تَفَاوَتَتِ الْبُلَغَاءُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَبْحَثِ تَعْرِيفِ الْبَلَاغَةِ وَحَدُّ الْإِعْجَازِ هُوَ الطَّرَفُ الْأَعْلَى لِلْبَلَاغَةِ الْجَامِعُ لِأَقْصَى الْخُصُوصِيَّاتِ كَمَا بَيَّنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فَلَمَّا وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ وَالْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا شَيْئَانِ يَصْلُحَانِ لِأَنْ يُشَبَّهَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ تَشْبِيهًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ دَاخِلٍ فِي تَشْبِيهِ الْهَيْئَةِ كَانَ حَقُّ هَذَا الْمَقَامِ تَشْبِيهُ التَّمَكُّنِ بِالِاسْتِعْلَاءِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ بَدِيعٌ وَأُشِيرَ إِلَيْهِ بِكَلِمَةِ عَلَى وَأَمَّا غَيْرُ هَذَيْنِ مِنْ أَجْزَاءِ الْهَيْأَتَيْنِ فَلَمَّا لَمْ يَحْسُنْ تَشْبِيهُ شَيْءٍ مِنْهَا بِآخَرَ أُلْغِيَ التَّشْبِيهُ الْمُفْرَدُ فِيهَا إِذْ لَا يَحْسُنُ تَشْبِيهُ الْمُتَّقِي بِخُصُوصِ الرَّاكِبِ وَلَا الْهُدَى بِالْمَرْكُوبِ فَتَكُونُ «عَلَى» عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَعْضًا مِنَ الْمَجَازِ الْمُرَكَّبِ دَلِيلًا عَلَيْهِ بِاعْتِبَارٍ وَمَجَازًا مُفْرَدًا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ.
وَالَّذِي أَخْتَارُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولئِكَ عَلى هُدىً اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَتِ الْحَالَةَ بِالْحَالَةِ وَحُذِفَ لَفْظُ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهُوَ الْمَرْكَبُ الدَّالُّ عَلَى الرُّكُوبِ كَأَنْ يُقَالَ رَاكِبِينَ مَطِيَّةَ الْهُدَى وَأَبْقَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُشَبَّهِ وَهُوَ أُولئِكَ وَالْهُدَى، وَرَمْزٌ لِلْمَرْكَبِ الدَّالِّ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ بِشَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ وَهُوَ لَفْظُ (عَلَى) الدَّالُّ عَلَى الرُّكُوبِ عُرْفًا كَمَا عَلِمْتُمْ، فَتَكْمُلُ لَنَا فِي أَقْسَامِ التَّمْثِيلِيَّةِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ: الِاسْتِعَارَةُ كَمَا فِي الِاسْتِعَارَةِ الْمُفْرَدَةِ فَيَكُونُ التَّمْثِيلُ مِنْهُ مَجَازٌ مُرْسَلٌ كَاسْتِعْمَالِ الْخَبَرِ فِي التَّحَسُّرِ وَمِنْهُ اسْتِعَارَةٌ مُصَرَّحَةٌ نَحْوَ أَرَاكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى وَمِنْهُ مَكْنِيَّةٌ كَمَا فِي الْآيَةِ عَلَى رَأْيِنَا، وَمِنْهُ تَبَعِيَّةٌ كَمَا فِي قَوْلِ الْحَمَاسِيِّ:

وَفَارِسٍ فِي غِمَارِ الْمَوْتِ مُنْغَمِسٍ إِذَا تَأَلَّى عَلَى مَكْرُوهَةٍ صَدَقَا
فَإِنَّ مُنْغَمِسٍ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ إِحَاطَةِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِهَيْئَةِ مَنْ أَحَاطَتْ بِهِ الْمِيَاهُ الْمُهْلِكَةُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَلَفْظُ مُنْغَمِسٍ تَبَعِيَّةٌ لَا مَحَالَةَ.
وَإِنَّمَا نُكِّرَ هُدًى وَلَمْ يُعَرَّفْ بِاللَّامِ لِمُسَاوَاةِ التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ هُنَا إِذْ لَوْ عُرِّفَ لَكَانَ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ فَرَجَّحَ التَّنْكِيرَ تَمْهِيدًا لِوَصْفِهِ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، فَهُوَ مُغَايِرٌ لِلْهُدَى السَّابِقِ فِي قَوْلِهِ: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ مُغَايَرَةً بِالِاعْتِبَارِ إِذِ الْقَصْدُ التَّنْوِيهُ هُنَا بِشَأْنِ الْهُدَى وَتَوَسُّلًا إِلَى إِفَادَةِ تَعْظِيمِ الْهُدَى بِقَرِينَةِ مَقَامِ الْمَدْحِ وَبِذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّمَكُّنِ فَتَعَيَّنَ قَصْدُ التَّعْظِيمِ. فَقَوْلُهُ: مِنْ رَبِّهِمْ تَنْوِيهٌ بِهَذَا الْهُدَى يَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ وَكُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى تَعْظِيمِ الْمُتَّصِفِينَ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهُ.
وَإِنَّمَا وَصَفَ الْهُدَى بِأَنَّهُ مِنْ رَبِّهِمْ لِلتَّنْوِيهِ بِذَلِكَ الْهُدَى وَتَشْرِيفِهِ مَعَ الْإِشَارَةٍ بِأَنَّهُمْ بِمَحَلِّ الْعِنَايَةِ مِنَ اللَّهِ وَكَذَلِكَ إِضَافَةُ الرَّبِّ إِلَيْهِمْ هِيَ إِضَافَةُ تَعْظِيمٍ لِشَأْنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ
بِالْقَرِينَةِ.
وَقَوْلُهُ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ أَعَادَ الْأَمْرَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ أَنْ أَمَرَ بِهِ وَبِالِاسْتِغْفَارِ تَحْضِيضًا عَلَيْهِ وَإِبْطَالًا لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِفُضُولِ الْقَوْلِ وَالتَّفَاخُرِ، فَإِنَّهُ يَجُرُّ إِلَى الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ، وَالْمَقْصِدُ أَنْ يَكُونَ الْحَاجُّ مُنْغَمِسًا فِي الْعِبَادَةِ فِعْلًا وَقَوْلًا وَاعْتِقَادًا.
وَقَوْلُهُ: كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ بَيَانٌ لِصِفَةِ الذِّكْرِ، فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ ذِكْرًا كَذِكْرِكُمْ إِلَخْ إِشَارَةً إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاشْتِغَالِ فِي أَيَّامِ مِنًى بِالتَّفَاخُرِ بِالْأَنْسَابِ وَمَفَاخِرِ أَيَّامِهِمْ، فَكَانُوا يَقِفُونَ بَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى أَيْ مَوْضِعِهِ وَهُوَ مَسْجِدُ الْخَيْفِ وَبَيْنَ الْجَبَلِ (أَيْ جَبَلِ مِنًى الَّذِي مَبْدَؤُهُ الْعَقَبَةُ الَّتِي تُرْمَى بِهَا الْجَمْرَةُ) فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
وَفِي «تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ» عَنِ السُّدِّيِّ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ أَبِي كَانَ عَظِيمَ الْقُبَّةِ عَظِيمَ الْجَفْنَةِ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ، فَلَا يَذْكُرُ غَيْرَ أَبِيهِ وَذَكَرَ أَقْوَالًا
نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ.
وَالْمُرَادُ تَشْبِيهُ ذِكْرِ اللَّهِ بِذِكْرِ آبَائِهِمْ فِي الْكَثْرَةِ وَالتَّكْرِيرِ وَتَعْمِيرِ أَوْقَاتِ الْفَرَاغِ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُؤْذِنُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وَذِكْرِ الْآبَاءِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً أضلّ أَوْ أَنَّهَا لِلتَّخْيِيرِ وَلَمَّا كَانَ الْمَعْطُوفُ بِهَا فِي مِثْلِ مَا هُنَا أَوْلَى بِمَضْمُونِ الْفِعْلِ الْعَامِلِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَفَادَتْ (أَوْ) مَعْنًى مِنَ التَّدَرُّجِ إِلَى أَعْلَى، فَالْمَقْصُودُ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، وَشُبِّهَ أَوَّلًا بِذِكْرِ آبَائِهِمْ تَعْرِيضًا بِأَنَّهُمْ يشتغلون فِي ذَلِك الْمَنَاسِكِ بِذِكْرٍ لَا يَنْفَعُ وَأَنَّ الْأَجْدَرَ بِهِمْ أَنْ يُعَوِّضُوهُ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهَذَا تَعْرِيضٌ بِإِبْطَالِ ذِكْرِ الْآبَاءِ بِالتَّفَاخُرِ. وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ وَابْنُ جِنِّيٍّ: إِنَّ (أَوْ) فِي مِثْلِ هَذَا لِلْإِضْرَابِ الِانْتِقَالِيِّ وَنَفَيَا اشْتِرَاطَ تَقَدُّمِ نَفْيٍ أَوْ شَبَهِهِ وَاشْتِرَاطَ إِعَادَةِ الْعَامِلِ. وَعَلَيْهِ خَرَجَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧]، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنَ التَّشْبِيهِ أَوَّلًا إِظْهَارُ أَنَّ اللَّهَ حَقِيقٌ بِالذِّكْرِ هُنَالِكَ مِثْلَ آبَائِهِمْ ثُمَّ بَيَّنَ بِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَكُونُ أَشَدَّ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالذِّكْرِ.
وَ (أَشَدَّ) لَا يَخْلُو عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ مَنْصُوبٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ تَقْدِيرُهُ: كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ فَتَكُونُ فَتْحَةُ أَشَدَّ الَّتِي فِي آخِرِهِ فَتْحَةَ نَصْبٍ، فَنَصْبُهُ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ كَذِكْرِكُمْ وَالتَّقْدِيرُ:
وَقَوْلُهُ: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِيمَاءٌ إِلَى خُلُوِّ كُتُبِهِمْ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَقَالَ: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو كُتُبَهُمْ مِثْلَ: «وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ» أَيْ إِنَّكَ تُخْبِرُهُمْ عَنْ أَحْوَالِهِمْ كَأَنَّكَ كُنْتَ لَدَيْهِمْ.
وَقَوْلُهُ: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ وَهِيَ الْأَقْلَامُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا التَّوْرَاةَ كَانُوا يَقْتَرِعُونَ بِهَا فِي الْمُشْكِلَاتِ: بِأَنْ يَكْتُبُوا عَلَيْهَا أَسْمَاءَ الْمُقْتَرِعِينَ أَوْ أَسْمَاءَ الْأَشْيَاءِ الْمُقْتَرَعِ عَلَيْهَا، وَالنَّاسُ يَصِيرُونَ إِلَى الْقُرْعَةِ عِنْدَ انْعِدَامِ مَا يُرَجِّحُ الْحَقَّ، فَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَقْسِمُونَ بِالْأَزْلَامِ وَجَعَلَ الْيَهُودُ الِاقْتِرَاعَ بِالْأَقْلَامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا التَّوْرَاةَ فِي الْمِدْرَاسِ رَجَاءَ أَنْ تَكُونَ بَرَكَتُهَا مُرْشِدَةً إِلَى مَا هُوَ الْخَيْرُ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شِعَارِ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ لِإِعْمَالِ الْقُرْعَةِ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا مَوَاضِعُ تَمْيِيزِ الْحُقُوقِ الْمُتَسَاوِيَةِ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ وَتَفْصِيلُهُ فِي الْفِقْهِ.
وَأَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى أَنَّهُمْ تَنَازَعُوا فِي كَفَالَةِ مَرْيَمَ حِينَ وَلَدَتْهَا أُمُّهَا حِنَّةُ، إِذْ كَانَتْ يَتِيمَةً كَمَا تَقَدَّمَ فَحَصَلَ مِنْ هَذَا الِامْتِنَانِ إِعْلَامٌ بِأَنَّ كَفَالَةَ زَكَرِيَّاءَ مَرْيَمَ كَانَتْ بَعْدَ الِاسْتِقْسَامِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَنَافُسِهِمْ فِي كفالتها.
[٤٥، ٤٦]
[سُورَة آل عمرَان (٣) : الْآيَات ٤٥ إِلَى ٤٦]
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)
بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ [آل عمرَان: ٤٢] قُصِدَ مِنْهُ التَّكْرِيرُ لِتَكْمِيلِ الْمَقُولِ بَعْدَ الْجُمَلِ الْمُعْتَرِضَةِ. وَلِكَوْنِهِ بَدَلًا لَمْ يُعْطَفْ عَلَى إِذْ قَالَتِ الْأَوَّلِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى يُبَشِّرُكِ.
وَالْكَلِمَةُ مُرَادٌ بِهَا كَلِمَةُ التَّكْوِينِ وَهِيَ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ التَّنْجِيزِيُّ كَمَا
فِي حَدِيثِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ قَوْلِهِ: «وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ»
إِلَخْ.
وَوَصْفُ عِيسَى بِكَلِمَةٍ مُرَادٌ بِهِ كَلِمَةٌ خَاصَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْمُعْتَادِ فِي تَكْوِينِ الْجَنِينِ أَيْ بِدُونِ الْأَسْبَابِ الْمُعْتَادَةِ.
لِيَتَقَرَّرَ النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِهِمْ. وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى فِي الْآيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ لِلتَّرْخِيصِ فِي ضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ الْأَكْلِ، وَهُوَ أَنْ يَأْكُلَ الْوَصِيُّ الْفَقِيرُ مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى إِنْفَاقِ بَعْضِ مَالِ الْيَتِيمِ فِي مَصْلَحَتِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْطِ وَصِيَّهُ الْفَقِيرَ بِالْمَعْرُوفِ أَلْهَاهُ التَّدْبِيرُ لِقُوتِهِ عَنْ تَدْبِيرِ مَالِ مَحْجُورِهِ.
وَفِي لَفْظِ الْمَعْرُوفِ (حَوَالَةٌ عَلَى مَا يُنَاسِبُ حَالَ الْوَصِيِّ وَيَتِيمِهِ بِحَسَبِ الْأَزْمَانِ
وَالْأَمَاكِنِ وَقَدْ أَرْشَدَ إِلَى ذَلِكَ
حَدِيث أبي دَاوُود: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنِّي فَقِيرٌ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ» قَالَ: «كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِف وَلَا مبادر وَلَا مُتَأَثِّلٍ»
. وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ عَائِشَةَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَأْخُذُ الْوَصِيُّ بِقَدْرِ أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ فِي الْقَرْضِ لَا غَيْرَ. قَالَ عُمَرُ: «إِنِّي نَزَّلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ اللَّهِ مَنْزِلَةَ الْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ وَإِنِ احْتَجْتُ أَكَلْتُ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ» وَقَالَ عَطَاءٌ، وَإِبْرَاهِيمُ: لَا قَضَاءَ عَلَى الْوَصِيِّ إِنْ أَيْسَرَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، فِي رِوَايَةٍ: إِنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَشْرَبَ اللَّبَنَ وَيَأْكُلَ مِنَ الثَّمَرِ وَيَهْنَأَ الْجَرْبَى مِنْ إِبِلِهِ وَيَلُوطَ الْحَوْضَ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ: رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ لِأَنَّ اللَّهَ نَاطَ الْحُكْمَ بِالْفَقْرِ لَا بِالِاضْطِرَارِ، وَنَاطَهُ بِمَالِ الْيَتِيمِ، وَالِاضْطِرَارُ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّسْلِيطِ عَلَى مَالِ الْيَتِيمِ بَلْ عَلَى كُلِّ مَالٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: لَا يَأْخُذُ إِلَّا إِذَا سَافَرَ مِنْ أَجْلِ الْيَتِيمِ يَأْخُذُ قُوتَهُ فِي السَّفَرِ. وَاخْتُلِفَ فِي وَصِيِّ الْحَاكِمِ هَلْ هُوَ مِثْلُ وَصِيِّ الْأَبِ. فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ الْحَقُّ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ تَخْصِيصٌ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْوَصِيِّ الْغَنِيِّ هَلْ يَأْخُذُ أَجْرَ مِثْلِهِ عَلَى عَمَلِهِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَسْتَعْفِفْ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلنَّدْبِ، فَمَنْ قَالَ لِلْوُجُوبِ قَالَ: لَا يَأْكُلُ الْغَنِيُّ شَيْئًا، وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ مَنَعَهُ الِانْتِفَاعَ بِأَكْثَرَ مِنَ السَّلَفِ وَالشَّيْءِ الْقَلِيلِ، وَهُمْ جُمْهُور تقدّمت أَسْمَاءَهُم. وَقِيلَ: الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ أَجْرَ مِثْلِهِ جَازَ لَهُ إِذَا كَانَ لَهُ عَمَلٌ وَخِدْمَةٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ عَمَلُهُ مُجَرَّدَ التَّفَقُّدِ لِلْيَتِيمِ وَالْإِشْرَافِ عَلَيْهِ فَلَا أَجْرَ لَهُ.

[سُورَة النِّسَاء (٤) : آيَة ١٤٧]

مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧)
تَذْيِيلٌ لِكِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ: جُمْلَةِ إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ مَعَ الْجُمْلَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِاسْتِثْنَاءِ مَنْ يَتُوبُ مِنْهُمْ وَيُؤْمِنُ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَوْلِهِ:
وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً [النِّسَاء: ١٤٦].
وَالْخِطَابُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْأُمَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْمُنَافِقِينَ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ ارْتِفَاقًا بِهِمْ.
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ أُرِيدَ بِهِ الْجَوَابُ بِالنَّفْيِ فَهُوَ إِنْكَارِيٌّ، أَيْ لَا يَفْعَلُ بِعَذَابِكُمْ شَيْئًا.
وَمَعْنَى يَفْعَلُ يَصْنَعُ وَيَنْتَفِعُ، بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِهِ بِالْبَاءِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، فَإِذَا تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ غَفَرَ لَهُمُ الْعَذَابَ، فَلَا يَحْسَبُوا أَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُمْ لِكَرَاهَةٍ فِي ذَاتِهِمْ أَوْ تَشَفٍّ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ جَزَاءُ السُّوءِ، لِأَنَّ الْحَكِيمَ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا، فَيُجَازِي عَلَى الْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ، وَعَلَى الْإِسَاءَةِ بِالْإِسَاءَةِ، فَإِذَا أَقْلَعَ الْمُسِيءُ عَنِ الْإِسَاءَةِ أَبْطَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ بِالسُّوءِ، إِذْ لَا يَنْتَفِعُ بِعَذَابٍ وَلَا بِثَوَابٍ، وَلَكِنَّهَا الْمُسَبِّبَاتُ تَجْرِي عَلَى الْأَسْبَابِ. وَإِذَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ قَدْ ثَبَتُوا عَلَى إِيمَانِهِمْ وَشُكْرِهِمْ،. وَتَجَنَّبُوا مُوَالَاةَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ، فَاللَّهُ لَا يُعَذِّبُهُمْ، إِذْ لَا مُوجِبَ لِعَذَابِهِمْ.
وَجُمْلَةُ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً اعْتِرَاضٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ، وَهُوَ إِعْلَامٌ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعَطِّلُ الْجَزَاءَ الْحَسَنَ عَنِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَشْكُرُونَ نِعَمَهُ الْجَمَّةَ، وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ أَوَّلُ دَرَجَاتِ شُكْرِ العَبْد ربّه.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ مَعْطُوفًا عَلَى أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ وَيَكُونُ الْكَلَامُ تَهَكُّمًا، أَيْ تَنْقِمُونَ مِنَّا أَنَّنَا آمَنَّا كَإِيمَانِكُمْ وَصَدَّقْنَا رُسُلَكُمْ وَكُتُبَكُمْ، وَذَلِكَ نَقْمُهُ عَجِيبٌ وَأَنَّنَا آمَنَّا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَذَلِكَ لَا يُهِمُّكُمْ. وَتَنْقِمُونَ مِنَّا أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، أَيْ وَنَحْنُ صَالِحُونَ، أَيْ هَذَا نَقْمُ حَسَدٍ، أَيْ وَنَحْنُ لَا نَمْلِكُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ. فَظَهَرَتْ قَرِينَةُ التَّهَكُّمِ فَصَارَ فِي الِاسْتِفْهَامِ إِنْكَارٌ فَتَعَجُّبٌ فَتَهَكُّمٌ، تَوَلَّدَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَكُلُّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنِ اسْتِعْمَالِ الِاسْتِفْهَامِ فِي مُجَازَاتِهِ أَوْ فِي مَعَانٍ كِنَائِيَّةٍ، وَبِهَذَا يَكْمُلُ الْوَجْهُ الَّذِي قَدَّمَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ».
ثُمَّ اطَّرَدَ فِي التَّهَكُّمِ بِهِمْ وَالْعَجَبِ مِنْ أَفَنِ رَأْيِهِمْ مَعَ تَذْكِيرِهِمْ بِمَسَاوِيهِمْ فَقَالَ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ إِلَخْ. وشرّ اسْمُ تَفْضِيلٍ، أَصْلُهُ أَشَرُّ، وَهُوَ لِلزِّيَادَةِ فِي الصِّفَةِ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالزِّيَادَةُ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي أَصْلِ الْوَصْفِ فَتَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ حَظٌّ مِنَ الشَّرِّ، وَإِنَّمَا جَرَى هَذَا تَهَكُّمًا بِالْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: لَا دِينَ شَرٌّ مِنْ دِينِكُمْ، وَهُوَ مِمَّا عُبِّرَ عَنْهُ بِفِعْلِ تَنْقِمُونَ. وَهَذَا مِنْ مُقَابَلَةِ الْغِلْظَةِ بِالْغِلْظَةِ كَمَا يُقَالُ: «قُلْتَ فَأَوْجَبْتَ».
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ مِنْ ذلِكَ إِلَى الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ إِلَخْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَنْقُومٌ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ. وَالتَّقْدِيرِ: وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ الْمَنْقُومِ أَنْ يَكُونَ شَرًّا بُنِيَ عَلَيْهِ التَّهَكُّمُ فِي قَوْلِهِ: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ، أَيْ مِمَّا هُوَ أَشَدُّ شَرًّا.
وَالْمَثُوبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ ثَابَ يَثُوبُ، أَيْ رَجَعَ، فَهِيَ بِوَزْنِ مُفَعْوِلَةٍ، سُمِّيَ بِهَا الشَّيْءُ الَّذِي يَثُوبُ بِهِ الْمَرْءُ إِلَى مَنْزِلِهِ إِذَا نَالَهُ جَزَاءً عَنْ عَمَلٍ عَمِلَهُ أَوْ سَعْيٍ سَعَاهُ، وَأَصْلُهَا مَثُوبٌ بِهَا، اعْتَبَرُوا فِيهَا التَّأْنِيثَ عَلَى تَأْوِيلِهَا بِالْعَطِيَّةِ أَوِ الْجَائِزَةِ ثُمَّ حُذِفَ الْمُتَعَلِّقُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.
وَأَصْلُهَا مُؤْذِنٌ بِأَنَّهَا لَا تُطْلَقُ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ وُجُودِيٍّ يُعْطَاهُ الْعَامِلُ وَيَحْمِلُهُ
أَيْ لَيْسَ لَهُمْ وَلِيٌ دُونَ اللَّهِ وَلَا شَفِيعٌ دُونَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا.
وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا شُفَعَاءَ وَأَوْلِيَاءَ غَيْرَ اللَّهِ.
وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الشَّفَاعَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الْبَقَرَة: ٢٥٥]. وَلِصَاحِبِ «الْكَشَّافِ» هُنَا تَكَلُّفَاتٌ فِي مَعْنَى يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا وَفِي جَعْلِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ يُحْشَرُوا حَالًا لَازِمَةً، وَلَعَلَّهُ يَرْمِي بِذَلِكَ إِلَى أَصْلِ مَذْهَبِهِ فِي إِنْكَارِ الشَّفَاعَةِ.
وَقَوْلُهُ: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ رَجَاءٌ مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِإِنْذَارِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُمْ يُرْجَى تَقْوَاهُمْ، بِخِلَافِ مَنْ لَا يُؤمنُونَ بِالْبَعْثِ.
[٥٢]
[سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥٢]
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)
عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ [الْأَنْعَام: ٥١] لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى أَنْذَرَهُمْ وَلَازَمَهُمْ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ مُتَكَبِّرُو الْمُشْرِكِينَ. فَقَدْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هُنَا صِلَةٌ أُخْرَى هِيَ أَنْسَبُ بِهَذَا الْحُكْمِ مِنَ الصِّلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، كَمَا أَنَّ تِلْكَ أَنْسَبُ بِالْحُكْمِ الَّذِي اقْتَرَنَتْ مَعَهُ مِنْهَا بِهَذَا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَ الْإِضْمَارِ، فَيُقَالُ: وَلَا تَطْرُدْهُمْ، فَإِنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ فَأَوْلَى النَّاسِ بِمُلَازَمَتِهِ الَّذِينَ هِجِّيرَاهُمْ دُعَاءُ اللَّهِ تَعَالَى بِإِخْلَاصٍ فَكَيْفَ يَطْرُدُهُمْ فَإِنَّهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ الْمَجْلِسِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [آل عمرَان: ٦٨].
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيءِ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيءِ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ، لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ آهـ. وَسَمَّى الْوَاحِدِيُّ بَقِيَّةَ السِّتَّةِ: وَهُمْ صُهَيْبٌ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَالْمِقْدَادُ
حَالَةِ الصَّلَاحِ فِي الْأَرْضِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي نَظِيرِ هَذَا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ [٥٦].
وَالْإِشَارَةُ بِ ذلِكُمْ إِلَى مَجْمُوعِ مَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُهُ، أَيْ ذَلِكَ الْمَذْكُورُ، وَلِذَا أُفْرِدَ اسْمُ الْإِشَارَةِ. وَالْمَذْكُورُ: هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَإِيفَاءُ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ، وَتَجَنُّبِ بَخْسِ أَشْيَاءِ النَّاسِ، وَتَجَنُّبِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ خَيْرٌ لَهُمْ، أَيْ نَفْعٌ وَصَلَاحٌ تَنْتَظِمُ بِهِ أُمُورُهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ [الْحَج: ٣٦]. وَإِنَّمَا كَانَ مَا ذُكِرَ خَيْرًا: لِأَنَّهُ يُوجِبُ هَنَاءَ الْعَيْشِ وَاسْتِقْرَارَ الْأَمْنِ وَصَفَاءَ الْوُدِّ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَزَوَالَ الْإِحَنِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْخُصُومَاتِ وَالْمُقَاتَلَاتِ، فَإِذَا تَمَّ ذَلِكَ كَثُرَتِ الْأُمَّةُ وَعَزَّتْ وَهَابَهَا أَعْدَاؤُهَا وَحَسُنَتْ أُحْدُوثَتُهَا وَكَثُرَ مَالُهَا بِسَبَبِ رَغْبَةِ
النَّاسِ فِي التِّجَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ لِأَمْنِ صَاحِبِ الْمَالِ مِنِ ابْتِزَازِ مَالِهِ. وَفِيهِ خَيْرُ الْآخِرَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ فَعَلُوهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ رَسُوله أكسبهم رضى اللَّهِ، فَنَجَوْا مِنَ الْعَذَابِ، وَسَكَنُوا دَارَ الثَّوَابِ، فَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ: خَيْرٌ لِلتَّعْظِيمِ وَالْكَمَالِ لِأَنَّهُ جَامِعُ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شَرْطٌ مُقَيِّدٌ لِقَوْلِهِ: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ لَقَبٌ لِلْمُتَّصِفِينَ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، كَمَا هُوَ مُصْطَلَحُ الشَّرَائِعِ وَحَمْلُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمُصَدِّقِينَ لِقَوْلِهِ، وَنُصْحِهِ، وَأَمَانَتِهِ: حَمْلٌ عَلَى مَا يَأْبَاهُ السِّيَاقُ، بَلِ الْمَعْنَى، أَنَّهُ يَكُونُ خَيْرًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ رُجُوعٌ إِلَى الدَّعْوَةِ لِلتَّوْحِيدِ بِمَنْزِلَةِ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ فِي كَلَامِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ حُصُولَ الْخَيْرِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوهَا وَهُمْ مُشْرِكُونَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا الْخَيْرُ لِأَنَّ مَفَاسِدَ الشِّرْكِ تُفْسِدُ مَا فِي الْأَفْعَالِ مِنَ الْخَيْرِ، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الشِّرْكَ يَدْعُو إِلَى أَضْدَادِ تِلْكَ الْفَضَائِلِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود: ١٠١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٨- سُورَةُ الْأَنْفَالِ
عُرِفَتْ بِهَذَا الِاسْمِ مِنْ عَهْدِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
رَوَى الْوَاحِدِيُّ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ وَقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِي فَأَخَذْتُ سَيْفَهُ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اذْهَبِ الْقَبَضَ (بِفَتْحَتَيْنِ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الْغَنَائِمُ) فَرَجَعْتُ فِي مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، قُتِلَ أَخِي وَأُخِذَ سَلَبِي فَمَا جَاوَزْتُ قَرِيبًا حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْفَالِ»
. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ سُورَةُ الْأَنْفَالِ» قَالَ «نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ» فَبِاسْمِ الْأَنْفَالِ عُرِفَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبِهِ كُتِبَتْ تَسْمِيَتُهَا فِي الْمُصْحَفِ حِينَ كُتِبَتْ أَسْمَاءُ السُّوَرِ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَسْمِيَتِهَا حَدِيثٌ، وَتَسْمِيَتُهَا سُورَةَ الْأَنْفَالِ مِنْ أَنَّهَا افْتُتِحَتْ بِآيَةٍ فِيهَا اسْمُ الْأَنْفَالِ، وَمِنْ أَجْلِ أَنَّهَا ذُكِرَ فِيهَا حُكْمُ الْأَنْفَالِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَتُسَمَّى أَيْضًا «سُورَةُ بَدْرٍ» فَفِي «الْإِتْقَانِ» أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ «سُورَةُ الْأَنْفَالِ» قَالَ «تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ».
وَقَدِ اتَّفَقَ رِجَالُ الْأَثَرِ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ أُنْزِلَتْ فِي أَمْرِ بَدْرٍ سُورَةُ الْأَنْفَالِ بِأَسْرِهَا، وَكَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْعَامِ الثَّانِي لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ عَامٍ وَنِصْفٍ مِنْ يَوْمِ الْهِجْرَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ بِشَهْرَيْنِ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ نُزُولِهَا قَبْلَ الِانْصِرَافِ مِنْ بَدْرٍ، فَإِنَّ الْآيَةَ الْأُولَى مِنْهَا نَزَلَتْ وَالْمُسْلِمُونَ فِي بَدْرٍ قَبْلَ قِسْمَةِ مَغَانِمِهَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا اسْتَمَرَّ نُزُولُهَا إِلَى مَا بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنْ بَدْرٍ.
وَفِي كَلَامِ أَهْلِ أَسْبَابِ النُّزُولِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ آيَةَ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ
فِيكُمْ ضَعْفاً
- إِلَى- مَعَ الصَّابِرِينَ [الْأَنْفَال: ٦٦] نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ هُنَالِكَ.
فَكَافُ الْخِطَابِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يحلفُونَ على التبرّي، مِمَّا يَبْلُغُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَقْوَالِهِمُ الْمُؤْذِيَةِ لِلرَّسُولِ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَذَلِكَ يَغِيظُ الْمُسْلِمِينَ وَيُنْكِرُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَالنَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُغْضِي عَنْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ أَيْ أَحَقُّ مِنْكُمْ بِأَنْ يُرْضُوهُمَا، وَسَيَأْتِي تَعْلِيلُ أَحَقِّيَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَنْ يُرْضُوهُمَا فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَإِرْضَاءُ اللَّهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَتَعْظِيمِ رَسُولِهِ، وَإِرْضَاءُ الرَّسُولِ بِتَصْدِيقِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِكْرَامِهِ.
وَإِنَّمَا أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يُرْضُوهُ مَعَ أَنَّ الْمُعَادَ اثْنَانِ لِأَنَّهُ أُرِيدَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى أَوَّلِ الِاسْمَيْنِ، وَاعْتِبَارُ الْعَطْفِ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ بِتَقْدِيرِ: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وَرَسُولُهُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ جُمْلَتَيْنِ ثَانِيَتُهُمَا كَالِاحْتِرَاسِ وَحَذْفُ الْخَبَرِ إِيجَازٌ. وَمِنْ نُكْتَةِ ذَلِكَ
الْإِشَارَةُ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِرْضَاءَيْنِ، وَمِنْه قَول ضابىء بْنِ الْحَارِثِ:
وَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
التَّقْدِيرُ: فَإِنِّي لَغَرِيبٌ وَقَيَّارٌ بِهَا غَرِيبٌ أَيْضًا. لِأَنَّ إِحْدَى الْغُرْبَتَيْنِ مُخَالِفَةٌ لِأُخْرَاهُمَا.
وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي يُرْضُوهُ عَائِدٌ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ، لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ فِي الْخَبَرِ، وَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِ، أَلَا تَرَى أنّ بَيت ضابىء قَدْ جَاءَ فِي خَبَرِهِ الْمَذْكُورِ لَامُ الِابْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ مِنْ عَلَائِقِ (إِنَّ) الْكَائِنَةِ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى، دُونَ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ هُوَ الْغَالِبُ.
وَشَرْطُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، مُسْتَعْمَلٌ لِلْحَثِّ وَالتَّوَقُّعِ لِإِيمَانِهِمْ، لِأَنَّ مَا حُكِيَ عَنْهُمْ مِنَ الْأَحْوَالِ لَا يَبْقَى مَعَهُ احْتِمَالٌ فِي إِيمَانِهِمْ، فَاسْتُعْمِلَ الشَّرْطُ لِلتَّوَقُّعِ وَلِلْحَثِّ عَلَى الْإِيمَانِ. وَفِيهِ أَيْضًا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ، إِنْ أَعَادُوا مِثْلَ صَنِيعِهِمْ، بِأَنَّهُمْ كَافِرُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَحْذِيرٌ مِنْ غَضَبِ الله وَرَسُوله.
وَقَدْ قُوبِلَ جَمْعُ الرُّسُلِ بِجَمْعِ (الْبَيِّنَاتِ) فَكَانَ صَادِقًا بِبَيِّنَاتٍ كَثِيرَةٍ مُوَزَّعَةٍ عَلَى رُسُلٍ كَثِيرِينَ، فَقَدْ يَكُونُ لِكُلِّ نَبِيءٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ مِثْلَ آيَةِ صَالِحٍ وَهِيَ النَّاقَةُ.
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لِلتَّفْرِيعِ، أَيْ فَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
وَصِيَغَ النَّفْيُ بِصِيغَةِ لَامِ الْجُحُودِ مُبَالِغَةً فِي انْتِفَاءِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ بِأَقْصَى أَحْوَالِ الِانْتِفَاءِ. حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يُوجَدُوا لِأَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ، أَيْ لَمْ يَتَزَحْزَحُوا عَنْهُ. وَدَلَّتْ صِيغَةُ الْجُحُودِ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ حَاوَلُوا إِيمَانَهُمْ مُحَاوَلَةً مُتَكَرِّرَةً.
وَدَلَّ قَوْلُهُ: بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أَنَّ هُنَالِكَ تَكْذِيبًا بَادَرُوا بِهِ لِرُسُلِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمُ الَّذِي قَابَلُوا بِهِ الرُّسُلَ، لِأَنَّ التَّكْذِيبَ إِنَّمَا يَكُونُ لِخَبَرِ مخبر فَقَوله:
فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ مُؤْذِنٌ بِحُصُولِ التَّكْذِيبِ فَلَمَّا كذبوهم جاؤوهم بِالْبَيِّنَاتِ عَلَى صِدْقِهِمْ فَاسْتَمَرُّوا عَلَى التَّكْذِيبِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ. وَهَذَا مِنْ إِيجَازِ الْحَذْفِ لِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَكَرُّرَ الدَّعْوَةِ وَتَكَرُّرَ الْبَيِّنَاتِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِقَوْلِهِ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَقْعٌ لِأَنَّ التَّكْذِيبَ الَّذِي حَصَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ إِذَا لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا
مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْلِعَهُ كَانَ تَكْذِيبًا وَاحِدًا مَنْسِيًّا. وَهَذَا مِنْ بَلَاغَةِ مَعَانِي الْقُرْآنِ.
وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ وَقْعُ قَوْلِهِ عَقِبَهُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ فَإِنَّ الطَّبْعَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّ قُلُوبَهُمْ قَدْ وَرَدَ عَلَيْهَا مَا لَوْ خَلَتْ عِنْدَ وُرُودِهِ عَنِ الطَّبْعِ عَلَيْهَا لَكَانَ شَأْنُهُ أَنْ يَصِلَ بِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّ الطَّبْعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ حَالَ دُونَ تَأْثِيرِ الْبَيِّنَاتِ فِي قُلُوبِهِمْ.
وَقَدْ جُعِلَ الطَّبْعُ الَّذِي وَقَعَ عَلَى قُلُوبِ هَؤُلَاءِ مَثَلًا لِكَيْفِيَّاتِ الطَّبْعِ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ فَقَوْلُهُ: كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ، أَيْ مِثْلَ هَذَا الطَّبْعِ الْعَجِيبِ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ فَتَأَمَّلُوهُ وَاعْتَبِرُوا بِهِ.

[٢١]

[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٢١]
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً.
الَّذِي اشْتَراهُ مُرَادٌ مِنْهُ الَّذِي دَفَعَ الثَّمَنَ فَمَلَكَهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَوَلَّ الِاشْتِرَاءَ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ فِعْلَ الِاشْتِرَاءِ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى دَفْعِ الْعِوَضِ، بِحَيْثُ إِنَّ إِسْنَادَ الِاشْتِرَاءِ لِمَنْ يَتَوَلَّى إِعْطَاءَ الثَّمَنِ وَتَسَلُّمَ الْمَبِيعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ مَالِكُ الثَّمَنِ وَمَالِكُ الْمَبِيعِ يَكُونُ إِسْنَادًا مَجَازِيًّا، وَلِذَلِكَ يَكْتُبُ الْمُوَثِّقُونَ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ شِرَاءَهُ لِفُلَانٍ.
وَالَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- رَجُلٌ اسْمُهُ (فوطيفار) رَئِيس شَرط مَلِكِ مِصْرَ، وَهُوَ وَالِي مَدِينَةِ مِصْرَ، وَلُقِّبَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِالْعَزِيزِ، وَسَيَأْتِي.
وَمَدِينَةُ مِصْرَ هِيَ (مَنْفِيسُ) وَيُقَالُ: (مَنْفُ) وَهِيَ قَاعِدَةُ مِصْرَ السُّفْلَى الَّتِي يَحْكُمُهَا
قَبَائِلُ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ عُرِفُوا عِنْدَ القبط باسم (الهيكسوس) أَيِ الرُّعَاةُ. وَكَانَتْ مِصْرُ الْعُلْيَا الْمَعْرُوفَةُ الْيَوْمَ بِالصَّعِيدِ تَحْتَ حُكْمِ فَرَاعِنَةِ الْقِبْطِ. وَكَانَتْ مَدِينَتُهَا (ثِيبَةَ- أَوْ- طِيبَةَ)، وَهِيَ الْيَوْمَ خَرَابٌ وَمَوْضِعُهَا يُسَمَّى الْأَقْصُرُ، جَمْعُ قَصْرٍ، لِأَنَّ بِهَا أَطْلَالَ الْقُصُورِ الْقَدِيمَةِ، أَيِ الْهَيَاكِلُ. وَكَانَتْ حُكُومَةُ مِصْرَ الْعُلْيَا أَيَامَئِذٍ مُسْتَضْعَفَةً لِغَلَبَةِ الْكَنْعَانِيِّينَ عَلَى مُعْظَمِ الْقُطْرِ وَأَجْوَدِهِ.
وَامْرَأَتُهُ تُسَمَّى فِي كُتُبِ الْعَرَبِ (زَلِيخَا) - بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَقَصْرِ آخِرِهِ- وَسَمَّاهَا الْيَهُودُ (رَاعِيلَ). ومِنْ مِصْرَ صِفَةٌ لِ الَّذِي اشْتَراهُ.
ولِامْرَأَتِهِ مُتَعَلِّقٌ بِ قالَ أَوْ بِ اشْتَراهُ أَوْ يَتَنَازَعُهُ كِلَا الْفِعْلَيْنِ، فَيَكُونُ اشْتَرَاهُ لِيَهَبَهُ لَهَا لِتَتَّخِذَهُ وَلَدًا. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ.
وَامْرَأَتُهُ: مَعْنَاهُ زَوْجُهُ، فَإِنَّ الزَّوْجَةَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمَرْأَةِ وَيُرَادُ مِنْهُ مَعْنَى الزَّوْجَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ [سُورَة هود: ٧١].
قَبْلَ نُبُوءَتِهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ لِأَبَوَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ أَبَاهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ كَمَا فِي آيَةِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ.
وَمَعْنَى يَقُومُ الْحِسابُ: يَثْبُتُ. اسْتُعِيرَ الْقِيَامُ لِلثُّبُوتِ تَبَعًا لِتَشْبِيهِ الْحِسَابِ بِإِنْسَانٍ قَائِمٍ، لِأَنَّ حَالَةَ الْقِيَامِ أَقْوَى أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ إِذْ هُوَ انْتِصَابٌ لِلْعَمَلِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، إِذَا قَوِيَتْ وَاشْتَدَّتْ. وَقَوْلُهُمْ: تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ، إِذَا قَوِيَ ضَوْءُهَا، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ فِي أَوَّلِ سُورَة الْبَقَرَة [٤].
[٤٢، ٤٣]
[سُورَة إِبْرَاهِيم (١٤) : الْآيَات ٤٢ إِلَى ٤٣]
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣)
عَطْفٌ عَلَى الْجُمَلِ السَّابِقَةِ، وَلَهُ اتِّصَالٌ بِجُمْلَةِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [سُورَة إِبْرَاهِيم: ٣٠] الَّذِي هُوَ وَعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ وَإِنْذَارٌ لَهُمْ بِأَنْ لَا يَغْتَرُّوا بِسَلَامَتِهِمْ وَأَمْنِهِمْ تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ زَائِلٌ، فَأَكَّدَ ذَلِكَ الْوَعِيدَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، مَعَ إِدْمَاجِ تَسْلِيَةِ الرَّسُول- عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام- عَلَى مَا يَتَطَاوَلُونَ بِهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالدَّعَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ فِي قَوْلِهِ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [سُورَة إِبْرَاهِيم: ٤٧]. وَفِي مَعْنَى الْآيَةِ قَوْلُهُ: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [سُورَة المزمل: ١١].
وَبِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ مَعْنَى التَّسْلِيَةِ وَمَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مِنْ وَصْفِ فَظَاعَةِ حَالِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحَشْرِ حَسُنَ اقْتِرَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِالْعَاطِفِ وَلَمْ تُفْصَلْ.
وَصِيغَةُ لَا تَحْسَبَنَّ ظَاهِرُهَا نَهْيٌ عَنْ حُسْبَانِ ذَلِكَ. وَهَذَا النَّهْيُ كِنَايَةٌ عَنْ إِثْبَاتِ وَتَحْقِيقِ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْمَقَامِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُثِيرَ لِلنَّاسِ ظَنَّ وُقُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِقُوَّةِ الْأَسْبَابِ الْمُثِيرَةِ لِذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّ إِمْهَالَهُمْ وَتَأْخِيرَ
وَإِذَا بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ فَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ نَائِبَ فَاعِلِهِ هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الرِّضَى، تَقُولُ:
اسْتَعْتَبَ فُلَانٌ فَلَمْ يَعْتِبْ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنْهُ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ فَقَدْ وَقَعَ نَائِبُ فَاعِلِهِ ضَمِيرَ الْمُسْتَعْتِبِينَ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرُّومِ [٥٧] : فَيَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ، وَفِي سُورَةِ الْجَاثِيَةِ [٣٥] : فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ. فَفَسَّرَهُ الرَّاغِبُ فَقَالَ: الِاسْتِعْتَابُ أَنْ يُطْلَبَ مِنَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَطْلُبَ الْعُتْبَى اه.
وَعَلِيهِ فَيُقَال: اسْتَعْتَبَ فَلَمْ يُسْتَعْتَبْ، وَيُقَالُ: عَلَى الْأَصْلِ اسْتَعْتَبَ فُلَانٌ فَلَمْ يُعْتَبْ.
وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ نَشَأَ عَنِ الْحَذْفِ. وَأَصْلُهُ: اسْتَعْتَبَ لَهُ، أَيْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ، فَكَثُرَ فِي الِاسْتِعْمَالِ حَتَّى قَلَّ اسْتِعْمَالُ اسْتَعْتَبَ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى.
وَعُطِفَ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ عَلَى لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَإِنْ كَانَ أَخَصَّ مِنْهُ، فَهُوَ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ، لِلِاهْتِمَامِ بِخُصُوصِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ مَأْيُوسٌ مِنَ الرِّضَى عَنْهُمْ عِنْدَ سَائِرِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَ أَنْ لَا طَائِلَ فِي اسْتِعْتَابِهِمْ، فَلِذَلِكَ لَا يُشِيرُ أَحَدٌ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَسْتَعْتِبُوا. فَإِنْ جُعِلَتْ لَا يُؤْذَنُ كِنَايَةً عَنِ الطَّرْدِ فَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُطْرَدُونَ وَلَا يَجِدُونَ مَنْ يُشِيرُ عَلَيْهِمْ بِأَن يستعتبوا.
[٨٥]
[سُورَة النَّحْل (١٦) : آيَة ٨٥]
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [سُورَة النَّحْل: ٨٤]. وإِذا شَرْطِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ.
وَجُمْلَةُ فَلا يُخَفَّفُ جَوَابُ إِذا. وَقُرِنَ بِالْفَاءِ لِتَأْكِيدِ مَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ وَالْجَوَابِيَّةِ
لِدَفْعِ احْتِمَالِ الِاسْتِئْنَافِ.
إِلَيْهَا أَصْحَابَ رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وَآله وسلّم لَمَّا رَتَّبُوا الْمُصْحَفَ فَإِنَّهَا تُقَارِبُ نِصْفَ الْمُصْحَفِ إِذْ كَانَ فِي أَوَائِلِهَا مَوْضِعٌ قِيلَ هُوَ نِصْفُ حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَهُوَ (التَّاءُ) مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْيَتَلَطَّفْ [الْكَهْف: ١٩] وَقِيلَ نِصْفُ حُرُوفِ الْقُرْآنِ هُوَ (النُّونُ) مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الْكَهْف: ٧٤] فِي أَثْنَائِهَا، وَهُوَ نِهَايَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ وَذَلِكَ نِصْفُ أَجْزَائِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الْكَهْف:
٧٥]، فَجُعِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي مَكَانِ قُرَابَةِ نِصْفِ الْمُصْحَفِ.
وَهِيَ مُفْتَتَحَةٌ بِالْحَمْدِ حَتَّى يَكُونَ افْتِتَاحُ النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الْقُرْآنِ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْكَهْف: ١] كَمَا كَانَ افْتِتَاحُ النِّصْفِ الْأَوَّلِ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَة: ٢]. وَكَمَا كَانَ أَوَّلُ الرُّبُعِ الرَّابِعِ مِنْهُ تَقْرِيبًا بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ١].
أَغْرَاضُ السُّورَةِ:
افْتُتُحَتْ بِالتَّحْمِيدِ عَلَى إِنْزَالِ الْكِتَابِ لِلتَّنْوِيهِ بِالْقُرْآنِ تَطَاوُلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَمُلَقِّنِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَأُدْمِجَ فِيهِ إِنْذَارُ الْمُعَانِدِينَ الَّذِينَ نَسَبُوا لِلَّهِ وَلَدًا، وَبِشَارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَتَسْلِيَةُ رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وَآله وسلّم عَنْ أَقْوَالِهِمْ حِينَ تَرَيَّثَ الْوَحْيُ لِمَا اقْتَضَتْهُ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ أَوْلِيَائِهِ مِنْ إِظْهَارِ عَتْبِهِ عَلَى الْغَفْلَةِ عَنْ مُرَاعَاةِ الْآدَابِ الْكَامِلَةِ.
وَذَكَرَ افْتِتَانَ الْمُشْرِكِينَ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا وَأَنَّهَا لَا تُكْسِبُ النُّفُوسَ تَزْكِيَةً.
وَانْتَقَلَ إِلَى خَبَرِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ.
وَحَذَّرَهُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ وَعَدَاوَتِهِ لِبَنِي آدَمَ لِيَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ مِنْ كَيْدِهِ.
وَقَدَّمَ لِقِصَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ قِصَّةً أَهَمَّ مِنْهَا وَهِيَ قِصَّةُ مُوسَى وَالْخَضِرِ- عَلَيْهِمَا السَّلَامُ-، لِأَنَّ كِلْتَا الْقِصَّتَيْنِ تَشَابَهَتَا فِي السَّفَرِ لِغَرَضٍ شَرِيفٍ. فَذُو الْقَرْنَيْنِ خَرَجَ لِبَسْطِ سُلْطَانِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَمُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَجِئْتَنا إِنْكَارِيٌّ، وَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ الْقَسَمَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَالْقَسَمُ مِنْ أَسَالِيبِ إِظْهَارِ الْغَضَبِ.
وَاللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ، وَالنُّونُ لِتَوْكِيدِهِ. وَقَصَدَ فِرْعَوْنُ مِنْ مُقَابَلَةِ عَمَلِ مُوسَى بِمِثْلِهِ أَنْ يُزِيلَ مَا يُخَالِجُ نُفُوسَ النَّاسِ مِنْ تَصْدِيقِ مُوسَى وَكَوْنِهِ عَلَى الْحَقِّ، لَعَلَّ ذَلِكَ يُفْضِي بِهِمْ إِلَى الثَّوْرَةِ عَلَى فِرْعَوْنَ وَإِزَالَتِهِ مِنْ مُلْكِ مِصْرَ.
وَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ طَلَبَ تَعْيِينِ مَوْعِدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُوسَى لِيُحْضِرَ لَهُ فِيهِ الْقَائِمِينَ بِسِحْرٍ مِثْلِ سِحْرِهِ.
وَالْمَوْعِدُ هُنَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَصْدَرُ الْمِيمِيِّ، أَيِ الْوَعْدُ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ مَكَانُ الْوَعْدِ، وَهَذَا إِيجَازٌ فِي الْكَلَامِ.
وَقَوْلُهُ مَكاناً بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ مَوْعِداً بِأَحَدِ مَعْنَيَيْهِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ يَقْتَضِي مَكَانًا وَزَمَانًا فَأُبْدِلَ مِنْهُ مَكَانَهُ.
وَقَوْلُهُ لَا نُخْلِفُهُ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِرَفْعِ الْفِعْلِ صِفَةً لِ مَوْعِداً بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ الْمَصْدَرِيِّ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ بِجَزْمِ الْفَاءِ مِنْ (نَخْلِفْهُ) عَلَى أَنَّ (لَا) نَاهِيَةً. وَالنَّهْيُ تَحْذِيرٌ مِنْ إِخْلَافِهِ.
وسُوىً قَرَأَهُ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيِّ- بِكَسْرِ السِّينِ-. وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبُ، وَخَلَفٌ- بِضَمِّ السِّينِ- وَهُمَا لُغَتَانِ، فَالْكَسْرُ بِوَزْنِ فِعَلْ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَزْنُ فِعَلْ يَقِلُّ فِي الصِّفَاتِ، نَحْوَ: قَوْمٌ عِدًى. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَالنَّحَّاسُ: كَسْرُ السِّينِ هُوَ اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ الْفَصِيحَةُ، وَهُوَ اسْمُ وَصْفٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْتِوَاءِ: فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِوَاءُ اسْتِوَاءَ التَّوَسُّطِ بَيْنَ جِهَتَيْنِ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِمُوسَى ابْن جَابِرٍ الْحَنَفِيِّ:
وَ (يَأْتِينَ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِ كُلِّ ضامِرٍ لِأَنَّ لَفْظَ (كُلِّ) صَيَّرَهُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. وَإِذْ هُوَ جَمْعٌ لِمَا لَا يَعْقِلُ فَحَقُّهُ التَّأْنِيثُ، وَإِنَّمَا أُسْنِدَ الْإِتْيَانُ إِلَى الرَّوَاحِلِ دُونَ النَّاسِ فَلَمْ يَقُلْ: يَأْتُونَ، لِأَنَّ الرَّوَاحِلَ هِيَ سَبَبُ إِتْيَانِ النَّاسِ مِنْ بُعْدٍ لِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ السَّفَرَ عَلَى رِجْلَيْهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ يَأْتِينَ حَالًا ثَانِيَةً مِنْ ضَمِيرِ الْجَمْعِ فِي يَأْتُوكَ لِأَنَّ الْحَالَ الْأُولَى تَضَمَّنَتْ مَعْنَى التَّنْوِيعِ وَالتَّصْنِيفِ، فَصَارَ الْمَعْنَى: يَأْتُوكَ جَمَاعَاتٍ، فَلَمَّا تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْجَمَاعَاتِ جَرَى عَلَيْهِمُ الْفِعْلُ بِضَمِيرِ التَّأْنِيثِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ زِيَادَةَ التَّعْجِيبِ مِنْ تَيْسِيرِ الْحَجِّ حَتَّى عَلَى الْمُشَاةِ.
وَقَدْ تُشَاهِدُ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ جَمَاعَاتٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ يَمْشُونَ رجَالًا بأولادهم وأزوادهم وَكَذَلِكَ يَقْطَعُونَ الْمَسَافَاتِ بَيْنَ مَكَّةَ وَبِلَادِهِمْ.
وَالْفَجُّ: الشِّقُّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ تَسِيرُ فِيهِ الرِّكَابُ، فَغَلَبَ الْفَجُّ عَلَى الطَّرِيقِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الطُّرُقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى مَكَّةَ تُسْلَكُ بَيْنَ الْجِبَالِ.
وَالْعَمِيقُ: الْبَعِيدُ إِلَى أَسْفَلَ لِأَنَّ الْعُمْقَ الْبُعْدُ فِي الْقَعْرِ، فَأُطْلِقَ عَلَى الْبَعِيدِ مُطْلَقًا بِطَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ، أَوْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ بِتَشْبِيهِ مَكَّةَ بِمَكَانٍ مُرْتَفِعٍ وَالنَّاسُ مُصَعِّدُونَ إِلَيْهِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى السَّفَرِ مِنْ مَوْطِنِ الْمُسَافِرِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ إِصْعَادٌ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الرُّجُوعِ انْحِدَارٌ وَهُبُوطٌ، فَإِسْنَادُ الْإِتْيَانِ إِلَى الرَّوَاحِلِ تَشْرِيفٌ لَهَا بِأَنْ جَعَلَهَا مُشَارَكَةً لِلْحَجِيجِ فِي الْإِتْيَانِ إِلَى الْبَيْتِ.
وَقَوْلُهُ لِيَشْهَدُوا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ يَأْتُوكَ فَهُوَ عِلَّةٌ لِإِتْيَانِهِمُ الَّذِي هُوَ مُسَبَّبٌ عَلَى
التَّأْذِينِ بِالْحَجِّ فَآلَ إِلَى كَوْنِهِ عِلَّةً فِي التَّأْذِينِ بِالْحَجِّ.
وَمَعْنَى لِيَشْهَدُوا لِيَحْضُرُوا مَنَافِعَ لَهُمْ، أَيْ لِيَحْضُرُوا فَيُحَصِّلُوا مَنَافِعَ لَهُمْ إِذْ يُحَصِّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مَا فِيهِ نَفْعُهُ. وَأَهَمُّ الْمَنَافِعِ
(٣٨)
تَرَدَّدَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَعَلُّقِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مِنْ قَوْلِهِ: فِي بُيُوتٍ إِلَخْ. فَقِيلَ قَوْلُهُ:
فِي بُيُوتٍ مِنْ تَمَامِ التَّمْثِيلِ، أَيْ فَيَكُونُ فِي بُيُوتٍ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ مِمَّا قَبْلَهُ. فَقِيلَ يَتَعَلَّقُ بقوله: يُوقَدُ [النُّور: ٣٥] أَيْ يُوقِدُ الْمِصْبَاحَ فِي بُيُوتٍ. وَقِيلَ هُوَ صِفَةٌ لِمِشْكَاةٍ، أَيْ مِشْكَاةٍ فِي بُيُوتٍ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ وَإِنَّمَا جَاءَ بُيُوتٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ مَعَ أَنَّ مشكاة ومِصْباحٌ [النُّور: ٣٥] مُفْرَدَانِ لِأَن المُرَاد بهما الْجِنْسُ فَتَسَاوَى الْإِفْرَادُ وَالْجَمْعُ.
ثُمَّ قِيلَ: أُرِيدَ بِالْبُيُوتِ الْمَسَاجِدُ. وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مَصَابِيحُ وَإِنَّمَا أُحْدِثَتِ الْمَصَابِيحُ فِي الْمَسَاجِدِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
فَقَالَ لَهُ عَلَيٌّ: نَوَّرَ اللَّهُ مَضْجَعَكَ يَا بن الْخَطَّابِ كَمَا نَوَّرَتْ مَسْجِدَنَا
. وَرُوِيَ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ أَسْرَجَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ بِمَصَابِيحَ جَاءَ بِهَا مِنَ الشَّامِ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَسْلَمَ تَمِيمُ سَنَةَ تِسْعٍ، أَيْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقِيلَ الْبُيُوتُ مَسَاجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ بِيَعًا لِلنَّصَارَى.
وَيَجُوزُ عِنْدِي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبُيُوتِ صَوَامِعَ الرُّهْبَانِ وَأَدْيِرَتَهُمْ وَكَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي بِلَادِ الْعَرَبِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَيَنْزِلُونَ عِنْدَهَا فِي ضِيَافَةِ رُهْبَانِهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ «الْقَامُوسِ» عَدَدًا مِنَ الْأَدْيِرَةِ. وَيُرَجِّحُ هَذَا قَوْلُهُ: أَنْ تُرْفَعَ فَإِنَّ الصَّوَامِعَ كَانَتْ مَرْفُوعَةً وَالْأَدْيِرَةَ كَانَتْ تبنى على رُؤُوس الْجِبَالِ. أَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:
وَإِنَّ أَبَانَا كَانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سِوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلَانَ وَالْفِزْرِِِ
لَوْ أَبْصَرْتَ رُهْبَانَ دَيْرٍ بِالْجَبَلْ لَانْحَدَرَ الرُّهْبَانُ يَسْعَى وَيَصِلْ
وَالْمُرَادُ بِإِذْنِ اللَّهِ بِرَفْعِهَا أَنَّهُ أَلْهَمَ مُتَّخِذِيهَا أَنْ يَجْعَلُوهَا عَالِيَةً وَكَانُوا صالحين يقرأون الْإِنْجِيلَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ إِلَى قَوْلِهِ: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الْحَج: ٤٠]. وَعَبَّرَ بِالْإِذْنِ دُونَ الْأَمْرِ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِاتِّخَاذِ الْأَدْيِرَةِ

[سُورَة النَّمْل (٢٧) : الْآيَات ٢٠ إِلَى ٢١]

وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١)
صِيغَةُ التَّفَعُّلِ تَدُلُّ عَلَى التَّكَلُّفِ، وَالتَّكَلُّفُ: الطَّلَبُ. وَاشْتِقَاقُ تَفَقَّدَ مِنَ الْفَقْدِ يَقْتَضِي أَنَّ تَفَقَّدَ بِمَعْنَى طَلَبِ الْفَقْدِ. وَلَكِنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِيهِ فَأَطْلَقُوهُ عَلَى طَلَبِ مَعْرِفَةِ سَبَبِ الْفَقْدِ، أَيْ مَعْرِفَةُ مَا أَحْدَثَهُ الْفَقْدُ فِي شَيْءٍ، فَالتَّفَقُّدُ: الْبَحْثُ عَنِ الْفَقْدِ لَيَعْرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ لَمْ يَنْقُصْ وَكَانَ الطَّيْرُ مِنْ جُمْلَةِ الْجُنْدِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الطَّيْرِ صَالِحٌ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ فِي أُمُورِ الْجُنْدِ فَمِنْهُ الْحَمَامُ الزَّاجِلُ، وَمِنْهُ الْهُدْهُدُ أَيْضًا لِمَعْرِفَةِ الْمَاءِ، وَمِنْهُ الْبُزَاةُ وَالصُّقُورُ لِصَيْدِ الْمَلِكِ وَجُنْدِهِ وَلِجَلْبِ الطَّعَامِ لِلْجُنْدِ مِنَ الصَّيْدِ إِذَا حَلَّ الْجُنْدُ فِي الْقِفَارِ أَوْ نَفَدَ الزَّادُ.
وَلِلطَّيْرِ جنود يقومُونَ بشؤونها. وَتَفَقُّدُ الْجُنْدِ مِنْ شِعَارِ الْمَلِكِ وَالْأُمَرَاءِ وَهُوَ مِنْ مَقَاصِدِ حَشْرِ الْجُنُودِ وَتَسْيِيرِهَا. وَالْمَعْنَى: تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فِي جُمْلَةِ مَا تَفَقَّدَهُ، فَقَالَ لِمَنْ يَلُونَ أَمْرَ الطَّيْرِ: مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ.
وَمِنْ وَاجِبَاتِ وُلَاةِ الْأُمُورِ تَفَقُّدُ أَحْوَالِ الرَّعِيَّةِ وَتَفَقُّدُ الْعُمَّالِ وَنَحْوِهِمْ بِنَفْسِهِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ فِي خُرُوجِهِ إِلَى الشَّامِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ هِجْرِيَّةً، أَوْ بِمَنْ يَكِلُ إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَدْ جَعَلَ عُمَرُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ يَتَفَقَّدُ الْعُمَّالَ.
والْهُدْهُدَ: نَوْعٌ مِنَ الطَّيْرِ وَهُوَ مَا يُقَرْقِرُ، وَفِي رَائِحَتِهِ نَتَنٌ وَفَوْقَ رَأْسِهِ قَزَعَةٌ سَوْدَاءُ، وَهُوَ أَسْوَدُ الْبَرَاثِنِ، أَصْفَرُ الْأَجْفَانِ، يَقْتَاتُ الْحُبُوبَ وَالدُّودَ، يَرَى الْمَاءَ مِنْ بُعْدٍ وَيُحِسُّ بِهِ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، فَإِذَا رَفْرَفَ عَلَى مَوْضِعٍ عُلِمَ أَنَّ بِهِ مَاءً، وَهَذَا سَبَبُ اتِّخَاذِهِ فِي جُنْدِ سُلَيْمَانَ. قَالَ الْجَاحِظُ: يَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَدُلُّ سُلَيْمَانَ عَلَى مَوَاضِعِ الْمَاءِ فِي قَعُورِ الْأَرَضِينَ إِذَا أَرَادَ اسْتِنْبَاطَ شَيْءٍ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُ: مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ اسْتِفْهَامٌ عَنْ شَيْءٍ حَصَلَ لَهُ فِي حَالِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ الْهُدْهُدَ، فَ مَا اسْتِفْهَامٌ. وَاللَّامُ مِنْ قَوْلِهِ: لِيَ لِلِاخْتِصَاصِ. وَالْمَجْرُورُ
وَلَمْ تَقَعْ أَنْ الْمُؤَكِّدَةُ فِي آيَةِ سُورَةِ هُودٍ لِأَنَّ فِي تِلْكَ السُّورَةِ تَفْصِيلًا لِسَبَبِ إِسَاءَتِهِ وَضِيقِ ذَرْعِهِ فَكَانَ ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَكَانَ التَّأْكِيدُ هُنَا ضَرْبًا مِنَ الْإِطْنَابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ هُودٍ وَتَفْسِيرِهَا هُنَاكَ.
وَبِنَاءُ فِعْلِ سِيءَ لِلْمَجْهُولِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ الْمَفْعُولِ دُونَ فَاعِلِهِ.
وَعُطِفَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ وَقالُوا لَا تَخَفْ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مَا وَقَعَ عَقِبَ مَجِيءِ الرُّسُلِ لُوطًا. وَقَدْ طُوِيَتْ جُمَلٌ دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ وَهِيَ الْجُمَلُ الَّتِي ذُكِرَتْ مَعَانِيهَا فِي قَوْلِهِ وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ إِلَى قَوْلِهِ قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فِي سُورَةِ هُودٍ [٧٨- ٨١]. وَقَدَّمُوا تَأْمِينَهُ قَبْلَ إِعْلَامِهِ بِأَنَّهُمْ مُنْزِلُونَ الْعَذَابَ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ تَعْجِيلًا بِتَطْمِينِهِ.
وَعَطْفُ وَلا تَحْزَنْ عَلَى لَا تَخَفْ جَمْعٌ بَيْنَ تَأْمِينِهِ مِنْ ضُرِّ الْعَذَابِ وَبَيْنَ إِعْلَامِهِ بِأَنَّ الَّذِينَ سَيَهْلِكُونَ لَيْسُوا أَهْلًا لِأَنْ يَحْزَنَ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ أُولَئِكَ امْرَأَتُهُ لِأَنَّهُ لَا يُحْزَنُ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِهِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّا مُنَجُّوكَ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْأَمْرَيْنِ.
وَاسْتِثْنَاءُ امْرَأَتِهِ مِنْ عُمُومِ أَهْلِهِ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ التَّعْلِيلِ لَا مِنَ النَّهْيِ، فَفِي ذَلِكَ مَعْذِرَةٌ لَهُ بِمَا عَسَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مِنَ الْحُزْنِ عَلَى هَلَاكِ امْرَأَتِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَحْسَبُهَا مُخْلِصَةً لَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ مُنَجُّوكَ بِسُكُونِ النُّونِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْديد الْجِيم.
[٣٤]
[سُورَة العنكبوت (٢٩) : آيَة ٣٤]
إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَقَعَتْ بَيَانًا لِمَا فِي جُمْلَةِ لَا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ [العنكبوت: ٣٣] مِنَ الْإِيذَانِ بِأَنَّ ثَمَّةَ حَادِثًا يَخَافُ مِنْهُ وَيَحْزَنُ لَهُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

٣٣- سُورَةُ الْأَحْزَابِ
هَكَذَا سُمِّيَتْ سُورَةُ الْأَحْزَابِ فِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَتْ تَسْمِيَتُهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِأَسَانِيدَ مَقْبُولَةٍ. وَلَا يُعْرَفُ لَهَا اسْمٌ غَيْرُهُ. وَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ أَنَّ فِيهَا ذِكْرَ أَحْزَابِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ تَحَزَّبَ مَعَهُمْ، أَرَادُوا غَزْوَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ فَرَدَّ اللَّهُ كَيْدَهُمْ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ. وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَسَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ آيَةَ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ [الْأَحْزَاب: ٣٦] إِلَخْ نَزَلَتْ فِي تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي مَكَّةَ. وَهِيَ التِّسْعُونَ فِي عِدَادِ السُّوَرِ النَّازِلَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَقَبْلَ سُورَةِ الْمَائِدَةِ.
وَكَانَ نُزُولُهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَوَاخِرَ سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي «الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ». وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَهِيَ سَنَةُ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ وَتُسَمَّى غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ حِينَ أَحَاطَ جَمَاعَاتٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَحَابِيشِهِمْ (١) وَكِنَانَةَ وَغَطَفَانَ وَكَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَعَقِبَتْهَا غَزْوَةُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. وَعَدَدُ آيِهَا ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِ الْعَدَدِ.
وَمِمَّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ السُّورَةِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأَيِّنْ تَعُدُّونَ سُورَةَ الْأَحْزَابِ؟ قَالَ:
_________
(١) أحابيش قُرَيْش: هم بَنو المصطلق وَبَنُو الْهون اجْتَمعُوا عِنْد جبل بِمَكَّة يُقَال لَهُ: حبشيّ- بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْبَاء- فَحَالَفُوا قُريْشًا أَنهم يَد على غَيرهم.

[سُورَة سبإ (٣٤) : آيَة ٥٤]

وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)
عُطِفَ عَلَى الْجُمَلِ الْفِعْلِيَّةِ نَظَائِرُ هَذِهِ وَهِيَ جُمَلُ فَزِعُوا وأُخِذُوا وقالُوا [سبأ:
٥١، ٥٢] أَيْ وَحَالَ زَجُّهُمْ فِي النَّارِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَأْمَلُونَهُ مِنَ النَّجَاةِ بِقَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِهِ [سبأ:
٥٢]. وَمَا يَشْتَهُونَهُ هُوَ النَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ أَوْ عَوْدَتُهُمْ إِلَى الدُّنْيَا فَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمْ فِي آيَاتٍ أُخْرَى أَنَّهُمْ تَمَنَّوْهُ فَقالُوا يَا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الْأَنْعَام:
٢٧]، «رَبنَا أرجعنا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ».
وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ: كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ تَشْبِيهٌ لِلْحَيْلُولَةِ بِحَيْلُولَةٍ أُخْرَى وَهِيَ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ بَعْضِ الْأُمَمِ وَبَيْنَ الْإِمْهَالِ حِينَ حَلَّ بِهِمْ عَذَابُ الدُّنْيَا، مِثْلَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِذْ قَالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يُونُس: ٩٠]، وَكَذَلِكَ قَوْمُ نُوحٍ حِينَ رَأَوُا الطُّوفَانَ، وَمَا مِنْ أُمَّةٍ حَلَّ بِهَا عَذَابٌ إِلَّا وَتَمَنَّتِ الْإِيمَانَ حِينَئِذٍ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ.
وَالْأَشْيَاعُ: الْمُشَابِهُونَ فِي النِّحْلَةِ وَإِنْ كَانُوا سَالِفِينَ. وَأَصْلُ الْمُشَايَعَةِ الْمُتَابَعَةُ فِي الْعَمَلِ وَالْحِلْفِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى مُطْلَقِ الْمُمَاثِلَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: مِنْ قَبْلُ، أَيْ كَمَا فُعِلَ بِأَمْثَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ قَبْلُ، وَأَمَّا يَوْمُ الْحَشْرِ فَإِنَّمَا يُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ وَكَذَلِكَ أَشْيَاعُهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَفَائِدَةُ هَذَا التَّشْبِيهِ تَذْكِيرُ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَهُمْ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ بِمَا حَلَّ بِالْأُمَمِ مِنْ قبلهم ليوقنوا أَنه سُنَّةَ اللَّهِ وَاحِدَةٌ وَأَنَّهُمْ لَا تَنْفَعُهُمْ أَصْنَامُهُمُ الَّتِي زَعَمُوهَا شُفَعَاءَ عِنْدَ اللَّهِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ الْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَفُعِلَ بِهِمْ جَمِيعُ مَا سَمِعْتَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي حَيَاتِهِمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَا وُصِفَ لَهُمْ مِنْ أَهْوَالِهِ.
وَإِنَّمَا جُعِلَتْ حَالَتُهُمْ شَكًّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ شَاكِّينَ وَفِي بَعْضِهَا مُوقِنِينَ،
أَلَا تَرَى قَوْلَهُ تَعَالَى: قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية: ٣٢]. وَإِذَا كَانَ الشَّكُّ مُفْضِيًا إِلَى تِلْكَ الْعُقُوبَةِ فَالْيَقِينُ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَمَآلُ
الْعُلَمَاءُ فِي الْخَلِيفَةِ شُرُوطًا كُلُّهَا تَحُومُ حَوْلَ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَمَا يُوَازِيهِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْبَاطِلِ، وَهِيَ:
التَّكْلِيفُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَدَالَةُ، وَالذُّكُورَةُ، وَأَمَّا شَرْطُ كَوْنِهِ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلِئَلَّا يَضْعُفَ أَمَامَ الْقَبَائِلِ بِغَضَاضَةٍ.
وَانْتَصَبَ فَيُضِلَّكَ بَعْدَ فَاءِ السَّبَبِيَّةِ فِي جَوَابِ النَّهْيِ. وَمَعْنَى جَوَابِ النَّهْيِ جَوَابُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَهُوَ السَّبَبُ فِي الضَّلَالِ وَلَيْسَ النَّهْيُ سَبَبًا فِي الضَّلَالِ. وَهَذَا بِخِلَافِ طَرِيقَةِ الْجَزْمِ فِي جَوَابِ النَّهْيِ.
وسَبِيلِ اللَّهِ: الْأَعْمَالُ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْهَا مَرْضَاتُهُ وَهِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَوَعَدَ بِالْجَزَاءِ عَلَيْهَا، شُبِّهَتْ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَى اللَّهِ، أَيْ إِلَى مَرْضَاتِهِ. وَجُمْلَةُ: إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى آخِرِهَا يَظْهَرُ أَنَّهَا مِمَّا خَاطَبَ اللَّهُ بِهِ دَاوُدَ، وَهِيَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْعَدَدِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ قَوْلِهِ: يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمَ الْحِسابِ، فَهِيَ فِي مَوْقِعِ الْعِلَّةِ لِلنَّهْيِ، فَكَانَتْ (إِنَّ) مُغْنِيَةً عَنْ فَاءِ التَّسَبُّبِ وَالتَّرَتُّبِ، فَالشَّيْءُ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْعَذَابِ الشَّدِيدِ خَلِيقٌ بِأَنْ يُنْهَى عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ كَلَامًا مُنْفَصِلًا عَنْ خِطَابِ دَاوُدَ كَانَتْ مُعْتَرِضَةً وَمُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِبَيَانِ خَطَرِ الضَّلَالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وَالْعُمُومُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُكْسِبُ الْجُمْلَةَ وَصْفَ التَّذْيِيلٍ أَيْضًا وَكِلَا الِاعْتِبَارَيْنِ مُوجِبٌ لِعَدَمِ عَطْفِهَا. وَجِيءَ بِالْمَوْصُولِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ. وَاللَّامُ فِي لَهُمْ عَذابٌ لِلِاخْتِصَاصِ، وَالْبَاءُ فِي بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ سَبَبِيَّةٌ.
وَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ بِسَبَبِ نِسْيَانِهِمْ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَتَتَعَلَّقُ الْبَاءُ بِالِاسْتِقْرَارِ الَّذِي نَابَ عَنْهُ الْمَجْرُورُ فِي قَوْلِهِ: لَهُمْ عَذابٌ.
وَالنِّسْيَانُ: مُسْتَعَارٌ لِلْإِعْرَاضِ الشَّدِيدِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ نِسْيَانَ الْمُعْرِضِ عَنْهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التَّوْبَة: ٦٧]، وَهُوَ مَرَاتِبُ أَشَدُّهَا إِنْكَارُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، قَالَ تَعَالَى: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِيناكُمْ [السَّجْدَة: ١٤]. وَدُونَهُ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ تَكُونُ عَلَى وِفْقِ مَرَاتِبِ الْعَذَابَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ السَّبَبُ ذَا مَرَاتِبَ كَانَتِ الْمُسَبَّبَاتُ تَبَعًا لِذَلِكَ.
وَاعْتِمَادًا عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: ١٢]، فَلَوْ كَانَ الْيَوْمَانِ اللَّذَانِ قَضَى فِيهِمَا خَلْقَ السَّمَاوَاتِ زَائِدَيْنِ عَلَى سِتَّةِ أَيَّامٍ انْقَضَتْ فِي خَلْقِ الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا لَصَارَ مَجْمُوعُ الْأَيَّامِ ثَمَانِيَةً، وَذَلِكَ يُنَافِي الْإِشَارَةَ إِلَى عِدَّةِ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، فَإِنَّ الْيَوْمَ السَّابِعَ يَوْمُ فَرَاغٍ مِنَ التَّكْوِينِ. وَحِكْمَةُ التَّمْدِيدِ لِلْخَلْقِ أَنْ يَقَعَ عَلَى صِفَةٍ كَامِلَةٍ مُتَنَاسِبَةٍ.
وسَواءً قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنْ أَيَّامٍ أَيْ كَامِلَةً لَا نَقْصَ فِيهَا وَلَا زِيَادَةَ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ بِتَقْدِيرِ: هِيَ سَوَاءٌ. وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ مَجْرُورًا على الْوَصْف ل أَيَّامٍ.
ولِلسَّائِلِينَ يَتَنَازَعُهُ كُلٌّ مِنْ أَفْعَالِ جَعَلَ وبارَكَ وقَدَّرَ فَيَكُونُ لِلسَّائِلِينَ جَمْعُ سَائِلٍ بِمَعْنَى الطَّالِبِ لِلْمَعْرِفَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ بَيَّنَّا ذَلِكَ لِلسَّائِلِينَ وَيَجُوزُ أَن يكون ل السَّائِلِينَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالسَّائِلِينَ الطالبين للقوت.
[١١]
[سُورَة فصلت (٤١) : آيَة ١١]
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١)
ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ أَهَمُّ مَرْتَبَةً مِنْ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ الْأَرْضِ، وَعَوَالِمُهَا أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ، فَجِيءَ بِحَرْفِ التَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بَعْدَ أَنْ قُضِيَ حَقُّ الِاهْتِمَامِ بِذِكْرِ خَلْقِ الْأَرْضِ حَتَّى يُوَفَّى الْمُقْتَضِيَانِ حَقَّهُمَا. وَلَيْسَ هَذَا بِمُقْتَضٍ أَنَّ الْإِرَادَةَ تَعَلَّقَتْ بِخَلْقِ السَّمَاءِ بَعْدَ تَمَامِ خَلْقِ الْأَرْضِ وَلَا مُقْتَضِيًا أَنَّ خَلْقَ السَّمَاءِ وَقَعَ بَعْدَ خَلْقِ الْأَرْضِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَالِاسْتِوَاءُ: الْقَصْدُ إِلَى الشَّيْءِ تَوًّا لَا يَعْتَرِضُهُ شَيْءٌ آخَرُ. وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِتَعَلُّقِ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِيجَادِ السَّمَاوَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٩]. وَرُبَّمَا كَانَ فِي قَوْلِهِ: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى تَوَجَّهَتْ إِرَادَتُهُ لِخَلْقِ
الشَّيْطَانِ، وَتَذْكِيرًا بِعَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ لِلْإِنْسَانِ عَدَاوَةً قَوِيَّةً لَا يُفَارِقُهَا الدَّفْعُ بِالنَّاسِ إِلَى مساوئ الْأَعْمَالِ لِيُوقِعَهُمْ فِي الْعَذَابِ تَشَفِّيًا لِعَدَاوَتِهِ.
وَقَدْ صِيغَ النَّهْيُ عَنِ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ فِي صَدِّهِ إِيَّاهُمْ بِصِيغَةِ نَهْيِ الشَّيْطَانِ عَنْ أَنْ يَصُدَّهُمْ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ فِي مُكْنَتِهِمُ الِاحْتِفَاظَ مِنَ الِارْتِبَاقِ فِي شِبَاكِ الشَّيْطَانِ، فَكُنِّيَ بِنَهْيِ الشَّيْطَانِ عَنْ صَدِّهِمْ عَنْ نَهْيِهِمْ عَنِ الطَّاعَةِ لَهُ بِأَبْلَغَ مِنْ تَوْجِيه النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِ الْعَرَبِ: لَا أَعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا، وَلَا أَلْفَيَنَّكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ أَنْ يَصُدَّهُمُ الشَّيْطَانُ فَإِنَّ شَأْنَ الْعَاقِلِ أَنْ يُحَذِّرَ مِنْ مَكَائِدِ عَدُّوهِ. وَعَدَاوَةُ الشَّيْطَانِ لِلْبَشَرِ نَاشِئَةٌ مِنْ خُبْثِ كَيْنُونَتِهِ مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ الْخُبْثِ مَنْ تَنَافِي الْعُنْصُرَيْنِ فَإِذَا الْتَقَى التَّنَافِي مَعَ خُبْثِ الطَّبْعِ نَشَأَ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا الْقَصْدُ بِالْأَذَى، وَقَدْ أَذْكَى تِلْكَ الْعَدَاوَةَ حَدَثٌ قَارَنَ نَشْأَةَ نَوْعِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ تَكْوِينِهِ، فِي قِصَّتِهِ مَعَ آدَمَ كَمَا قَصَّهُ الْقُرْآنُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَحَرْفُ (إِنْ) هُنَا مَوْقِعُهُ مَوْقِعُ فَاءِ التَّسَبُّبِ فِي إِفَادَة التَّعْلِيل.
[٦٣، ٦٤]
[سُورَة الزخرف (٤٣) : الْآيَات ٦٣ إِلَى ٦٤]
وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)
قَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قِصَّةِ إِرْسَالِ مُوسَى.
وَلَمْ يُذْكَرْ جَوَابُ لَمَّا فَهُوَ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَمَوْقِعُ حَرْفِ لَمَّا هُنَا أَنَّ مَجِيءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ صَارَ مَعْلُومًا لِلسَّامِعِ مِمَّا تَقَدَّمَ
قَوْلِهِ:
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، وَقَوْلِهِ: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ [الحجرات: ٩] قَدْ أُرْدِفَ بِالتَّعْلِيلِ فَحَصَلَ تَقْرِيرُهُ، ثُمَّ عُقِّبَ بِالتَّفْرِيعِ فَزَادَهُ تَقْرِيرًا.
وَقَدْ حَصَلَ مِنْ هَذَا النَّظْمِ مَا يُشْبِهُ الدَّعْوَى وَهِيَ كَمَطْلُوبِ الْقِيَاسِ، ثُمَّ مَا يُشْبِهُ الِاسْتِدْلَالَ بِالْقِيَاسِ، ثُمَّ مَا يُشْبِهُ النَّتِيجَةَ.
وَلَمَّا تَقَرَّرَ مَعْنَى الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَالَ التَّقَرُّرِ عَدَلَ عَنْ أَنْ يَقُولَ: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، إِلَى قَوْلِهِ: بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ فَهُوَ وَصْفٌ جَدِيدٌ نَشَأَ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَتَعَيَّنَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ فَتَأَمَّلْ.
وَأُوثِرَتْ صِيغَةُ التَّثْنِيَةِ فِي قَوْلِهِ: أَخَوَيْكُمْ مُرَاعَاةً لِكَوْنِ الْكَلَامِ جَارٍ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَجُعِلَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ كَالْأَخِ لِلْأُخْرَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ الْأَخِ، أَيْ بَيْنَ الطَّائِفَةِ وَالْأُخْرَى مُرَاعَاةً لِجَرَيَانِ الْحَدِيثِ عَلَى اقْتِتَالِ طَائِفَتَيْنِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ الْأَخِ عَلَى تَشْبِيهِ كُلِّ طَائِفَةٍ بِأَخٍ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ إِخْوَتِكُمْ بِتَاءٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ الْوَاوِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ أَخٍ بِاعْتِبَارِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ كَالْأَخِ.
وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَشْمَلُ الطَّائِفَتَيْنِ الْبَاغِيَةَ وَالْمَبْغِيَّ عَلَيْهَا، وَيَشْمَلُ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ أمروا بالإصلاح بَيْنَمَا وَمُقَاتَلَةِ الْبَاغِيَةِ، فَتَقْوَى كُلٌّ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ كُلًّا مِمَّا يَخُصُّهُ، وَهَذَا يُشْبِهُ التَّذْيِيلَ. وَمَعْنَى لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: تُرْجَى لَكُمُ الرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ فَتَجْرِي أَحْوَالُكُمْ عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَصَلَاحٍ. وَإِنَّمَا اخْتِيرَتِ الرَّحْمَةُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى وَاقِعٌ إِثْرَ تَقْرِيرِ حَقِيقَةِ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَشَأْنُ تَعَامُلِ الْإِخْوَةِ الرَّحْمَةُ فَيَكُونُ الْجَزَاءُ عَلَيْهَا مِنْ جِنْسِهَا
وَالْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ آدَمُ وَهُوَ أَصْلُ الْجِنْسِ وَقَوْلُهُ: مِنْ صَلْصالٍ تَقَدَّمَ نَظِيرِهِ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٢].
وَالصَّلْصَالُ: الطِّينُ الْيَابِسُ.
وَالْفَخَّارُ: الطِّينُ الْمَطْبُوخُ بِالنَّارِ وَيُسَمَّى الْخَزَفَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ قَوْلَهُ:
كَالْفَخَّارِ صِفَةٌ لِ صَلْصالٍ. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْكَوَاشِيُّ فِي «تَلْخِيصِ التَّبْصِرَةِ» وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى فَائِدَةِ هَذَا الْوَصْفِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنْ يَكُونَ كَالْفَخَّارِ حَالًا مِنَ الْإِنْسانَ، أَيْ خَلَقَهُ مِنْ صَلْصَالٍ فَصَارَ الْإِنْسَانُ كَالْفَخَّارِ فِي صُورَةٍ خَاصَّة وصلابة.
وَالْمعْنَى أَنَّهُ صَلْصَالٌ يَابِسٌ يُشْبِهُ يَبِسَ الطِّينِ الْمَطْبُوخِ وَالْمُشَبَّهُ غَيْرُ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْحَمَأِ الْمَسْنُونِ، وَالطِّينِ اللَّازِبِ، وَالتُّرَابِ.
والْجَانَّ: الْجِنُّ وَالْمُرَادُ بِهِ إِبْلِيسُ وَمَا خَرَجَ عَنْهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص: ٧٦].
وَالْمَارِجُ: هُوَ الْمُخْتَلِطُ وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ مِثْلِ دَافِقٍ، وَعِيشَةٍ رَاضِيَةِ، أَيْ خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ خَلِيطٍ من النَّار، أَيْ مُخْتَلِطٍ بِعَنَاصِرٍ أُخْرَى إِلَّا أَن النَّاس أَغْلَبُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ التُّرَابُ أَغْلَبَ عَلَى تَكْوِينِ الْإِنْسَانِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ عُنْصُرِ النَّارِ وَهُوَ الْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ وَالْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ خَلْقُ الْإِنْسَانِ بِقَرِينَةِ تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرَّحْمَن: ١٦] وَإِنَّمَا قُرِنَ بِخَلْقِ الْجَانِّ إِظْهَارًا لِكَمَالِ النِّعْمَةِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَادَّةٍ لَيِّنَةٍ قَابِلًا لِلتَّهْذِيبِ وَالْكَمَالِ وَصُدُورِ الرِّفْقِ بِالْمَوْجُودَاتِ الَّتِي مَعَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
وَهُوَ أَيْضًا تَذْكِيرٌ وَمَوْعِظَةٌ بِمَظْهَرٍ مِنْ مَظَاهِرِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ فِي خَلْقِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ وَجِنْسِ الْجَانِّ.
وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَا سَبَقَ فِي الْقُرْآنِ النَّازِلِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ تَفْضِيلِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْجَانِّ إِذْ أَمَرَ اللَّهُ الْجَانَّ بِالسُّجُودِ لِلْإِنْسَانِ، وَمَا ينطوي فِي ذَلِكَ مِنْ وَفْرَةِ مَصَالِحِ الْإِنْسَانِ
عَلَى مَصَالِحِ الْجَانِّ، وَمِنْ تَأَهُّلِهِ لِعُمْرَانِ الْعَالِمِ لِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مَنْ طِينَتِهِ إِذِ الْفَضِيلَةُ تَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِ أَوْصَافٍ لَا مِنْ خصوصيات مُفْردَة.
سَوَاءٌ عَلَيْنَا يَا جَمِيلُ بْنَ مَعْمَرٍ إِذَا مِتَّ بَأْسَاءُ الْحَيَاةِ وَلِينُهَا
فَلَا أَحْسَبُهُ صَحِيحَ الرِّوَايَةِ.
وَسَوَاءٌ اسْمٌ بِمَعْنَى مُسَاوٍ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْجَامِدِ فِي الْغَالِبِ فَلَا يَتَغَيَّرُ خَبَرُهُ نَقُولُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَهُمْ سَوَاء. وشذ قَوْلهم: سِوَاءَيْنِ.
وَ (عَلَى) مِنْ قَوْلِهِ: عَلَيْهِمْ بِمَعْنَى تَمَكُّنِ الْوَصْفِ. فَالْمَعْنَى: سَوَاءٌ فِيهِمْ.
وَهَمْزَةُ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَصْلُهَا هَمْزَةُ اسْتِفْهَامٍ بِمَعْنَى: سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ سُؤَالُ السَّائِلِ عَنْ وُقُوعِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَسُؤَالُ السَّائِلِ عَنْ عَدَمِ وُقُوعِهِ. وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مَجَازِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً عَنْ قِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِكَلَا الْحَالَيْنِ بِقَرِينَةِ لَفْظِ سَوَاءٍ وَلِذَلِكَ يُسَمِّي النُّحَاةُ هَذِهِ الْهَمْزَةَ التَّسْوِيَةَ. وَتَقَدِّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦]، أَيْ سَوَاءٌ عِنْدَهُمُ اسْتِغْفَارُكَ لَهُمْ وَعَدَمُهُ. فَ (عَلَى) لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ الَّذِي هُوَ التَّمَكُّن والتلبس فتؤول إِلَى مَعْنَى (عِنْدَ) كَمَا تَقُولُ سَوَاءٌ عَلَيَّ أَرَضِيتُ أَمْ غَضِبْتُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١٣٦].
وَجُمْلَةُ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ سَواءٌ عَلَيْهِمْ وَجُمْلَةِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ [المُنَافِقُونَ: ٧] وَهِيَ وَعِيدٌ لَهُمْ وَجَزَاءٌ عَلَى اسْتِخْفَافِهِمْ بِالِاسْتِغْفَارِ مِنْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا عَنْ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ تَعْلِيلٌ لِانْتِفَاءِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَحَرَمَهُمُ اللُّطْفَ وَالْعِنَايَةَ
وَ (مِنَ) ابتدائية صفة (بَلَاغ)، أَيْ بَلَاغًا كَائِنًا مِنْ جَانِبِ اللَّهِ، أَيْ إِلَّا كَلَامًا أُبَلِّغُهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُوحَى مِنَ اللَّهِ.
ورِسالاتِهِ: جَمْعُ رِسَالَةٍ، وَهِيَ مَا يُرْسَلُ مِنْ كَلَامٍ أَوْ كِتَابٍ فَالرِّسَالَاتُ بَلَاغٌ
خَاصٌّ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ، فَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا تَبْلِيغُ الْقُرْآنِ.
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً.
لَمَّا كَانَ قَوْله: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً [الْجِنّ: ٢٠] إِلَى هُنَا كَلَامًا مُتَضَمِّنًا أَنَّهُمْ أَشْرَكُوا وَعَانَدُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ مَا تَوَهَّمُوهُ تَعْجِيزًا لَهُ مِنْ ضُرُوبِ الِاقْتِرَاحِ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدِهِمْ وَوَعِيدِهِمْ بِأَنَّهُمْ إِنْ دَامُوا عَلَى عِصْيَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ سَيَلْقَوْنَ نَارَ جَهَنَّمَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْصِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَتْ لَهُ نَارُ جَهَنَّمَ.
ومِنَ شَرْطِيَّةٌ وَجَوَابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.
[٢٤]
[سُورَة الْجِنّ (٧٢) : آيَة ٢٤]
حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤)
كَانُوا إِذَا سَمِعُوا آيَاتِ الْوَعْدِ بِنَصْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَآيَاتِ الْوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالِانْهِزَامِ وَعَذَابِ الْآخِرَةِ وَعَذَابِ الدُّنْيَا اسْتَسْخَرُوا مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سبأ: ٣٥]، وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [السَّجْدَة: ٢٨]، وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يُونُس: ٤٨]، وَقَالُوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ [ص: ١٦]، فَهُمْ مَغْرُورُونَ بِالِاسْتِدْرَاجِ وَالْإِمْهَالِ فَلِذَلِكَ عَقَّبَ وَعِيدَهُمْ بِالْغَايَةِ الْمُفَادَةِ مِنْ حَتَّى، فَالْغَايَةُ هُنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ مِنْ سُخْرِيَةِ الْكُفَّارِ مِنَ الْوَعِيدِ وَاسْتِضْعَافِهِمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ غَالِبُونَ فَائِزُونَ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ تَحَقَّقُوا إِخْفَاقَ آمَالِهِمْ.
وحَتَّى هُنَا ابْتِدَائِيَّةٌ وَكُلَّمَا دَخَلَتْ حَتَّى فِي جُمْلَةٍ مُفْتَتَحَةٍ بِ إِذا فَ حَتَّى

[سُورَة البروج (٨٥) : آيَة ١٠]

إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠)
إِنْ كَانَ هَذَا جَوَابًا للقسم على قَول بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَ مَا بَيْنَ الْقَسَمِ وَمَا بَيْنَ هَذَا كَلَامًا مُعْتَرِضًا يُقْصَدُ مِنْهُ التَّوْطِئَةُ لِوَعِيدِهِمْ بِالْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ بِذِكْرِ مَا تَوَعَّدَ بِهِ نَظِيرَهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ فِي قَوْلِهِ: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ [البروج: ٤] كَانَ قَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَنْزِلَةِ الْفَذْلَكَةِ لِمَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ إِذِ الْمَقْصُودُ بِالْقَسَمِ وَمَا أُقْسِمَ عَلَيْهِ هُوَ تَهْدِيدُ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ إِنَّ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِمْ تَبِعَةٌ مِنْ فَتْنِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ: هُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَصْحَابَ الْأُخْدُودِ لِأَنَّهُ لَا يُلَاقِي قَوْلَهُ: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا إِذْ هُوَ تَعْرِيضٌ بِالتَّرْغِيبِ فِي التَّوْبَةِ، وَلَا يُلَاقِي دُخُولَ الْفَاءِ فِي خَبَرِ إِنَّ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَدْ عُدَّ مِنَ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ أَبُو جَهْلٍ رَأْسُ الْفِتْنَةِ وَمُسَعِّرُهَا، وَأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأُمُّ أَنْمَارٍ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمٍ.
وَالْمَفْتُونُونَ: عُدَّ مِنْهُمْ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ كَانَ عَبْدًا لِأُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَكَانَ يُعَذِّبُهُ، وَأَبُوُ فُكَيْهَةَ كَانَ عَبْدًا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَخَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ كَانَ عَبْدًا لِأُمِّ أَنْمَارٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَأَبُوهُ يَاسِرٌ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ كَانُوا عَبِيدًا لِأَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَوَكَّلَ بِهِمْ أَبَا جَهْلٍ، وَعَامِرُ بْنُ فَهَيْرَةَ كَانَ عَبْدًا لِرَجُلٍ مَنْ بَنِي تَيْمٍ.
وَالْمُؤْمِنَاتُ الْمَفْتُونَاتُ مِنْهُنَّ: حَمَامَةُ أُمُّ بِلَالٍ أَمَةُ أمة بْنِ خَلَفٍ. وَزِنِّيرَةُ، وَأُمُّ عُنَيْسٍ
كَانَتْ أَمَةً لِلْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وَالنَّهْدِيَّةُ. وَابْنَتُهَا كَانَتَا لِلْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَلَطِيفَةُ، وَلِبِينَةُ بِنْتُ فُهَيْرَةَ كَانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُهَا، وَسُمَيَّةُ أُمُّ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ كَانَتْ لِعَمِّ أَبِي جَهْلٍ.


الصفحة التالية
Icon