْطِلَاحِ الطِّبِّيِّ (الْمَبِيضَ) - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى وَزْنِ اسْمِ الْمَكَانِ- لِأَنَّهُ مَقَرُّ بَيْضَاتٍ دَقِيقَةٍ هِيَ حُبَيْبَاتٌ دَقِيقَةٌ جِدًّا وَهِيَ مِنَ الْمَرْأَةِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضَةِ مِنَ الدَّجَاجَةِ أَوْ بِمَنْزِلَةِ حُبُوبِ بَيْضِ الْحُوتِ، مُودَعَةٌ فِي كُرَةٍ دَقِيقَةٍ كَالْغِلَافِ لَهَا يُقَالُ لَهَا (الْحُوَيْصِلَةُ) - بِضَمِّ الْحَاءِ بِصِيغَةِ تَصْغِيرِ حَوْصَلَةٍ- تَشْتَمِلُ عَلَى سَائِلٍ تَسْبَحُ فِيهِ الْبَيْضَةُ فَإِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ ازْدَادَتْ كَمِّيَّةُ ذَلِكَ السَّائِلِ الَّذِي تَسْبَحُ فِيهِ الْبَيْضَةُ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ انْفِجَارَ غِلَافِ الْحُوَيْصَلَةِ، فَيَأْخُذُ ذَلِكَ السَّائِلُ فِي الِانْحِدَارِ يَحْمِلُ الْبَيْضَةَ السَّابِحَةَ فِيهِ إِلَى قَنَاةٍ دَقِيقَةٍ تُسَمَّى (بُوقَ فُلُوبْيُوسَ) لِشِبْهِهِ بِالْبُوقِ، وَأُضِيفَ إِلَى (فُلُوبْيُوسَ) اسْمِ مُكْتَشِفِهِ وَهُوَ الْبَرْزَخُ بَيْنَ الْمَبِيضِ وَالرَّحِمِ،
بَيْتِهِ وَجَاءَهُ أَحَدٌ فَهُوَ لَا يُدْخِلُهُ حَتَّى يُصْلِحَ مَا فِي بَيْتِهِ وليستر مَا يحب أَنْ يستره ثمَّ بأذن لَهُ أَوْ يَخْرُجُ لَهُ فَيُكَلِّمُهُ مِنْ خَارِجِ الْبَابِ.
وَمَعْنَى تَسْتَأْنِسُوا تَطْلُبُوا الْأُنْسَ بِكُمْ، أَيْ تَطْلُبُوا أَنْ يَأْنَسَ بِكُمْ صَاحِبُ الْبَيْتِ، وَأُنْسُهُ بِهِ بِانْتِفَاءِ الْوَحْشَةِ وَالْكَرَاهِيَةِ. وَهَذَا كِنَايَةٌ لَطِيفَةٌ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ، أَيْ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الدَّاخِلُ، أَيْ يَطْلُبَ إِذْنًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يَكُونُ مَعَهُ اسْتِيحَاشُ رَبِّ الْمَنْزِلِ بِالدَّاخِلِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِئْنَاسُ فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ الِاسْتِئْذَانُ. يُرِيدُ أَنَّهُ الْمُرَادُ كِنَايَةً أَوْ مُرَادَفَةً فَهُوَ مِنَ الْأُنْسِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ هُوَ الْقَوْلُ الْفَصْلُ. وَوَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي «جَامع العتيبة» أَنَّ الِاسْتِئْنَاسَ التَّسْلِيمُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَقُلْتُ: أَرَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ السَّلَامَ بِقَصْدِ الِاسْتِئْذَانِ فَيَكُونُ عَطْفُ وَتُسَلِّمُوا عَطْفَ تَفْسِيرٍ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِئْنَاسِ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ آنَسَ بِمَعْنَى عَلِمَ لِأَنَّ ذَلِكَ إِطْلَاقٌ آخَرُ لَا يَسْتَقِيمُ هُنَا فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ وَذَلِكَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ إِذَا أَذِنَ لَهُ دَلَّ إِذْنُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ دُخُولَهُ وَإِذَا كَرِهَ دُخُولَهُ لَا يَأْذَنُ لَهُ وَاللَّهُ مُتَوَلِّي عَلَمَ مَا فِي قَلْبِهِ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ بِالِاسْتِئْنَاسِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى عِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِئْذَانِ.
وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْآدَابِ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَلًّا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ إِلَى الْكَرَاهِيَةِ وَالِاسْتِثْقَالِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الزَّائِرُ وَالْمَزُورُ مُتَوَافِقَيْنِ مُتَآنِسَيْنِ وَذَلِكَ عَوْنٌ عَلَى تَوَفُّرِ الْأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
وَعُطِفَ الْأَمْرُ بِالسَّلَامِ عَلَى الِاسْتِئْنَاسِ وَجُعِلَ كِلَاهُمَا غَايَةً لِلنَّهْيِ عَنْ دُخُولِ الْبُيُوتِ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِهِمَا لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِهِمَا.
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: «أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ على النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَأَدْخُلُ؟ فَأَمَرَ النَّبِيءُ رَجُلًا عِنْدَهُ أَوْ أَمَةً اسْمُهَا رَوْضَةُ فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ فَلْيَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ. فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ:
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ. فَقَالَ: ادْخُلْ»

، وَرَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: «أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: أَأَلِجُ. فَأَذِنَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ:
مَا لَكَ وَاسْتِئْذَانُ الْعَرَبِ؟ (يُرِيدُ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ) إِذَا اسْتَأْذَنْتَ
الْعَذَابَ جَائِيهِمْ وَحَالٌّ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ. وَمَا كانُوا يُوعَدُونَ مَوْصُولٌ وَصِلَتُهُ. وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُوعَدُونَهُ.
وَجُمْلَةُ: مَا أَغْنى عَنْهُمْ سَادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (رَأَيْتَ) لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ عَنِ الْعَمَلِ بِسَبَبِ الِاسْتِفْهَامِ بَعْدَهُ. وَمَا كانُوا يُمَتَّعُونَ مَوْصُولٌ وَصِلَتُهُ. وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُمَتَّعُونَهُ.
وَالْمَعْنَى: أَعَلِمْتَ أَنَّ تَمْتِيعَهُمْ بِالسَّلَامَةِ وَتَأْخِيرَ الْعَذَابِ إِنْ فُرِضَ امْتِدَادُهُ سِنِينَ عَدِيدَةً غَيْرُ مُغْنٍ عَنْهُمْ شَيْئًا إِنْ جَاءَهُمُ الْعَذَابُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [هود: ٨]، وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمُورَ بِالْخَوَاتِيمِ. فِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ» : رَوَى ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ أَمْسَكَ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ قَرَأَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ مَا كانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يُمَتَّعُونَ ثُمَّ يَبْكِي وَيَقُولُ:
نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدَى لَكَ لَازِمٌ
فَلَا أَنْتَ فِي الْإِيقَاظِ يَقْظَانُ حَازِمٌ وَلَا أَنْتَ فِي النُّوَّامِ نَاجٍ فَسَالِمُ
تُسَرُّ بِمَا يَفْنَى وَتَفْرَحُ بِالْمُنَى كَمَا سُرَّ بِاللَّذَّاتِ فِي النَّوْمِ حَالِمُ
وَتَسْعَى إِلَى مَا سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ الْبَهَائِمُ
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلِأَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ قِصَّةٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَلَعَلَّ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رُوِيَ مَثِيلُهُ عَن الْمَنْصُور.
[٢٠٨]
[سُورَة الشُّعَرَاء (٢٦) : آيَة ٢٠٨]
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨)
تَذْكِيرٌ لِقُرَيْشٍ بِأَنَّ الْقُرَى الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ وَالَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ قَدْ كَانَ لَهَا رُسُلٌ يُنْذِرُونَهَا عَذَابَ اللَّهِ لِيَقِيسُوا حَالَتَهُمْ عَلَى أَحْوَالِ الْأُمَمِ الَّتِي قَبْلَهُمْ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَحْوَالٍ مَحْذُوفَةٌ. وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي حَالٍ لَهَا مُنْذِرُونَ. وَعُرِّيَتْ جُمْلَةُ الْحَالِ عَنِ الْوَاوِ اسْتِغْنَاءً عَنِ الْوَاوِ
بِبُطْلَانِ الْإِشْرَاكِ فِي الِاعْتِقَادِ وَلَوْ أَضْعَفَ إِشْرَاكٍ، فَجُمْلَةُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ لِلنَّهْيِ الَّذِي فِي الْجُمْلَةِ قَبْلَهَا.
وَجُمْلَةُ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ لِلنَّهْيِ لِأَنَّ هَلَاكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْهَا الْأَصْنَامُ وَكُلُّ مَا عُبِدَ مَعَ اللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْهَا لِأَنَّ الْإِلَهِيَّةَ تَنَافِي الْهَلَاكَ وَهُوَ الْعَدَمُ.
وَالْوَجْهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الذَّاتِ. وَالْمَعْنَى: كُلُّ مَوْجُودٍ هَالِكٌ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى.
وَالْهَلَاكُ: الزَّوَالُ وَالِانْعِدَامُ.
وَجُمْلَةُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ تَذْيِيلٌ فَلِذَلِكَ كَانَتْ مَفْصُولَةً عَمَّا قَبْلَهَا. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ بِاللَّامِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ، وَالْمَحْصُورُ فِيهِ هُوَ الْحُكْمُ الْأَتَمُّ، أَيِ الَّذِي لَا يَرُدُّهُ رَادٌّ.
وَالرُّجُوعُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى: آخِرِ الْكَوْنِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ، لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ الِانْصِرَافُ إِلَى مَكَانٍ قَدْ فَارَقَهُ فَاسْتُعْمِلَ فِي مَصِيرِ الْخَلْقِ وَهُوَ الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ شُبِّهَ بِرُجُوعِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ الِاسْتِقْرَارُ وَالْخُلُودُ فَهُوَ مُرَادٌ مِنْهُ طُولُ الْإِقَامَةِ.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ بِ (إِلَى) لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَفَوُا الرُّجُوعَ مِنْ أَصْلِهِ وَلَمْ يَقُولُوا بِالشَّرِكَةِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ تعدد هَذِه الْجُمْلَة إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالْإِلَهِيَّةِ فِي ذَاتِهِ وَهُوَ مَدْلُولُ جُمْلَةِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ. وَذَلِكَ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى صِفَةِ الْقِدَمِ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى جِنْسُ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ
غَيْرِهِ تَعَالَى تَعَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُوجِدْهُ غَيْرُهُ فَثَبَتَ لَهُ الْقِدَمُ الْأَزَلِيُّ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَاقٍ لَا يَعْتَرِيهِ الْعَدَمُ لِاسْتِحَالَةِ عَدَمِ الْقَدِيمِ، وَذَلِكَ مَدْلُولُ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى مُنْفَرِدٌ فِي أَفْعَالِهِ بِالتَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا يَرُدُّهُ غَيْرُهُ فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إِثْبَاتَ الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ. وَفِي كُلِّ هَذَا رَدٌّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَوَّزُوا شَرِكَتَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ، وَأَشْرَكُوا مَعَهُ آلِهَتَهُمْ فِي التَّصَرُّفِ بِالشَّفَاعَةِ وَالْغَوْثِ.
ثُمَّ أَبْطَلَ إِنْكَارَهُمُ الْبَعْثَ بِقَوْلِهِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
الْعِنْدِيَّةَ شَأْنُهَا الِاسْتِئْثَارُ. وَتَقْدِيمُ عِنْدَ وَهُوَ ظَرْفٌ مُسْنَدٌ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادٌ بِهِ مُجَرَّدَ التَّقْوَى.
وَجُمْلَةُ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ الْخَبَرِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ، فَيُفِيدُ التَّخْصِيصَ بِتَنْزِيلِ الْغَيْثِ. وَالْمَقْصُودُ أَيْضًا عِنْدَهُ عِلْمُ وَقْتِ نُزُولِ الْغَيْثِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدُ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُنْكِرُونَهُ وَلَكِنْ نُظِمَتِ الْجُمْلَةُ بِأُسْلُوبِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِيَحْصُلَ مَعَ الدَّلَالَةِ عَلَى الِاسْتِئْثَارِ بِالْعِلْمِ بِهِ الِامْتِنَانُ بِذَلِكَ الْمَعْلُومِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ.
وَفِي اخْتِيَارِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ إِفَادَةُ أَنَّهُ يُجَدِّدُ إِنْزَالَ الْغَيْثِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ عِنْدَ احْتِيَاجِ الْأَرْضِ. وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَنْ قَدَّرُوا: يُنَزِّلُ الْغَيْثَ، بِتَقْدِيرِ (أَنِ) الْمَصْدَرِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِ طَرَفَةَ:
أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى لِلْبَوْنِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ وَتَفَاوُتِ الدَّرَجَتَيْنِ فِي الْبَلَاغَةِ. وَإِذْ قَدْ جَاءَ هَذَا نَسَقًا فِي عِدَادِ الْحَصْرِ كَانَ الْإِتْيَانُ بِالْمُسْنَدِ فِعْلًا خَبَرًا عَنْ مُسْنَدٍ إِلَيْهِ مُقَدَّمٍ مُفِيدًا لِلِاخْتِصَاصِ بِالْقَرِينَةِ فَالْمَعْنَى: وَيَنْفَرِدُ بِعِلْمِ وَقْتِ نُزُولِ الْغَيْثِ مِنْ قُرْبٍ وَبُعْدٍ وَضَبْطِ وَقْتٍ.
وَعُطِفَ عَلَيْهِ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ أَيْ: يَنْفَرِدُ بِعِلْمِ جَمِيعِ أَطْوَارِهِ مِنْ نُطْفَةٍ وَعَلَقَةٍ وَمُضْغَةٍ ثُمَّ مِنْ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَإِبَّانَ وَضْعِهِ بِالتَّدْقِيقِ. وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ لِإِفَادَةِ تَكَرُّرِ الْعِلْمِ بِتَبَدُّلِ تِلْكَ الْأَطْوَارِ وَالْأَحْوَالِ. وَالْمَعْنَى: يَنْفَرِدُ بِعِلْمِ جَمِيعِ تِلْكَ الْأَطْوَارِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا النَّاسُ لِأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَا قَصَدَ مِنْهُ الْحَصْرَ فَكَانَ الْمُسْنَدُ الْفِعْلِيُّ الْمُتَأَخِّرُ عَنِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ مُفِيدًا لِلِاخْتِصَاصِ بِالْقَرِينَةِ كَمَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ فَقَدْ نُسِجَ عَلَى مِنْوَالٍ آخَرَ مِنَ النَّظْمِ فَجُعِلَ سُدَاهُ نَفْيَ عِلْمِ أَيَّةِ نَفْسٍ بِأَخَصِّ أَحْوَالِهَا وَهُوَ حَالُ اكْتِسَابِهَا الْقَرِيبُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ الْمُوَالِي يَوْمَ تَأَمُّلِهَا وَنَظَرِهَا، وَكَذَلِكَ مَكَانُ انْقِضَاءِ حَيَاتِهَا لِلنِّدَاءِ عَلَيْهِمْ بِقِلَّةِ عِلْمِهِمْ فَإِذَا كَانُوا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فِي
وَلَمَّا أَعْرَضَ عَنِ الْخَوْضِ فِي آثَارِ هَذِهِ الْإِرَاءَةِ عُلِمَ أَنَّهُمْ مُفْتَضَحُونَ عِنْدَ تِلْكَ الْإِرَاءَةِ فَقُدِّرَتْ حَاصِلَةٌ، وَأُعْقِبَ طَلَبُ تَحْصِيلِهَا بِإِثْبَاتِ أَثَرِهَا وَهُوَ الرَّدْعُ عَنِ اعْتِقَادِ إِلَهِيَّتِهَا، وَإِبْطَالُهَا عَنْهُمْ بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ فَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ حَرْفَيِ الرَّدْعِ وَالْإِبْطَالِ ثُمَّ الِانْتِقَالِ إِلَى تَعْيِينِ الْإِلَهِ الْحَقِّ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الْفجْر: ١٧].
وَضَمِيرُ هُوَ اللَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى الشَّأْنِ والْعَزِيزُ الْحَكِيمُ خَبَرَانِ، أَيْ بَلِ الشَّأْنُ الْمُهِمُّ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَا آلِهَتُكُمْ فَفِي الْجُمْلَةِ قَصْرُ الْعِزَّةِ وَالْحُكْمِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كِنَايَةً عَنْ قَصْرِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعَالَى قَصْرَ إِفْرَادٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى الْإِلَهِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى الْمُسْتَحْضَرِ فِي الذِّهْنِ وَهُوَ اللَّهُ. وَتَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ: اللَّهُ فَاسْمُ الْجَلَالَةِ عَطْفُ بَيَانٍ. والْعَزِيزُ الْحَكِيمُ خَبَرَانِ عَنِ الضَّمِيرِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْوَجْهِ وَبَيْنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَظْهَرُ فِي اخْتِلَافِ مَدْلُولِ الضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ وَاخْتِلَافِ مَوْقِعِ اسْمِ الْجَلَالَةِ بَعْدَهُ، وَاخْتِلَافِ مَوْقِعِ الْجُمْلَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَالْعِزَّةُ: الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الْغَيْرِ. والْحَكِيمُ: وَصْفٌ مِنَ الْحِكْمَةِ وَهِيَ مُنْتَهَى الْعِلْمِ، أَوْ مِنَ الْإِحْكَامِ وَهُوَ إِتْقَانُ الصُّنْعِ، شَاعَ فِي الْأَمْرَيْنِ. وَهَذَا إِثْبَاتٌ لِافْتِقَارِ أَصْنَامِهِمْ وَانْتِفَاءِ الْعِلْمِ عَنْهَا. وَهَذَا مَضْمُون قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
[مَرْيَم: ٤٢].
[٢٨]
[سُورَة سبإ (٣٤) : آيَة ٢٨]
وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)
انْتِقَالٌ مِنْ إِبْطَالِ ضَلَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ إِلَى إِبْطَالِ ضَلَالِهِمْ فِي شَأْنِ صِدْقِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَغَيَّرَ أُسْلُوبَ الْكَلَامِ مِنَ الْأَمْرِ بِمُحَاجَّةِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِخْبَارِ بِرِسَالَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ بِتَوْجِيهِ هَذَا الْإِخْبَارِ بِالنِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ إِلَيْهِ، وَيَحْصُلُ إِبْطَالُ مَزَاعِمِ الْمُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ.

[سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٧٦ إِلَى ١٧٧]

أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)
هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى التَّأْجِيلِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى حِينٍ [الصافات: ١٧٤] فَإِنَّ ذَلِكَ مَا
أُنْذِرُهُمْ بِعَذَابٍ يَحِلُّ بِهِمْ تُوُقِّعَ أَنَّهُمْ سَيَقُولُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ أَرِنَا الْعَذَابَ الَّذِي تُخَوِّفُنَا بِهِ وَعَجِّلْهُ لَنَا.
وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ ذَكَرَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ فَلُوحِظَ ذَلِكَ وَفُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهَامٌ تَعْجِيبِيٌّ من استعجالهم مَا فِي تَأْخِيرِهِ وَالنَّظْرَةِ بِهِ رَأْفَةً بِهِمْ وَاسْتِبْقَاءً لَهُمْ حِينًا.
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَاءُ الْفَصِيحَةِ، أَيْ إِنْ كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالْعَذَابِ فَإِذَا نَزَلَ بِهِمْ فَبِئْسَ وَقْتُ نُزُولِهِ. وَإِسْنَادُ النُّزُولِ إِلَى الْعَذَابِ وَجَعْلُهُ فِي سَاحَتِهِمُ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ، شَبَّهَتْ هَيْئَةَ حُصُولِ الْعَذَابِ لَهُمْ بَعْدَ مَا أُنْذِرُوا بِهِ فَلم يعبأوا بِهَيْئَةِ نُزُولِ جَيْشِ عَدُوٍّ فِي سَاحَتِهِمْ بَعْدَ أَنْ أَنْذَرَهُمْ بِهِ النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَلَمْ يَأْخُذُوا أُهْبَتَهُمْ حَتَّى أَنَاخَ بِهِمْ.
وَذَكَرَ الصَّبَاحَ لِأَنَّهُ مِنْ عَلَائِقِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا فَإِنَّ شَأْنَ الْغَارَةِ أَنْ تَكُونَ فِي الصَّبَاحِ وَلِذَلِكَ كَانَ نَذِيرُ الْمَجِيءِ بِغَارَةِ عَدُوٍّ يُنَادِي: يَا صَبَاحَاهُ! نِدَاءَ نُدْبَةٍ وَتَفَجُّعٍ. وَلِذَلِكَ جُعِلَ جَوَابُ «إِذَا» قَوْلُهُ: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ أَيْ بِئْسَ الصَّبَاحُ صَبَاحُهُمْ.
وَفِي وَصْفِهِمْ بِ الْمُنْذَرِينَ تَرْشِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ وَتَوْرِيَةٌ فِي اللَّفْظِ لِأَنَّ الْمُشَبَّهِينَ مُنْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ بِالْعَذَابِ. وَالَّذِينَ يَسُوءُ صَبَاحُهُمْ عِنْدَ الْغَارَةِ هُمُ الْمَهْزُومُونَ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ كَانُوا مَغْلُوبِينَ. وَهَذَا التَّمْثِيلُ قَابِلٌ لِتَفْرِيقِ أَجْزَائِهِ فِي التَّشْبِيهِ بِأَنْ يُشَبِّهَ الْعَذَابَ بِالْجَيْشِ، وَحُلُولَهُ بِهِمْ بِنُزُولِ الْجَيْشِ بِسَاحَةِ قَوْمٍ وَمَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ ضُرِّ الْعَذَابِ بِضُرِّ الْهَزِيمَةِ، وَوَقْتَ نُزُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ بِتَصْبِيحِ الْعَدُوِّ مَحِلَّةَ قَوْمٍ. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» :«وَمَا فَصَحَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
الْمُعَرَّضِ بِهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا النَّهْيَ وَمَجِيءَ الْبَيِّنَاتِ هُوَ مِنْ جَانِبِ سَيِّدِهِ وَسَيِّدِهِمْ فَمَا يَسَعُهُمْ إِلَّا أَنْ يُطِيعُوهُ وَلِذَلِكَ عَزَّزَهُ بِإِضَافَةِ الرَّبِّ إِلَى الْجَمِيعِ فِي قَوْلِهِ: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أَيْ رَبُّكُمْ وَرَبُّ غَيْرِكُمْ فَلَا مُنْصَرَفَ لَكُمْ عَنْ طَاعَتِهِ.
وَالْإِسْلَامُ: الِانْقِيَادُ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ، وَكَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِهِ فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، فَأَصْلُهُ: أَسْلَمَ نَفْسَهُ أَوْ ذَاتَهُ أَوْ وَجْهَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، وَمِنِ اسْتِعْمَالِهِ كَاللَّازِمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٢٠] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٣١]، وَكَذَلِكَ هُوَ هُنَا.
[٦٧]
[سُورَة غَافِر (٤٠) : آيَة ٦٧]
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)
اسْتِئْنَافٌ رَابِعٌ بَعْدَ اسْتِئْنَافِ جُمْلَةِ هُوَ الْحَيُّ [غَافِر: ٦٥] وَمَا تَفَرَّعَ عَلَيْهَا، وَكلهَا ناشىء بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ. وَهَذَا الِامْتِنَانُ بِنِعْمَةِ الْإِيجَادِ وَهُوَ نِعْمَةٌ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ شَرَفٌ وَالْمَعْدُومَ لَا عِنَايَةَ بِهِ. وَأُدْمِجَ فِيهِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْإِبْدَاعِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَطْوَارِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَعْضِهِ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ.
وَالطِّفْلُ: اسْمٌ يَصْدُقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ قَالَ تَعَالَى:
أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ [النُّور: ٣١] وَقَدْ يُطَابِقُ فَيُقَالُ: طِفْلٌ وَطِفْلَانِ وَأَطْفَالٌ.
وَاللَّامَاتُ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِ (ثُمَّ) مُتَعَلِّقَاتٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ يُبْقِيكُمْ، أَوْ ثُمَّ يُنْشِئُكُمْ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، وَهِيَ لَامَاتُ
مِنْ فَظِيعِ تَوَغُّلِهِمْ فِي الْإِعْرَاضِ عَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَبُوهُمْ فَكَانَ مُوقِعُ بَلْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَبْلَغَ مِنْ مَوْقِعِهَا فِي قَوْلِ لَبِيدٍ:
بَلْ مَا تَذَكَّرُ مِنْ نَوَارَ وَقَدْ نَأَتْ وَتَقَطَّعَتْ أَسْبَابُهَا وَرِمَامُهَا
إِذْ كَانَ انْتِقَالُهُ اقْتِضَابًا وَكَانَ هُنَا تَخَلُّصًا حَسَنًا.
وهؤُلاءِ إِشَارَةٌ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْكَلَامِ، وَقَدِ اسْتَقْرَيْتُ أَنَّ مُصْطَلَحَ الْقُرْآنِ أَنْ يُرِيدَ بِمِثْلِهِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَلَمْ أَرَ مَنِ اهْتَدَى لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٤١] وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.
وَالْمُرَادُ بِآبَائِهِمْ آبَاؤُهُمُ الَّذِينَ سَنُّوا عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وَالَّذِينَ عَبَدُوهَا مِنْ بَعْدِهِ. وَتَمْتِيعُ آبَائِهِمْ تَمْهِيدٌ لِتَمْتِيعِ هَؤُلَاءِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ غَايَةُ التَّمْتِيعِ مَجِيءَ الرَّسُولِ فَإِنَّ مَجِيئَهُ لِهَؤُلَاءِ. وَالتَّمْتِيعُ هُنَا التَّمْتِيعُ بِالْإِمْهَالِ وَعَدَمِ الِاسْتِئْصَالِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْغَايَةُ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ.
وَالْمُرَادُ بِ الْحَقُّ الْقُرْآنُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هَذَا سِحْرٌ [الزخرف: ٣٠] وَقَوْلُهُ: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] وَهَذِهِ الْآيَةُ ثَنَاءٌ رَاجِعٌ عَلَى الْقُرْآنِ مُتَّصِلٌ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ.
فَإِنَّهُ لَمَّا جَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَان مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى التَّمْتِيعُ وَأُخِذُوا بِالْعَذَابِ تَدْرِيجًا إِلَى أَنْ كَانَ عَذَابُ يَوْمِ بَدْرٍ وَيَوْمِ حُنَيْنٍ، وَهَدَى اللَّهِ لِلْإِسْلَامِ مَنْ بَقِيَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَأَيَّامَ الْوُفُودِ. وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ فِي سُورَةِ هُودٍ [٤٨].
وَالْحَقُّ الَّذِي جَاءَهُمْ هُوَ: الْقُرْآنُ، وَالرَّسُولُ الْمُبين: مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَصْفُهُ بِ مُبِينٌ لِأَنَّهُ أَوْضَحَ الْهُدَى وَنَصَبَ الْأَدِلَّةَ وَجَاءَ بِأَفْصَحِ كَلَامٍ. فَالْإِبَانَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَعَانِي دِينِهِ وَأَلْفَاظِ كِتَابِهِ. وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُشَرِّفَ هَذَا الْفَرِيقَ مِنْ عَقِبِ إِبْرَاهِيمَ بِالِانْتِشَالِ
وَجِيءَ بِفِعْلِ كَانُوا لِدَلَالَتِهَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحَقِّيَّةَ رَاسِخَةٌ فِيهِمْ حَاصِلَةٌ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، أَيْ فِي قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ نُفُوسَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ مُتَهَيِّئَةً لِقَبُولِ كَلِمَةِ التَّقْوَى وَالْتِزَامِهَا بِمَا أَرْشَدَهَا اللَّهُ إِلَيْهِ. وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ، أَيْ أَحَقَّ بِهَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَالَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ لِأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لَهُمُ الِاسْتِعْدَادَ لِلْإِيمَان دُونَ الَّذِينَ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ.
وَأَهْلُ الشَّيْءِ مُسْتَحِقُّهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ كَلِمَةِ التَّقْوَى لِأَنَّهَا تُنَاسِبُ ضَمَائِرَهُمْ وَمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ. وَهَذِهِ الْأَهْلِيَّةُ مِثْلُ الْأَحَقِّيَّةِ مُتَفَاوِتَةٌ فِي النَّاسِ وَكُلَّمَا اهْتَدَى أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ دَلَّ اهْتِدَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْأَهْلِيَّةُ لِلْإِسْلَامِ.
وَجُمْلَةُ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً تَذْيِيلٌ، أَيْ وَسَبْقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ ذَلِكَ فِي عُمُومِ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَجْرَى تَكْوِينِهِ عَلَى نَحْو علمه.
[٢٧]
[سُورَة الْفَتْح (٤٨) : آيَة ٢٧]
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧)
اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [الْفَتْح: ٢٦] وَدَحْضُ مَا خَامَرَ نُفُوسَ فَرِيقٍ مِنَ الْفَشَلِ أَوِ الشَّكِّ أَوِ التَّحَيُّرِ وَتَبْيِينُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ مِنْ ثَوَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَى كَشْفِ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ لِلْقَوْمِ فِي رُؤْيَا رَآهَا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ذَلِكَ أَنَّ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رُؤْيَا قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ، أَوْ وَهُوَ
فِي الْحُدَيْبِيَةِ: كَأَنَّهُ وَأَصْحَابَهُ قَدْ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وَحَلَقُوا وَقَصَّرُوا. هَكَذَا كَانَتِ الرُّؤْيَا مُجْمَلَةً لَيْسَ فِيهَا وُقُوعُ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، وَالْحِلَاقُ وَالتَّقْصِيرُ مُنَاسِبٌ لِكِلَيْهِمَا.
وَإِمَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ آحَادِ النَّاسِ، أَيْ لَيْسَ مِنْ أَفْضَلِنَا. وَإِمَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِي ادِّعَاءِ الرِّسَالَةِ لَا سَلَفَ لَهُ فِيهَا كَقَوْلِ أَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ:
قَدْ كُنْتُ أَغْنَى النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا سَكَنَ الْمَدِينَةَ مِنْ مُزَارِعِ فُومِ
يُرِيدُ: لَا يُنَاظِرُنِي فِي ذَلِكَ أَحَدٌ.
وَجُمْلَةُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ تَعْلِيلٌ لِإِنْكَارِ أَنْ يَتَّبِعُوا بَشَرًا مِنْهُمْ تَقْدِيرُهُ: أَنَتَّبِعُكَ
وَأَنْتَ بَشَرٌ وَاحِد منا.
و (إِذن) حَرْفُ جَوَابٍ هِيَ رَابِطَةُ الْجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَهَا. وَالضَّلَالُ: عَدَمُ الِاهْتِدَاءِ إِلَى الطَّرِيقِ، أَرَادوا: إِنَّا إِذن مُخْطِئُونَ فِي أَمْرِنَا.
وَالسُّعُرُ: الْجُنُونُ، يُقَالُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا.
وَفَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ السُّعُرَ بِالْعَذَابِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ سَعِيرٍ. وَجُمْلَةُ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ.
وأُلْقِيَ حَقِيقَتُهُ: رُمِيَ مِنَ الْيَدِ إِلَى الْأَرْضِ وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِإِنْزَالِ الذِّكْرِ مِنَ السَّمَاءِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: ٥].
و (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ، جَعَلُوا تَلَبُّسَهُمْ بِالضَّلَالِ وَالْجُنُونِ كَتَلَبُّسِ الْمَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ.
ومِنْ بَيْنِنا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ عَلَيْهِ، أَيْ كَيْفَ يُلْقَى عَلَيْهِ الذِّكْرُ دُونَنَا، يُرِيدُونَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ بِأَنْ يُوحَى إِلَيْهِ حَسَبَ مَدَارِكِ عُقُولِ الْجَهَلَةِ الَّذين يقيسون الْأُمُور بِمَقَايِيسِ قُصُورِ أَفْهَامِهِمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّ أَسْبَابَ الْأَثَرَةِ فِي الْعَادَاتِ هِيَ أَسْبَابُهَا فِي الْحَقَائِقِ.
وَحَرْفُ مِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ بَيْنِنا بِمَعْنَى الْفَصْلِ كَمَا سَمَّاهُ ابْنُ مَالِكٍ وَإِنْ أَبَاهُ ابْنُ هِشَامٍ أَيْ مَفْصُولًا مِنْ بَيْنِنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [الْبَقَرَة: ٢٢٠].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ [الصَّفّ: ١٠] عَلَى احْتِمَالِ أَنَّ مَا قَبْلَهَا كَلَامٌ صَادِرٌ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى، عَطْفُ غَرَضٍ عَلَى غَرَضٍ فَيَكُونُ الْأَمْرُ من الله لنبيئه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَلَا يَتَأَتَّى فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَرْضُ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْإِخْبَارِ إِذْ لَيْسَ عَطْفُ جُمْلَةٍ بَلْ جملَة على جُمْلَةٍ عَلَى مَجْمُوعِ جُمَلٍ عَلَى نَحْوِ مَا اخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ الْآيَةُ فِي أَوَائِلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٥] وَمَا بَيَّنَهُ مِنْ كَلَامِ السَّيِّدِ الشَّرِيفِ فِي حَاشِيَةِ «الْكَشَّافِ».
وَأَمَّا عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ إِلَى آخِرِهِ مَسُوقًا لِأَمْرِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ، إِلَى آخِرِهِ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي وَبَشِّرِ الْتِفَاتًا مِنْ قَبِيلِ التَّجْرِيدِ. وَالْمَعْنَى: وَأُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْإِخْبَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فِي أَوَائِلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٥].
وَالَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيِي الْآنَ أَنَّ الْاخْتِلَافَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ بِالْخَبَرِيَّةِ وَالْإِنْشَائِيَّةِ اخْتِلَافٌ لَفْظِيٌّ لَا يُؤَثِّرُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ اتِّصَالًا وَلَا انْقِطَاعًا لِأَنَّ الِاتِّصَالَ وَالِانْقِطَاعَ أَمْرَانِ مَعْنَوِيَّانِ وَتَابِعَانِ لِلْأَغْرَاضِ فَالْعِبْرَةُ بِالْمُنَاسَبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ دُونَ الصِّيغَةِ اللَّفْظِيَّةِ وَفِي هَذَا مَقْنَعٌ حَيْثُ فَاتَنِي التَّعَرُّضُ لِهَذَا الْوَجْهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ سُورَة الْبَقَرَة (١).
[١٤]
[سُورَة الصَّفّ (٦١) : آيَة ١٤]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)
_________
(١) فِي قَوْله تَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا إِلَى قَوْله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.
فِي «الْكَشَّاف» (فَإِن قلت: علام عطف هَذَا الْأَمر- أَي وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا- وَلم يسْبق أَمر أَو نهي يَصح عطفه عَلَيْهِ؟ قلت: لَيْسَ الَّذِي اعْتمد بالْعَطْف هُوَ الْأَمر حَتَّى يطْلب لَهُ مشاكل من أَمر أَو نهي- أَي مشاكل إنشائي- يعْطف عَلَيْهِ إِنَّمَا الْمُعْتَمد بالْعَطْف هُوَ جملَة وصف ثَوَاب الْمُؤمنِينَ فَهِيَ معطوفة على جملَة وصف عِقَاب الْكَافرين) اهـ.
قَالَ السَّيِّد فِي «حَاشِيَة الْكَشَّاف» :(الْعَطف قد يكون بَين الْمُفْردَات وَمَا فِي حكمهَا من الْجمل الَّتِي لَهَا محلّ من الْإِعْرَاب. وَقد يكون بَين الْجمل الَّتِي لَا محلّ لَهَا، وَقد يكون بَين قصتين بِأَن يعْطف مَجْمُوع جمل مُتعَدِّدَة مسوقة لمقصود، على مَجْمُوع جمل أُخْرَى مسوقة لمقصود آخر، فَيعْتَبر حِينَئِذٍ التناسب بَين الْقصَّتَيْنِ دون آحَاد الْجمل الْوَاقِعَة فيهمَا.
الْمَعْطُوفَةِ أَهَمُّ مِنْ مَضْمُونِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ اخْتِلَافَ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ أَلْصَقُ بِالدَّعْوَةِ مِنْ أَوْقَاتِ
إِلْقَائِهَا لِأَنَّ الْحَالَةَ أَشَدُّ مُلَابَسَةً بِصَاحِبِهَا مِنْ مُلَابَسَةِ زَمَانِهِ. فَذَكَرَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ جِهَارًا، أَيْ عَلَنًا.
وَجِهَارٌ: اسْمُ مَصْدَرِ جَهَرَ، وَهُوَ هُنَا وَصْفٌ لِمَصْدَرِ دَعَوْتُهُمْ، أَيْ دَعْوَةً جِهَارًا.
وَارْتَقَى فَذَكَرَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ أَقْوَى فِي الدَّعْوَةِ وَأَغْلَظُ مِنْ إِفْرَادِ إِحْدَاهُمَا. فَقَوْلُهُ: أَعْلَنْتُ لَهُمْ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ذُكِرَ لِيُبْنَى عَلَيْهِ عَطْفُ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَوَخَّى مَا يَظُنُّهُ أَوْغَلَ إِلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ صِفَاتِ الدَّعْوَةِ، فَجَهَرَ حِينَ يَكُونُ الْجَهْرُ أَجْدَى مِثْلَ مَجَامِعِ الْعَامَّةِ، وَأَسَرَّ لِلَّذِينَ يَظُنُّهُمْ مُتَجَنِّبِينَ لَوْمَ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي التَّصَدِّي لِسَمَاعِ دَعْوَتِهِ وَبِذَلِكَ تَكُونُ ضَمَائِرُ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ دَعَوْتُهُمْ، وَقَوْلِهِ: أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ مُوَزَّعَةً عَلَى مُخْتَلَفِ النَّاسِ.
وَانْتَصَبَ جِهاراً بِالنِّيَابَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِنَوْعِ الدَّعْوَةِ.
وَانْتَصَبَ إِسْراراً عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُفِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أَيْ إِسْرَارًا خَفِيًّا.
وَوَجْهُ تَوْكِيدِ الْإِسْرَارِ أَنَّ إِسْرَارَ الدَّعْوَةِ كَانَ فِي حَالِ دَعْوَتِهِ سَادَتَهُمْ وَقَادَتَهُمْ لِأَنَّهُمْ يَمْتَعِضُونَ مِنْ إِعْلَانِ دَعَوْتِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ.
وَفَصَّلَ دَعْوَتَهُ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ فَقَالَ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ فَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي قَالَهُ لَهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا وَجِهَارًا وَإِسْرَارًا.
وَمَعْنَى اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، ءامنوا إِيمَانًا يَكُونُ اسْتِغْفَارًا لِذَنْبِكُمْ فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ.
وَعَلَّلَ ذَلِكَ لَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالْغُفْرَانِ صِفَةً ثَابِتَةً تَعَهَّدَ اللَّهُ بِهَا لِعِبَادِهِ الْمُسْتَغْفِرِينَ، فَأَفَادَ التَّعْلِيلَ بِحَرْفِ (إِنَّ) وَأَفَادَ ثُبُوتَ الصِّفَةِ لِلَّهِ بِذِكْرِ فِعْلِ كانَ وَأَفَادَ كَمَالَ غُفْرَانِهِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ بِقَوْلِهِ غَفَّاراً.
أَيْ أَنَّ
تَكْذِيبَهُمْ بِهِ جَهْلٌ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خلق النَّاس وَتَكْلِيفِهِمْ إِذِ الْحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ تَقْتَضِي تَحْسِينَ أَعْمَالِهِمْ وَحِفْظَ نِظَامِهِمْ. فَلِذَلِكَ جَاءَتْهُمُ الشَّرَائِعُ آمِرَةً بِالصَّلَاحِ وَنَاهِيَةً عَنِ الْفَسَادِ. وَرَتَّبَ لَهُمُ الْجَزَاءَ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ بِالثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ، وَعَلَى أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ بِالْعَذَابِ وَالْإِهَانَةِ. كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ: فَلَوْ أَهْمَلَ الْخَالِقُ تَقْوِيمَ مَخْلُوقَاتِهِ وَأَهْمَلَ جَزَاءَ الصَّالِحِينَ وَالْمُفْسِدِينَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حِكْمَةِ الْخَلْقِ قَالَ تَعَالَى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٥، ١١٦].
وَقَدْ ذُكِرَ لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ وَهِيَ: مُعْتَدٍ، أَثِيمٍ، يَقُولُ إِنَّ الْآيَاتِ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
وَالِاعْتِدَاءُ: الظُّلْمُ، وَالْمُعْتَدِي: الْمُشْرِكُ وَالْكَافِرُ بِمَا جَاءَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ لِأَنَّهُمُ اعْتَدَوْا عَلَى اللَّهِ بِالْإِشْرَاكِ، وَعَلَى رُسُلِهِ بِالتَّكْذِيبِ، وَاعْتَدَوْا عَلَى دَلَائِلِ الْحَقِّ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِيهَا أَوْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهَا.
وَالْأَثِيمُ: مُبَالَغَةٌ فِي الْآثِمِ، أَيْ كَثِيرُ الْإِثْمِ.
وَصِيغَةُ الْقَصْرِ مِنَ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ تُفِيدُ قَصْرَ صِفَةِ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ عَلَى الْمُعْتَدِينَ الْآثِمِينَ الزَّاعِمِينَ الْقُرْآنَ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ.
فَهُوَ قَصْرُ صِفَةٍ عَلَى مَوْصُوفٍ وَهُوَ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِأَنَّ يَوْمَ الدِّينِ لَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا غَيْرُ الْمُتَدَيِّنِينَ الْمُشْرِكُونَ وَالْوَثَنِيُّونَ وَأَضْرَابُهُمْ مِمَّنْ جَمَعَ الْأَوْصَافَ الثَّلَاثَةَ، وَأَعْظَمُهَا التَّكْذِيبُ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالصَّابِئَةَ لَا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ لَا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ مِثْلَ أَصْحَابِ دِيَانَةِ الْقِبْطِ.
فَالَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ هُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ مِثْلُ الدَّهْرِيِّينَ فَإِنَّهُمْ تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ الصِّفَتَانِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ الِاعْتِدَاءُ وَالْإِثْمُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا زَعْمُ الْقُرْآنِ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ فَهُوَ مَقَالَةُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَهُمُ الْمَقْصُودُ ابْتِدَاءً وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ هَذَا الْقَوْلُ فَهُمْ مُتَهَيِّئُونَ لِأَنْ يَقُولُوهُ، أَوْ يَقُولُوا مَا يُسَاوِيه أَو يؤول إِلَيْهِ، لِأَنَّ مَنْ لم يعرض عَلَيْهِم الْقُرْآنُ مِنْهُمْ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ لَكَذَّبَ بِهِ


الصفحة التالية
Icon