وَلِهَذَا قَدَّمَ الظَّرْفَ وَهُوَ فِي قُلُوبِهِمْ لِلِاهْتِمَامِ لِأَنَّ الْقُلُوبَ هِيَ مَحَلُّ الْفِكْرَةِ فِي الْخِدَاعِ فَلَمَّا كَانَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ هُوَ مُتَعَلِّقُهَا وَأَثَرُهَا كَانَ هُوَ الْمُهْتَمَّ بِهِ فِي الْجَوَابِ. وَتَنْوِينُ مَرَضٌ لِلتَّعْظِيمِ. وَأَطْلَقَ الْقُلُوبَ هُنَا عَلَى مَحَلِّ التَّفْكِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [الْبَقَرَة: ٧].
وَالْمَرَضُ حَقِيقَةٌ فِي عَارِضٍ لِلْمَزَاجِ يُخْرِجُهُ عَنِ الِاعْتِدَالِ الْخَاصِّ بِنَوْعِ ذَلِكَ الْجِسْمِ خُرُوجًا غَيْرَ تَامٍّ وَبِمِقْدَارِ الْخُرُوجِ يَشْتَدُّ الْأَلَمُ فَإِنْ تَمَّ الْخُرُوجُ فَهُوَ الْمَوْتُ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ الْعَارِضَةِ لِلْأَخْلَاقِ الْبَشَرِيَّةِ عُرُوضًا يُخْرِجُهَا عَنْ كَمَالِهَا، وَإِطْلَاقُ
الْمَرَضِ عَلَى هَذَا شَائِعٌ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَتَدْبِيرُ الْمِزَاجِ لِإِزَالَةِ هَذَا الْعَارِضِ وَالرُّجُوعِ بِهِ إِلَى اعْتِدَالِهِ هُوَ الطِّبُّ الْحَقِيقِيُّ وَمَجَازِيٌّ كَذَلِكَ قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ الْمُلَقَّبُ بِالْفَحْلِ:

فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
فَذَكَرَ الْأَدْوَاءَ وَالطِّبَّ لِفَسَادِ الْأَخْلَاقِ وَإِصْلَاحِهَا.
وَالْمُرَادُ بِالْمَرَضِ فِي هَاتِهِ الْآيَةِ هُوَ مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي اتَّصَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ مَذَمَّتِهِمْ وَبَيَانِ مَنْشَأِ مُسَاوِي أَعْمَالِهِمْ.
وَمَعْنَى فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً أَنَّ تِلْكَ الْأَخْلَاق الذميمة النَّاشِئَةَ عَنِ النِّفَاقِ وَالْمُلَازَمَةِ لَهُ كَانَتْ تَتَزَايَدُ فِيهِمْ بِتَزَايُدِ الْأَيَّامِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْأَخْلَاقِ إِذَا تَمَكَّنَتْ أَنْ تَتَزَايَدَ بِتَزَايُدِ الْأَيَّامِ حَتَّى تَصِيرَ مَلِكَاتٍ كَمَا قَالَ الْمَعْلُوطُ الْقُرَيْعِيُّ:
وَرَجِّ الْفَتَى لِلْخَيْرِ مَا إِنْ رَأَيْتَهُ عَلَى السِّنِّ خَيْرًا لَا يَزَالُ يَزِيدُ
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الشَّرِّ وَلِذَلِكَ قِيلَ: مَنْ لَمْ يَتَحَلَّمْ فِي الصِّغَرِ لَا يَتَحَلَّمْ فِي الْكِبَرِ، وَقَالَ النَّابِغَةُ يَهْجُو عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ:
فَإِنَّكَ سَوْفَ تَحْلُمُ أَوْ تَنَاهَى إِذَا مَا شِبْتَ أَوْ شَابَ الْغُرَابُ
وَإِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ مُوجِبًا لِازْدِيَادِ مَا يُقَارِنُهُ مِنْ سَيِّءِ الْأَخْلَاقِ لِأَنَّ النِّفَاقَ يَسْتُرُ الْأَخْلَاقَ الذَّمِيمَةَ فَتَكُونُ مَحْجُوبَةً عَنِ النَّاصِحِينَ وَالْمُرَبِّينَ وَالْمُرْشِدِينَ وَبِذَلِكَ تَتَأَصَّلُ وَتَتَوَالَدُ إِلَى غَيْرِ حَدٍّ فَالنِّفَاقُ فِي كَتْمِهِ مَسَاوِئَ الْأَخْلَاقِ بِمَنْزِلَةِ كَتْمِ الْمَرِيضِ دَاءَهُ عَنِ الطَّبِيبِ، وَإِلَيْكَ بَيَانُ مَا يَنْشَأُ عَنِ النِّفَاقِ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْأَخْلَاقِيَّةِ فِي الْجَدْوَلِ الْمَذْكُورِ هُنَا وَأَشَرْنَا إِلَى مَا يُشِيرُ إِلَى كُلِّ خُلُقٍ مِنْهَا فِي الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ هُنَا أَوْ فِي آيَاتٍ أُخْرَى فِي هَذَا الْجَدْوَلِ:
يَكُونُ مَوْصُوفُهَا إِلَّا مِمَّا يَعْقِلُ، وَلَكِنَّ الزَّجَّاجَ وَالزَّمَخْشَرِيَّ جَوَّزَا جَعْلَ كَافَّةً حَالًا مِنَ السِّلْمِ وَالسِّلْمُ مُؤَنَّثٌ، وَفِي «الْحَوَاشِي الْهِنْدِيَّةِ عَلَى الْمُغَنِي لْلدَّمَامِينِيِّ» أَنَّهُ وَقَعَ كَافَّةً اسْمًا لِغَيْرِ الْعَاقِلِ وَغَيْرَ حَالٍ بَلْ مُضَافًا فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِآلِ كَاكْلَةَ «قَدْ جَعَلْتُ لِآلِ كَاكْلَةَ عَلَى كَافَّةِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِكُلِّ عَامٍ مِائَتَيْ مِثْقَالٍ ذَهَبًا إِبْرِيزًا فِي كُلِّ عَامٍ».
وَاعْلَمْ أَنِّ تَحْجِيرَ مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ الْعَرَبُ إِذَا سَوَّغَتْهُ الْقَوَاعِدُ تَضْيِيقٌ فِي اللُّغَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ اتِّبَاعُ الْعَرَبِ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ أَدْخَلَ فِي الْفَصَاحَةِ لَا مُوجِبًا لِلْوُقُوفِ عِنْدَهُ دُونَ تَعَدِّيهِ فَإِذَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ نَهَضَ.
وَقَوْلُهُ: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، تَحْذِيرٌ مِمَّا يَصُدُّهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ
الْمَأْمُورِ بِهِ بِطَرِيقِ النَّهْيِ، عَنْ خِلَافِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَفَائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا يَصْدُرُ عَنِ الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ هُوَ مِنْ مَسَالِكِ الشَّيْطَانِ الْمَعْرُوفِ بِأَنَّهُ لَا يُشِيرُ بِالْخَيْرِ، فَهَذَا النَّهْيُ إِمَّا أَخَصُّ مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِ مَعَ بَيَانِ عِلَّةِ الْأَمْرِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسِّلْمِ غَيْرَ شُعَبِ الْإِسْلَامِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى مَا خَامَرَ نُفُوسَ جُمْهُورِهِمْ مِنْ كَرَاهِيَةِ إِعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ بِصُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا قَالَ عُمَرُ «أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا» وَكَمَا قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِعْلَهُ لَفَعَلْنَا وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ» بِإِعْلَامِهِمْ أَنَّ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا خَيْرًا، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى أَنَّ مَا خَامَرَ نُفُوسَهُمْ مِنْ كَرَاهِيَةِ الصُّلْحِ هُوَ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، وَإِمَّا لِمُجَرَّدِ بَيَانِ عِلَّةِ الْأَمْرِ بِالدُّخُولِ فِي السِّلْمِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسِّلْمِ شُعَبَ الْإِسْلَامِ، وَالْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى لَا تَتَّبِعُوا خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [الْبَقَرَة: ١٦٨] الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ تَفْرِيعٌ عَلَى النَّهْيِ أَيْ فَإِنِ اتَّبَعْتُمْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَزَلَلْتُمْ أَوْ فَإِنْ زَلَلْتُمْ فَاتَّبَعْتُمْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَأَرَادَ بِالزَّلَلِ الْمُخَالَفَةَ لِلنَّهْيِ.
وَأَصْلُ الزَّلَلِ الزَّلَقُ أَيِ اضْطِرَابُ الْقَدَمِ وَتَحَرُّكُهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمَقْصُودِ إِثْبَاتُهَا بِهِ، وَاسْتُعْمِلَ الزَّلَلُ هُنَا مَجَازًا فِي الضُّرِّ النَّاشِئِ عَنِ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ مِنْ بِنَاءِ التَّمْثِيلِ عَلَى التَّمْثِيلِ لِأَنَّهُ لَمَّا شُبِّهَتْ
وَقَوْلُهُ: لَوْ يُضِلُّونَكُمْ أَيْ وَدُّوا إِضْلَالَكُمْ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ وَدُّوا أَنْ يَجْعَلُوهُمْ عَلَى غَيْرِ هُدًى فِي نَظَرِ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَيْ يُذَبْذِبُوهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْإِضْلَالُ فِي نَفْسِ
الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ وِدُّ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يُهَوِّدُوهُمْ. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِنَّهُمْ إِذَا أَضَلُّوا النَّاسَ فَقَدْ صَارُوا هُمْ أَيْضًا ضَالِّينَ لِأَنَّ الْإِضْلَالَ ضَلَالٌ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ ضَالِّينَ بِرِضَاهُمْ بِالْبَقَاءِ عَلَى دِينٍ مَنْسُوخٍ وَقَوْلُهُ: وَما يَشْعُرُونَ يُنَاسِبُ الِاحْتِمَالَيْنِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بالحالتين دَقِيق.
[٧٠، ٧١]
[سُورَة آل عمرَان (٣) : الْآيَات ٧٠ إِلَى ٧١]
يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)
الْتِفَاتٌ إِلَى خِطَابِ الْيَهُودِ. وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ. وَالْآيَاتُ: الْمُعْجِزَاتُ، وَلِذَلِكَ قَالَ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ. وَإِعَادَةُ نِدَائِهِمْ بِقَوْلِهِ: يَا أَهْلَ الْكِتابِ ثَانِيَةً لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ وَتَسْجِيلِ بَاطِلِهِمْ عَلَيْهِمْ. وَلَبْسُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ تَلْبِيسُ دِينِهِمْ بِمَا أَدْخَلُوا فِيهِ مِنَ الْأَكَاذِيبِ وَالْخُرَافَاتِ وَالتَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ، حَتَّى ارْتَفَعَتِ الثِّقَةُ بِجَمِيعِهِ. وَكِتْمَانُ الْحَقِّ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كِتْمَانُهُمْ تَصْدِيقَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كِتْمَانُهُمْ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي أَمَاتُوهَا وَعَوَّضُوهَا بِأَعْمَالِ أَحْبَارِهِمْ وَآثَارِ تَأْوِيلَاتِهِمْ، وَهُمْ يَعْلَمُونَهَا وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا.
[٧٢- ٧٤]
[سُورَة آل عمرَان (٣) : الْآيَات ٧٢ الى ٧٤]
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ.
عَطْفٌ عَلَى وَدَّتْ طائِفَةٌ [آل عمرَان: ٦٩]. فَالطَّائِفَةُ الْأُولَى حَاوَلَتِ الْإِضْلَالَ بِالْمُجَاهَرَةِ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ حَاوَلَتْهُ بِالْمُخَادَعَةِ: قِيلَ أُشِيرَ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ،
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قَيْدَانِ ذُكِرَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ شَأْنَ الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ جَارِيًا عَلَى اعْتِبَارِ مَفْهُومِ الْقَيْدَيْنِ وَلَيْسَ مَفْهُومَاهُمَا بِشَرْطَيْنِ لِقَبُولِ التَّوْبَةِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ إِلَى وَهُمْ كُفَّارٌ قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ إِلَخْ، وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ هَلْ هُوَ قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ فِيهَا لِتَفَرُّعِ أَقْوَالِهِمْ فِيهَا عَلَى أَقْوَالِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ وُجُوبِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ لِلَّهِ تَعَالَى وَوُجُوبِ الْعَدْلِ. فَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالُوا: التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، وَأَحْسَبُ أَنَّ ذَلِكَ يَنْحُونَ بِهِ إِلَى أَنَّ التَّائِبَ قَدْ أَصْلَحَ حَالَهُ، وَرَغِبَ فِي اللِّحَاقِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، فَلَوْ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ ذَلِكَ لَكَانَ إِبْقَاءً لَهُ فِي الضَّلَالِ وَالْعَذَابِ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ تَعَالَى عَلَى أُصُولِهِمْ، وَهَذَا إِنْ أَرَادُوهُ كَانَ سَفْسَطَةً لِأَنَّ النَّظَرَ هُنَا فِي الْعَفْوِ عَنْ عِقَابٍ اسْتَحَقَّهُ التَّائِبُ مِنْ قَبْلِ تَوْبَتِهِ لَا فِي مَا سَيَأْتِي بِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
وأمّا عُلَمَاءُ السُّنَّةِ فَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ: فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ لِأَدِلَّةٍ سَمْعِيَّةٍ، هِيَ وَإِنْ كَانَتْ ظَوَاهِرَ، غَيْرَ أَنَّ كَثْرَتَهَا أَفَادَتِ الْقَطْعَ (كَإِفَادَةِ الْمُتَوَاتِرِ الْقَطْعَ مَعَ أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ مِنْ آحَادِ الْمُخْبِرِينَ بِهِ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، فَاجْتِمَاعُهَا هُوَ الَّذِي فَادَ الْقَطْعَ، وَفِي تَشْبِيهِ ذَلِكَ بِالتَّوَاتُرِ نَظَرٌ)، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّازِيُّ، وَابْن عَطِيَّة ووالده أَبُو بَكْرِ ابْن عَطِيَّةَ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْقَبُولَ ظَنِّيٌّ لَا قَطْعِيٌّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ
الْبَاقِلَّانِيِّ، وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، والمازري والتفتازانيّ، وَشَرَفِ الدِّينِ الْفِهْرِيِّ وَابْنِ الْفُرْسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ الظَّوَاهِرِ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ، وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ نَظَرًا.
غَيْرَ أَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ لَيْسَ مِنْ مَسَائِلِ أصُول الدَّين فَلَمَّا ذَا نَطْلُبُ فِي إِثْبَاتِهِ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ.
وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُمْ لَمَّا ذَكَرُوا الْقَبُولَ ذَكَرُوهُ عَلَى إِجْمَالِهِ، فَكَانَ اخْتِلَافُهُمُ اخْتِلَافًا فِي حَالَةٍ، فَالْقَبُولُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ معنى رَضِي اللَّهِ عَنِ التَّائِبِ، وَإِثْبَاتِهِ فِي زُمْرَةِ الْمُتَّقِينَ الصَّالِحِينَ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي نَظَرَ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ لَمَّا قَالُوا بِأَنَّ قَبُولَهَا قَطْعِيٌّ عَقْلًا. وَفِي كَونه قطعيّا، وَكَونه عقلا، نَظَرٌ وَاضِحٌ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ التَّوْبَةَ
وَصَمُّوا ثَانِيَةً غَيْرُ الَّذِينَ عَمُوا وَصَمُّوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَكَانُوا قَدْ أَوْرَثُوا أَخْلَاقَهُمْ أَبْنَاءَهُمُ اعْتُبِرُوا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، كَقَوْلِهِمْ: بَنُو فلَان لَهُم ترات مَعَ بَنِي فُلَانٍ.
وَقَوْلُهُ: كَثِيرٌ مِنْهُمْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا، قُصِدَ مِنْهُ تَخْصِيصُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ مِنْهُمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ بِأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ دَهْمَاؤُهُمْ صَدْعًا بِالْحَقِّ وَثَنَاءً عَلَى الْفَضْلِ.
وَإِذْ قَدْ كَانَ مَرْجِعُ الضَّمِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا هُوَ عَيْنَ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي قَوْلِهِ: فَعَمُوا وَصَمُّوا كَانَ الْإِبْدَالُ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ الْمُفِيدُ تَخْصِيصًا مِنْ عُمُومِهِمَا، مُفِيدًا تَخْصِيصًا مِنْ عُمُوم الضميرين الّذين قَبْلَهُمَا بِحُكْمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الضَّمَائِرِ، إِذْ قَدِ اعْتُبِرَتْ ضَمَائِرُ أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّ مَرْجِعَ تِلْكَ الضَّمَائِرِ هُوَ قَوْلُهُ بَنِي إِسْرائِيلَ [الْمَائِدَة: ٧٠]. وَمن الضّروري أنّه لَا تخلوا أُمَّةٌ ضَالَّةٌ فِي كُلِّ جِيلٍ مِنْ وُجُودِ صَالِحِينَ فِيهَا، فَقَدْ كَانَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ أَمْثَالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَكَانَ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ يُوشَعُ وَكَالِبُ اللَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ فِي شَأْنِهَا قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ [الْمَائِدَة: ٢٣].
وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ تَذْيِيلٌ. وَالْبَصِيرُ مُبَالَغَةٌ فِي الْمُبْصِرِ، كَالْحَكِيمِ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْعَلِيمِ بِكُلِّ مَا يَقَعُ فِي أَفْعَالِهِمُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُبْصِرَهَا النَّاسُ سَوَاءً مَا أَبْصَرَهُ النَّاسُ مِنْهَا أَمْ مَا لَمْ يُبْصِرُوهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ لَازِمُ مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْإِنْذَارُ وَالتَّذْكِيرُ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَهُوَ وَعِيدٌ لَهُمْ عَلَى مَا ارْتَكَبُوهُ بَعْدَ أَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَأَبُو جَعْفَر أَلَّا تَكُونَ- بِفَتْحِ نُونِ تَكُونَ عَلَى اعْتِبَارِ (أَنْ) حرف مصدر ناصب لِلْفِعْلِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَيَعْقُوبُ، وَخَلَفٌ- بِضَمِّ النُّونِ- عَلَى اعْتِبَارِ (أَنْ) مُخَفَّفَةً مِنْ (أَنَّ) أُخْتِ (إِنَّ) الْمَكْسُورَةِ الْهَمْزَةِ، وَأَنَّ
إِذَا خُفِّفَتْ يَبْطُلُ عَمَلُهَا الْمُعْتَادُ وَتَصِيرُ دَاخِلَةً عَلَى جُمْلَةٍ. وَزَعَمَ بَعْضُ النُّحَاةِ أَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ عَامِلَةٌ، وَأَنَّ اسْمَهَا مُلْتَزِمُ الْحَذْفِ، وَأَنَّ خَبَرَهَا مُلْتَزِمٌ كَوْنُهُ جُمْلَةً.
وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السَّجْدَة: ١١]، وَسُمِّيَ فِي الْآثَارِ عِزْرَائِيلُ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ لِمَلَكِ الْمَوْتَ أَعْوَانًا. فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ ظَاهِرٌ.
وَعُلِّقَ فِعْلُ التَّوَفِّي بِضَمِيرِ أَحَدَكُمُ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الذَّاتِ. وَالْمَقْصُودُ تَعْلِيقُ الْفِعْلِ بِحَالٍ مِنْ أَحْوَالِ أَحَدِكُمُ الْمُنَاسِبِ لِلتَّوَفِّي، وَهُوَ الْحَيَاةُ، أَيْ تَوَفَّتْ حَيَّاتُهُ وَخَتْمَتْهَا، وَذَلِكَ بِقَبْضِ رُوحِهِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تَوَفَّتْهُ- بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ الْفَاءِ-. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ تَوَفَّاهُ رُسُلُنَا وَهِيَ فِي الْمُصْحَفِ مَرْسُومَةٌ- بِنُتْأَةٍ بَعْدَ الْفَاءِ- فَتَصْلُحُ لِأَنَّ تَكُونُ مُثَنَّاةً فَوْقِيَّةً وَأَنْ تَكُونَ مُثَنَّاةً تَحْتِيَّةً عَلَى لُغَةِ الْإِمَالَةِ. وَهِيَ الَّتِي يُرْسَمُ بِهَا الْأَلِفَاتُ الْمُنْقَلِبَةُ عَنِ الْيَاءَاتِ. وَالْوَجْهَانِ جَائِزَانِ فِي إِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى جَمْعِ التَّكْسِيرِ.
وَجُمْلَةُ: وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ حَالٌ. وَالتَّفْرِيطُ: التَّقْصِيرُ فِي الْعَمَلِ وَالْإِضَاعَةُ فِي الذَّوَاتِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا قَدْ تَمَّ أَجْلُهُ وَلَا يُؤَخِّرُونَ تَوَفِّيَهُ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: رُدُّوا عَائِدٌ إِلَى أَحَدٍ بِاعْتِبَارِ تَنْكِيرِهِ الصَّادِقِ بِكُلِّ أَحَدٍ، أَيْ ثُمَّ يُرَدُّ الْمُتَوَفَّوْنَ إِلَى اللَّهِ. وَالْمُرَادُ رُجُوعُ النَّاسِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَيْ رُدُّوا إِلَى حُكْمِهِ مِنْ نَعِيمٍ وَعَذَابٍ، فَلَيْسَ فِي الضَّمِيرِ الْتِفَاتٌ.
وَالْمَوْلَى هُنَا بِمَعْنَى السَّيِّدِ، وَهُوَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلَى السَّيِّدِ وَعَلَى الْعَبْدِ.
والْحَقِّ- بِالْجَرِّ- صِفَةٌ لِ مَوْلاهُمُ، لِمَا فِي مَوْلاهُمُ مِنْ مَعْنَى مَالِكِهِمْ، أَيْ مَالِكِهِمُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَشُوبُ مُلْكَهُ بَاطِلٌ يُوهِنُ مُلْكَهُ. وَأَصْلُ الْحَقِّ أَنَّهُ الْأَمْرُ الثَّابِتُ فَإِنَّ كُلَّ مُلْكٍ غَيْرَ مُلْكِ الْخَالِقِيَّةِ فَهُوَ مَشُوبٌ باستقلال مَمْلُوكه عِنْد اسْتِقْلَالا تَفَاوتا، وَذَلِكَ يُوهِنُ الْمُلْكَ وَيُضْعِفُ حَقِّيَّتَهُ.
وَجُمْلَةُ: أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ تَذْيِيلٌ وَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِأَدَاةِ الِاسْتِفْتَاحِ الْمُؤْذِنَةِ بِالتَّنْبِيهِ إِلَى أَهَمِّيَّةِ الْخَبَرِ. وَالْعَرَبُ يَجْعَلُونَ التَّذْيِيلَاتِ مُشْتَمِلَةً عَلَى اهْتِمَامٍ أَوْ عُمُومٍ أَوْ كَلَامٍ جَامِعٍ.
وَ (مَنْ) فِي قَوْلِهِ: مِنْهُ لِلِابْتِدَاءِ الْمَجَازِيِّ، وَهُوَ وصف ل (أَمَنَة) لِإِفَادَةِ تَشْرِيفِ ذَلِكَ النُّعَاسِ وَأَنَّهُ وَارِدٌ مِنْ جَانِبِ الْقُدُسِ، فَهُوَ لُطْفٌ وَسَكِينَةٌ وَرَحْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَيَتَأَكَّدُ بِهِ إِسْنَادُ الْإِغْشَاءِ إِلَى اللَّهِ، عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبُوا (النُّعَاسَ)، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ إِسْنَادٌ مَخْصُوصٌ، وَلَيْسَ الْإِسْنَادُ الَّذِي يَعُمُّ الْمَقْدُورَاتِ كُلِّهَا، وَعَلَى قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعُوا (النُّعَاسَ) يَكُونُ وَصْفُ الْأَمَنَةِ بِأَنَّهَا مِنْهُ سَارِيًا إِلَى الْغَشْيِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ غَشْيٌ خَاصٌّ قُدْسِيٌّ، وَلَيْسَ مِثْلَ سَائِرِ غَشَيَانِ النُّعَاسِ فَهُوَ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ كَانَ كَرَامَةً لَهُمْ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا هُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْآيَةِ وَحَصَلَ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٥٤]، وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: «كُنْتُ فِيمَنْ تَغَشَّاهُ النُّعَاسَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي مِرَارًا».
وَذَكَرَ اللَّهُ مِنَّةً أُخْرَى جَاءَتْ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ: وَهِيَ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإِسْنَادُ هَذَا الْإِنْزَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ أَكْرَمَهُمْ بِهِ وَذَلِكَ لِكَوْنِهِ نَزَلَ فِي وَقْتِ
احْتِيَاجِهِمْ إِلَى الْمَاءِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ فِيهِ نُزُولُ الْأَمْطَارِ فِي أُفُقِهِمْ، قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ اقْتَرَبُوا مِنْ بَدْرٍ رَامُوا أَنْ يَسْبِقُوا جَيْشَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ، وَكَانَ طَرِيقُهُمْ دَهْسَاءَ أَيْ رَمْلًا لَيِّنًا، تَسُوخُ فِيهِ الْأَرْجُلُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِسْرَاعُ السَّيْرِ إِلَى الْمَاءِ وَكَانَتْ أَرْضُ طَرِيقِ الْمُشْرِكِينَ مُلَبَّدَةً، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَطَرَ تَلَبَّدَتِ الْأَرْضُ فَصَارَ السَّيْرُ أَمْكَنَ لَهُمْ، وَاسْتَوْحَلَتِ الْأَرْضُ لِلْمُشْرِكِينَ فَصَارَ السَّيْرُ فِيهَا مُتْعِبًا، فَأَمْكَنَ لِلْمُسْلِمِينَ السَّبْقُ إِلَى الْمَاءِ مِنْ بَدْرٍ وَنَزَلُوا عَلَيْهِ وَادَّخَرُوا مَاءً كَثِيرًا مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ، وَتَطَهَّرُوا وَشَرِبُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ.
و (الرجز) الْقَذَرُ، وَالْمُرَادُ الْوَسَخُ الْحِسِّيُّ وَهُوَ النَّجَسُ، وَالْمَعْنَوِيُّ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ بِالْحَدَثِ. وَالْمُرَادُ الْجَنَابَةُ، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَعُمُّ الْجَيْشَ كُلَّهُ فَلِذَلِكَ قَالَ: وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّ غَالِبَ الْجَيْشِ لَمَّا نَامُوا احْتَلَمُوا فَأَصْبَحُوا عَلَى جَنَابَةٍ وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ خَوَاطِرَ الشَّيْطَانِ يُخَيِّلُهَا لِلنَّائِمِ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ طَهَارَتَهُ بِدُونِ اخْتِيَارٍ طَمَعًا فِي تَثَاقُلِهِ عَنِ الِاغْتِسَالِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلِأَنَّ فُقْدَانَ الْمَاءِ يُلْجِئُهُمْ إِلَى الْبَقَاءِ فِي تَنَجُّسِ الثِّيَابِ وَالْأَجْسَادِ
وَكَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ ظَاهِرِ حَالِهِمْ بَيْنَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْقُرْآنُ يَنْعَتُهُمْ بِسِيمَاهُمْ كَيْلَا يَطْمَئِنَّ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَلِيَأْخُذُوا الْحِذْرَ مِنْهُمْ، فَبِذَلِكَ قُضِيَ حَقُّ الْمَصَالِحِ كُلِّهَا.
وَمِنْ أَجْلِ هَذَا الْجَرْيِ عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ اخْتَلَفَ أُسْلُوبُ التَّأْيِيسِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ بَيْنَ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ مَا فِي آيَةِ مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التَّوْبَة:
١١٣] لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كُفْرُهُمْ ظَاهِرٌ فَجَاءَ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ صَرِيحًا، وَكُفْرُ الْمُنَافِقِينَ خَفِيٌّ فَجَاءَ التَّأْيِيسُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ مَنُوطًا بِوَصْفٍ يَعْلَمُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَيَعْلَمُهُ الرَّسُولُ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَلِأَجْلِ هَذَا كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِمَنْ يَسْأَلُهُ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِئَلَّا يَكُونَ امْتِنَاعُهُ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ إِعْلَامًا بِبَاطِنِ حَالِهِ الَّذِي اقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرِيعَةِ عَدَمَ كَشْفِهِ.
وَقَالَ فِي أَبِي طَالِبٍ: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»
فَلَمَّا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ أَمْسَكَ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ.
وَكَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْجِنَازَةِ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ
وَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَسَأَلَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ كَرَامَةً لِابْنِهِ وَقَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الرَّدِّ «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ»
، أَيْ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَهْيٌ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ، فَكَانَ لِصَلَاتِهِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِغْفَارِهِ لَهُمْ حِكْمَةٌ غَيْرُ حُصُولِ الْمَغْفِرَةِ بَلْ لِمَصَالِحَ أُخْرَى، وَلَعَلَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِأَضْعَفِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي صِيغَةِ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَكَذَلِكَ فِي لَفْظِ عَدَدِ سَبْعِينَ مَرَّةً اسْتِقْصَاءً لِمَظِنَّةِ الرَّحْمَةِ عَلَى نَحْوِ مَا أَصَّلْنَاهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا لِانْتِفَاءِ الْغُفْرَانِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.
وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَكُفْرُهُمْ بِاللَّهِ هُوَ الشِّرْكُ. وَكُفْرُهُمْ بِرَسُولِهِ جَحْدُهُمْ رِسَالَتَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَاحِدَ نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَافِرٌ.
فَإِنَّ كُلَّ زِيَادَة فِي كَلَام الْبَلِيغِ يُقْصَدُ مِنْهَا مَعْنًى زَائِدٌ، وَإِلَّا لَكَانَتْ حَشْوًا فِي الْكَلَامِ وَالْكَلَامُ الْبَلِيغُ مَوْزُونٌ، وَلُغَةُ الْعَرَبِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَسَاسِ الْإِيجَازِ.
ولِمَنْ خَلْفَكَ أَيْ مَنْ وَرَاءَكَ. وَالْوَرَاءُ: هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الْمُتَأَخِّرِ وَالْبَاقِي، أَيْ مَنْ لَيْسُوا مَعَكَ. وَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ يَخْلُفُهُ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْكَهَنَةِ وَالْوُزَرَاءِ، أَيْ لِتَكُونَ ذَاتُهُ آيَةً عَلَى أَنَّ اللَّهَ غَالِبُ مَنْ أَشْرَكُوا بِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ وَأَقْهَرُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَآلِهَتِهِ فِي اعْتِقَادِ الْقِبْطِ، إِذْ يَرَوْنَ فِرْعَوْنَ الْإِلَهَ عِنْدَهُمْ طريحا على شاطيء الْبَحْرِ غَرِيقًا.
فَتِلْكَ مِيتَةٌ لَا يَسْتَطِيعُونَ مَعَهَا الدَّجَلَ بِأَنَّهُ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُتَابِعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّكَاذِيبِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَا يُغْلَبُ، وَأَنَّ الْفَرَاعِنَةَ حِينَ يَمُوتُونَ إِنَّمَا يُنْقَلُونَ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ. وَلِذَلِكَ كَانُوا يُمَوِّهُونَ عَلَى النَّاسِ فَيَبْنُونَ لَهُ الْبُيُوتَ فِي الْأَهْرَامِ وَيُودِعُونَ بِهَا لِبَاسَهُ وَطَعَامَهُ وَرِيَاشَهُ وَأَنْفَسَ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُ، فَمَوْتُهُ بِالْغَرَقِ وَهُوَ يَتَّبِعُ أَعْدَاءَهُ ميتَة لَا تووّل بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ كَوْنُهُ آيَةً لِمَنْ خَلْفَهُ عِلَّةً لِإِخْرَاجِهِ مِنْ غَمْرَةِ الْمَاءِ مَيِّتًا كَامِلًا، فَهُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُ غَرِقَ إِذَا نَظَرُوا فِي تِلْكَ الْآيَةِ.
وَلَمْ يَعْدِمْ فِرْعَوْنُ فَائِدَةً مِنْ إِيمَانِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ بِحِكْمَتِهِ قَدَّرَ لَهُ الْخُرُوجَ مِنْ غَمَرَاتِ الْمَاءِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَاءِ أَكْلَةً لِلْحِيتَانِ وَلَكِنْ لَفَظَتْهُ الْأَمْوَاجُ، وَتِلْكَ حَالَةٌ أَقَلُّ خِزْيًا مِنْ حَالَاتِ سَائِرِ جَيْشِهِ بِهَا ظَهَرَ نَفْعُ مَا لَهُ بِمَا حَصَلَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْإِيمَانِ فِي آخِرِ أَحْوَالِهِ.
وَكَلِمَةُ فَالْيَوْمَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعْنَى (الْآنَ) لِأَنَّ اسْمَ الْيَوْمِ أُطْلِقَ عَلَى جُزْءٍ مِنْ زَمَنِ الْحَالِ مَجَازًا بِعَلَاقَةِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ.
وَجُمْلَةُ: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ تَذْيِيلٌ لِمَوْعِظَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ، أَوْ وَاوُ الْحَالِ.
الضَّمِيرَانِ إِلَى مَا عَادَ إِلَيْهِ ضَمِيرُ وَقالَ أَيْ يُوسُفُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ اللَّهِ، فَالذِّكْرُ الثَّانِي غَيْرُ الذِّكْرِ الْأَوَّلِ. وَلَعَلَّ كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ مُرَادٌ، وَهُوَ مِنْ بَدِيعِ الْإِيجَازِ. وَذَلِكَ أَنَّ نِسْيَانَ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ إِلْهَامَ الْمَلِكِ تَذَكُّرِ شَأْنِهِ كَانَ مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي أُمْنِيَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا إِلَهِيًّا فِي نِسْيَانِ السَّاقِي تَذْكِيرَ الْمَلِكِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِتَابًا إِلَهِيًّا لِيُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَلَى اشْتِغَالِهِ بِعَوْنِ الْعِبَادِ دُونَ اسْتِعَانَةِ رَبِّهِ عَلَى خَلَاصِهِ.
وَلَعَلَّ فِي إِيرَادِ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ تَلَطُّفًا فِي الْخَبَرِ عَنْ يُوسُفَ- عَلَيْهِ
السَّلَامُ-، لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُوَجَّهَ فِي الْمَعَانِي الْمُوَجَّهَةِ أَلْطَفُ مِنَ الصَّرِيحِ.
وَالْبِضْعُ: مِنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ.
وَفِيمَا حَكَاهُ الْقُرْآنُ عَنْ حَالِ سجنهم مَا ينبىء عَلَى أَنَّ السِّجْنَ لَمْ يَكُنْ مَضْبُوطًا بِسِجِلٍّ يُذْكَرُ فِيهِ أَسْمَاءُ الْمَسَاجِينِ، وَأَسْبَابُ سَجْنِهِمْ، وَالْمُدَّةُ الْمَسْجُونُ إِلَيْهَا، وَلَا كَانَ مِنْ وَزَعَةِ السُّجُونِ وَلَا مِمَّنْ فَوْقَهُمْ مَنْ يَتَعَهَّدُ أَسْبَابَ السَّجْنِ وَيَفْتَقِدُ أَمْرَ الْمَسَاجِينِ وَيَرْفَعُ إِلَى الْمَلِكِ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأُسْبُوعِ أَوْ مِنَ الْعَامِ. وَهَذَا مِنَ الْإِهْمَالِ وَالتَّهَاوُنِ بِحُقُوقِ النَّاسِ وَقَدْ أَبْطَلَهُ الْإِسْلَامُ، فَإِنَّ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَنْ يَنْظُرَ الْقَاضِي أَوَّلَ مَا يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ أَمر المساجين.
[٤٣- ٤٥]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : الْآيَات ٤٣ إِلَى ٤٥]
وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)
هَذَا عَطْفُ جُزْءٍ مِنْ قِصَّةٍ عَلَى جُزْءٍ مِنْهَا تَكْمِلَةً لِوَصْفِ خَلَاصِ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنَ السِّجْنِ.
وَالسُّلْطَانُ: مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الْغُفْرَانِ، وَهُوَ التَّسَلُّطُ وَالتَّصَرُّفُ الْمَكِينُ.
فَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِيمَان مبدأ أصيل لِتَوْهِينِ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ انْدَفَعَ سُلْطَانُ الشَّيْطَانِ عَنِ الْمُؤْمِنَ الْمُتَوَكِّلِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ قَبْلَهَا يُثِيرُ سُؤَالَ سَائِلٍ يَقُولُ: فَسُلْطَانُهُ عَلَى مَنْ؟.
وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ إِنَّما قَصْرٌ إِضَافِيٌّ بِقَرِينَةِ الْمُقَابلَة، أَي دون الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَحَصَلَ بِهِ تَأْكِيدُ جُمْلَةِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِتَقْرِيرِ مَضْمُونِهَا، فَلَا يُفْهَمُ مِنَ الْقَصْرِ أَنَّهُ لَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ
وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أَهْمَلُوا التَّوَكُّلَ وَالَّذِينَ انْخَدَعُوا لِبَعْضِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ.
وَمَعْنَى يَتَوَلَّوْنَهُ يَتَّخِذُونَهُ وَلِيًّا لَهُمْ، وَهُمُ الْمُلَازِمُونَ لِلْمِلَلِ الْمُؤَسَّسَةِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْهَدْيَ الْإِلَهِيَّ عَنْ رَغْبَة فِيهَا وابتهاج بهَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ فَرِيقُ غَيْرِ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ الْمُغَايَرَةَ، وَهُمْ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَإِعَادَةُ اسْمِ الْمَوْصُولِ فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمْ لِلشَّيْطَانِ أَقْوَى.
وَعَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَجَدُّدِ التَّوَلِّي، أَيِ الَّذِينَ يُجَدِّدُونَ تَوَلِّيهِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ كُلَّمَا تَوَلَّوْهُ بِالْمَيْلِ إِلَى طَاعَتِهِ تَمَكَّنَ مِنْهُمْ سُلْطَانُهُ، وَأَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ التَّوَلِّي بالإقلاع أَو بِالتَّوْبَةِ انْسَلَخَ سُلْطَانُهُ عَلَيْهِمْ.
وَإِنَّمَا عُطِفَ وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ دُونَ إِعَادَةِ اسْمِ الْمَوْصُولِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْوَصْفَيْنِ كَصِلَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَوْصُولٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ اجْتِمَاعُ الصِّلَتَيْنِ.
وَالْبَاءُ فِي بِهِ مُشْرِكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ عَائِدٌ إِلَى الشَّيْطَانِ، أَيْ صَارُوا مُشْرِكِينَ بِسَبَبِهِ. وَلَيْسَتْ هِيَ كَالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً [سُورَة الْأَعْرَاف: ٣٣].
وَ (ذاتَ الْيَمِينِ) وَ (ذاتَ الشِّمالِ) بِمَعْنَى صَاحِبَةٍ، وَهِيَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، أَيِ الْجِهَةَ صَاحِبَةَ الْيَمِينِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذاتَ عِنْدِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [١].
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْيَمِينِ، والشِّمالِ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَيْ يَمِينِ الْكَهْفِ وَشِمَالِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَمَ الْكَهْفِ كَانَ مَفْتُوحًا إِلَى الشِّمَالِ الشَّرْقِيِّ، فَالشَّمْسُ إِذَا طَلَعَتْ تَطْلُعُ عَلَى جَانِبِ الْكَهْفِ وَلَا تَخْتَرِقُهُ أَشِعَّتُهَا، وَإِذَا غَرَبَتْ كَانَتْ أَشِعَّتُهَا أَبْعَدَ عَنْ فَمِ الْكَهْفِ مِنْهَا حِينَ طُلُوعِهَا.
وَهَذَا وَضْعٌ عَجِيبٌ يَسَّرَهُ اللَّهُ لَهُمْ بِحِكْمَتِهِ لِيَكُونَ دَاخِلَ الْكَهْفِ بِحَالَةِ اعْتِدَالٍ فَلَا يَنْتَابُ الْبِلَى أَجْسَادَهُمْ، وَذَلِكَ مِنْ آيَاتِ قُدْرَةِ اللَّهِ.
وَالْفَجْوَةُ: الْمُتَّسَعُ مِنْ دَاخِلِ الْكَهْفِ، بِحَيْثُ لَمْ يَكُونُوا قَرِيبِينَ مِنْ فَمِ الْكَهْفِ. وَفِي تِلْكَ الْفَجْوَةِ عَوْنٌ عَلَى حِفْظِ هَذَا الْكَهْفِ كَمَا هُوَ.
ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذلِكَ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنْ قَوْلِهِ: وَتَرَى الشَّمْسَ.
وَآيَاتُ اللَّهِ: دَلَائِلُ قُدْرَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِأَوْلِيَائِهِ وَمُؤَيِّدِي دِينِ الْحَقِّ.
وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ فِي خِلَالِ الْقِصَّةِ لِلتَّنْوِيهِ بِأَصْحَابِهَا.
وَالْإِشَارَةُ لِلتَّعْظِيمِ.
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِمَا اقْتَضَاهُ اسْمُ الْإِشَارَةِ مِنْ تَعْظِيمِ أَمْرِ الْآيَةِ وَأَصْحَابِهَا.
وَتَجْرِيدُ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ هَاءِ التَّنْبِيهِ اسْتِعْمَالٌ جَائِزٌ وَأَقَلُّ مِنْهُ اسْتِعْمَالُهُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ مَعَ الضَّمِيرِ دُونَ اسْمِ الْإِشَارَةِ، نَحْوَ قَوْلِ عَبْدِ بَنِي الْحَسْحَاسِ:
هَا أَنَا دُونَ الْحَبِيبِ يَا وَجَعُ وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١١٩].
وَإِسْنَادُ الْفِتَنِ إِلَى اللَّهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُقَدِّرُهُ وَخَالِقُ أَسْبَابِهِ الْبَعِيدَةِ. وَأَمَّا إِسْنَادُهُ الْحَقِيقِيُّ فَهُوَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْمُبَاشِرُ لِضَلَالِهِمُ الْمُسَبِّبِ لِفِتْنَتِهِمْ.
والسَّامِرِيُّ يَظْهَرُ أَنَّ يَاءَهُ يَاءُ نِسْبَةٍ، وَأَنَّ تَعْرِيفَهُ بِاللَّامِ لِلْعَهْدِ. فَأَمَّا النِّسْبَةُ فَأَصْلُهَا فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ أَنْ تَكُونَ إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ فَالسَّامِرِيُّ نُسِبَ إِلَى اسْمِ أَبِي قَبِيلَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ غَيْرِهِمْ يُقَارِبُ اسْمُهُ لَفْظَ سَامِرَ، وَقَدْ كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْقَدِيمَةِ (شُومَرَ) وَ (شَامِرَ) وَهُمَا يُقَارِبَانِ اسْمَ سَامِرَ لَا سِيَّمَا مَعَ التَّعْرِيبِ. وَفِي «أَنْوَارِ التَّنْزِيلِ» :«السَّامِرِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى قَبِيلَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهَا: السَّامِرَةُ» اه. أَخَذْنَا مِنْ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّ السَّامِرِيَّ مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ «مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ» فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. لِأَنَّ السَّامِرَةَ أُمَّةٌ مِنْ سُكَّانِ فِلَسْطِينَ فِي جِهَةِ نَابُلُسَ فِي عَهْدِ الدَّوْلَةِ الرُّومِيَّةِ (الْبِيزَنْطِيَّةِ) وَكَانُوا فِي فِلَسْطِينَ قَبْلَ مَصِيرِ فِلَسْطِينَ بِيَدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ امْتَزَجُوا بِالْإِسْرَائِيلِيِّينَ وَاتَّبَعُوا شَرِيعَةَ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- مَعَ تَخَالُفٍ فِي طَرِيقَتِهِمْ عَنْ طَرِيقَةِ الْيَهُودِ. فَلَيْسَ هُوَ مَنْسُوبًا إِلَى مَدِينَةِ السَّامِرَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ نَابُلُسَ لِأَنَّ مَدِينَةَ السَّامِرَةِ بَنَاهَا الْمَلِكُ (عَمْرِي) مَلِكُ مَمْلَكَةِ إِسْرَائِيلَ سَنَةَ ٩٢٥ قَبْلَ الْمَسِيحِ. وَجَعَلَهَا قَصَبَةَ مَمْلَكَتِهِ، وَسَمَّاهَا (شُومِيرُونَ) لِأَنَّهُ بَنَاهَا عَلَى جَبَلٍ اشْتَرَاهُ مِنْ رَجُلٍ اسْمُهُ (شَامِرَ) بِوَزْنَتَيْنِ مِنَ الْفِضَّةِ، فَعُرِّبَتْ
لِاسْتِغْرَاقِ الْأَزْمِنَةِ، وَفِي هَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَائِدَةً دِينِيَّةً وَهِيَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ منداد من أيمة الْمَالِكِيَّةِ (مِنْ أَهْلِ أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ) «تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْمَنْعَ مِنْ هَدْمِ كَنَائِسِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَبِيَعِهِمْ وَبُيُوتِ نَارِهِمْ» اه.
قُلْتُ: أَمَّا بُيُوتُ النَّارِ فَلَا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْعَ هَدْمِهَا فَإِنَّهَا لَا يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ وَإِنَّمَا مَنْعُ هَدْمِهَا عَقْدُ الذِّمَّةِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بَيْنَ أَهْلِهَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ الصِّفَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَسَاجِدَ خَاصَّةٍ.
وَتَقْدِيمُ الصَّوَامِعِ فِي الذِّكْرِ عَلَى مَا بَعْدَهُ لِأَنَّ صَوَامِعَ الرُّهْبَانِ كَانَتْ أَكْثَرَ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِهَا، وَكَانَتْ أَشْهَرَ عِنْدَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ بِأَضْوَائِهَا فِي أَسْفَارِهِمْ وَيَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَتَعْقِيبُهَا بِذِكْرِ الْبِيَعِ لِلْمُنَاسَبَةِ إِذْ هِيَ مَعَابِدُ النَّصَارَى مِثْلُ الصَّوَامِعِ. وَأَمَّا ذِكْرُ الصَّلَوَاتِ بَعْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ قَدْ تَهَيَّأَ الْمَقَامُ لِذِكْرِهَا، وَتَأْخِيرُ الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ، وَشَأْنُ الْعُمُومِ أَنْ يُعَقَّبَ بِهِ الْخُصُوصُ إِكْمَالًا لِلْفَائِدَةِ.
وَقَوْلُهُ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ، أَيْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِالدِّفَاعِ عَنْ دِينِهِمْ. وَضَمِنَ لَهُمُ النَّصْرَ فِي ذَلِكَ الدِّفَاعِ لِأَنَّهُمْ بِدِفَاعِهِمْ يَنْصُرُونَ دِينَ اللَّهِ، فَكَأَنَّهُمْ نَصَرُوا اللَّهَ، وَلِذَلِكَ أَكَّدَ الْجُمْلَةَ بِلَامِ الْقَسَمِ وَنُونِ التَّوْكِيدِ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعُمُومِ الشَّامِلِ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، أَيْ كَانَ نَصْرُهُمْ مَضْمُونًا لِأَنَّ نَاصِرَهُمْ قَدِيرٌ عَلَى ذَلِكَ بِالْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ. وَالْقُوَّةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْقُدْرَةِ:
وَالْعِزَّةُ هُنَا حَقِيقَةٌ لِأَنَّ الْعِزَّةَ هِيَ الْمَنَعَةُ، أَيْ عَدَمُ تَسَلُّطِ غَيْرِ صَاحِبِهَا عَلَى صَاحِبِهَا.
فَعَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الْقَسَمِ مُسْتَعْمَلًا فِي النَّهْيِ عَنْ تَكْرِيرِهِ يَكُونُ الْمَعْنَى مِنْ قَبِيلِ التَّهَكُّمِ، أَيْ لَا حُرْمَةَ لِلْقَسَمِ فَلَا تُعِيدُوهُ فَطَاعَتُكُمْ مَعْرُوفَةٌ، أَيْ مَعْرُوفٌ وَهَنُهَا وَانْتِفَاؤُهَا.
وَعَلَى احْتِمَالِ اسْتِعْمَالِ النَّهْيِ فِي عَدَمِ الْمُطَالَبَةِ بِالْيَمِينِ يكون الْمَعْنى: لماذَا تُقْسِمُونَ أَفَأَنَا أَشُكُّ فِي حَالِكُمْ فَإِنَّ طَاعَتَكُمْ مَعْرُوفَةٌ عِنْدِي، أَيْ أَعْرِفُ عَدَمَ وُقُوعِهَا، وَالْكَلَامُ تَهَكُّمٌ أَيْضًا.
وَعَلَى احْتِمَالِ اسْتِعْمَالِ النَّهْيِ فِي التَّسْوِيَةِ فَالْمَعْنَى: قَسَمُكُمْ وَنَفْيُهُ سَوَاءٌ لِأَنَّ أَيْمَانَكُمْ فَاجِرَةٌ وَطَاعَتَكُمْ مَعْرُوفَةٌ.
أَوْ يَكُونُ طاعَةٌ
مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ، أَيْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أَوْلَى مِنَ الْأَيْمَانِ، وَيَكُونُ وَصْفُ مَعْرُوفَةٌ
مُشْتَقًّا مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، أَيْ طَاعَةٌ تُعْلَمُ وَتَتَحَقَّقُ أَوْلَى مِنَ الْأَيْمَانِ عَلَى طَاعَةٍ غَيْرِ وَاقِعَةٍ، وَهُوَ كَالْعِرْفَانِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا أَعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا.
وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ فَالْمَعْنَى: لَا تُقْسِمُوا هَذَا الْقَسَمَ، أَيْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ دِيَارِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُكُمُ الطَّاعَةَ إِلَّا فِي مَعْرُوفٍ، فَيَكُونُ وَصْفُ مَعْرُوفَةٌ
مُشْتَقًّا مِنَ الْعِرْفَانِ، أَيْ عَدَمِ النُّكْرَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة: ١٢].
وَجُمْلَةُ: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
صَالِحَةٌ لِتَذْيِيلِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ تَعْلِيلٌ لما قبلهَا.
[٥٤]
[سُورَة النُّور (٢٤) : آيَة ٥٤]
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)
تَلْقِينٌ آخَرُ لِلرَّسُولِ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِمَا يَرُدُّ بُهْتَانَهُمْ بِقِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِمَوَاعِيدِهِمُ الْكَاذِبَةِ وَأَنْ يَقْتَصِرُوا مِنَ الطَّاعَةِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ
تَضَمَّنَهُ اخْتِصَامُهُمْ مِنْ مُحَاوَلَتِهِمْ إِفْحَامَهُ بِطَلَبِ نُزُولِ الْعَذَابِ. فَمَقُولُ صَالِحٍ هَذَا لَيْسَ هُوَ ابْتِدَاءَ دَعْوَتِهِ فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النَّمْل: ٤٥] وَلَكِنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا تَضَمَّنَهُ اخْتِصَامُهُمْ مَعَهُ، وَلِذَلِكَ جَاءَتْ جُمْلَةُ: قالَ يَا قَوْمِ مَفْصُولَةً جَرْيًا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَاوَرَةِ لِأَنَّهَا حِكَايَةُ جَوَابٍ عَمَّا تَضَمَّنَهُ اخْتِصَامُهُمْ.
وَاقْتَصَرَ عَلَى مُرَاجَعَةِ صَالِحٍ قَوْمَهُ فِي شَأْنِ غُرُورِهِمْ بِظَنِّهِمْ أَنَّ تَأَخُّرَ الْعَذَابِ أَمَارَةً عَلَى كَذِبِ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: فَأْتِنَا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الْأَعْرَاف:
٧٠] كَمَا حُكِيَ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ لِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا مَوْعِظَةُ قُرَيْشٍ فِي قَوْلِهِمْ: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الْأَنْفَال: ٣٢] بِحَالِ ثَمُودَ الْمُسَاوِي لِحَالِهِمْ
لِيَعْلَمُوا أَنَّ عَاقِبَةَ ذَلِكَ مُمَاثِلَةٌ لِعَاقِبَةِ ثَمُودَ لِتَمَاثُلِ الْحَالَيْنِ قَالَ تَعَالَى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [العنكبوت:
٥٣].
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ إِنْكَارٌ لِأَخْذِهِمْ بِجَانِبِ الْعَذَابِ دُونَ جَانب الرَّحْمَة.
فالسيئة: صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيْ بِالْحَالَةِ السَّيِّئَةِ، وَكَذَلِكَ الْحَسَنَةِ.
فَيَجُوزُ أَنْ يكون المُرَاد بِالسَّيِّئَةِ الْحَالَةُ السَّيِّئَةُ فِي مُعَامَلَتِهِمْ إِيَّاهُ بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ.
وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنَةِ ضِدَّ ذَلِكَ، أَيْ تَصْدِيقُهُمْ لِمَا جَاءَ بِهِ، فَالِاسْتِعْجَالُ: الْمُبَادَرَةُ. وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ. وَمَفْعُولُ تَسْتَعْجِلُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تَسْتَعْجِلُونَنِي مُتَلَبِّسِينَ بِسَيِّئَةِ التَّكْذِيبِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَخْذَهُمْ بِطَرَفِ التَّكْذِيبِ إِذْ أَعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ فِي دَلَائِلِ صِدْقِهِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ مُتَرَدِّدِينَ فِي أَمْرِي فَافْرِضُوا صِدْقِي ثُمَّ انْظُرُوا. وَهَذَا اسْتِنْزَالٌ بِهِمْ إِلَى النَّظَرِ بَدَلًا عَنِ الْإِعْرَاضِ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ فِي كَلَامِهِ بَيْنَ السَّيِّئَةِ وَالْحَسَنَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يكون المُرَاد بِالسَّيِّئَةِ الْحَالَةُ السَّيِّئَةُ الَّتِي يَتَرَقَّبُونَ حُلُولَهَا، وَهِيَ مَا سَأَلُوا مِنْ تَعْجِيلِ الْعَذَابِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَبِ الْحَسَنَةِ ضِدَّ ذَلِكَ أَيْ حَالَةُ سَلَامَتِهِمْ مِنْ حُلُول الْعَذَاب فالسيئة مَفْعُولُ تَسْتَعْجِلُونَ وَالْبَاءُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ مِثْلُ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [الْمَائِدَة: ٦].
قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى الشِّرْكِ وَلَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا ثَمَرَةً إِلَّا قِرًى أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِكَ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا! وَاللَّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ.
وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ رِيحًا شَدِيدَةً فَأَزَالَتْ خِيَامَهُمْ وَأَكْفَأَتْ قُدُورَهُمْ وَأَطْفَأَتْ نِيرَانَهُمْ، وَاخْتَلَّ أَمْرُهُمْ، وَهَلَكَ كُرَاعُهُمْ وَخُفُّهُمْ، وَحَدَثَ تَخَاذُلٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قُرَيْظَةَ وَظَنَّتْ قُرَيْشٌ أَنَّ قُرَيْظَةَ صَالَحَتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّهُمْ يَنْضَمُّونَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَالِ الْأَحْزَابِ، فَرَأَى أَهْلُ الْأَحْزَابِ الرَّأْيَ فِي أَنْ يَرْتَحِلُوا فَارْتَحَلُوا عَنِ الْمَدِينَةِ وَانْصَرَفَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ذكر تَوْطِئَة لِقَوْلِهِ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً إِلَخْ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَحَلُّ الْمِنَّةِ. وَالرِّيحُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا هِيَ رِيحُ الصَّبَا وَكَانَتْ بَارِدَةً وَقَلَعَتِ الْأَوْتَادَ وَالْأَطْنَابَ وَسَفَّتِ التُّرَابَ فِي عُيُونِهِمْ وَمَاجَتِ الْخَيْلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ وَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنْ خَيْلِهِمْ وَإِبِلِهِمْ وَشَائِهِمْ. وَفِيهَا
قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ».
وَالْجُنُودُ الَّتِي لَمْ يَرَوْهَا هِيَ جُنُودُ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ أَرْسَلُوا الرِّيحَ وَأَلْقَوُا التَّخَاذُلَ بَيْنَ
الْأَحْزَابِ وَكَانُوا وَسِيلَةَ إِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي نُفُوسِهِمْ.
وَجُمْلَةُ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً فِي مَوْقِعِ الْحَالِ مِنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ نِعْمَةَ اللَّهِ وَهِيَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ نَصَرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ لِأَنَّهُ عَلِيمٌ بِمَا لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْمُصَابَرَةِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ وَالْخُرُوجِ مِنْ دِيَارِهِمْ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَبَذْلِهِمُ النُّفُوسَ فِي نَصْرِ دِينِ اللَّهِ فَجَازَاهُمُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ الْمُبِينِ كَمَا قَالَ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الْحَج: ٤٠].
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً بِتَاءِ الْخِطَابِ. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ وَمَحْمَلُهَا عَلَى الِالْتِفَاتِ.
وَالْجُنُودُ الْأُوَّلُ جَمْعُ جُنْدٍ، وَهُوَ الْجَمْعُ الْمُتَّحِدُ الْمُتَنَاصِرُ وَلِذَلِكَ غَلَبَ عَلَى الْجَمْعِ الْمُجْتَمِعِ لِأَجْلِ الْقِتَالِ فَشَاعَ الْجُنْدُ بِمَعْنَى الْجَيْشِ. وَذَكَرَ جُنُودَ هُنَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ مَعَ

[سُورَة فاطر (٣٥) : آيَة ١٢]

وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هَذَا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)
انْتِقَالٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَحْوَالِ فِي الْأَجْوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ بِحَارٍ وَأَنْهَارٍ وَمَا فِي صِفَاتِهَا مِنْ دَلَالَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى دَلَالَةِ وُجُودِ أعيانها، على عَظِيم مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَصِيغَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أُسْلُوبٍ بَدِيعٍ إِذِ اقْتُصِرَ فِيهِ عَلَى التَّنْبِيهِ عَلَى الْحِكْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَهِيَ نَامُوسُ تَمَايُزِهَا بِخَصَائِصَ مُخْتَلِفَةٍ وَاتِّحَادِ أَنْوَاعِهَا فِي خَصَائِصَ مُتَمَاثِلَةٍ اسْتِدْلَالًا عَلَى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ: تُسْقَى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرَّعْد: ٤] وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالَ بِخَلْقِ الْبَحْرَيْنِ أَنْفُسِهِمَا لِأَنَّ ذِكْرَ اخْتِلَافِ مَذَاقِهِمَا يَسْتَلْزِمُ تَذَكُّرَ تَكْوِينِهِمَا.
فَالتَّقْدِيرُ: وَخَلَقَ الْبَحْرَيْنِ الْعَذْبَ وَالْأُجَاجَ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَخَالف بَين أعراضهما، فَفِي الْكَلَامِ إِيجَازُ حَذْفٍ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ تَفَاوُتُ الْبَحْرَيْنِ فِي الْمَذَاقِ وَاقْتُصِرَ عَلَيْهِ
لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِأَفَانِينِ الدَّلَائِلِ عَلَى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي «الْكَشَّافِ» : ضَرَبَ الْبَحْرِينِ الْعَذْبَ وَالْمَالِحَ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، ثُمَّ قَالَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ فِي صِفَةِ الْبَحْرَيْنِ وَمَا عُلِّقَ بِهِمَا مِنْ نِعْمَتِهِ وَعَطَائِهِ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا.
وَالْبَحْرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: اسْمٌ لِلْمَاءِ الْكَثِيرِ الْقَارِّ فِي سَعَةٍ، فَالْفُرَاتُ وَالدِّجْلَةُ بَحْرَانِ عَذْبَانِ وَبَحْرُ خَلِيجِ الْعَجَمِ مِلْحٌ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْبَحْرَيْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ [٥٣] وَقَدِ اتَّحَدَا فِي إِخْرَاجِ الْحِيتَانِ وَالْحِلْيَةِ، أَيِ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ، وَهُمَا يُوجَدُ أَجْوَدُهُمَا فِي بَحْرِ الْعَجَمِ حَيْثُ مَصَبُّ النَّهْرَيْنِ، وَلِمَاءِ النَّهْرَيْنِ الْعَذْبِ وَاخْتِلَاطِهِ بِمَاء الْبَحْر الْملح أَثَرٌ فِي جَوْدَةِ اللُّؤْلُؤِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فَقَوْلُهُ: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا كُلِّيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً كُلٌّ لَا كُلِّيَّةٌ لِأَنَّ مِنْ مَجْمُوعِهَا تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً. وَكَلِمَةُ كُلٍّ صَالِحَةٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، فَعَطْفُ وَتَسْتَخْرِجُونَ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادِفًا لِلِذُّكْرِ بِضَمِّ الذَّالِ وَهُوَ التَّذَكُّرُ الْفِكْرِيُّ وَمُرَاعَاةُ وَصَايَا الدِّينِ. والدَّارِ:
الدَّارُ الْآخِرَةُ.
وَعُطِفَ عَلَيْهِ: إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَبْعَثُ عَلَى ذِكْرِهِمْ بِأَنَّهُمُ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ فَقَرَّبَهُمْ إِلَيْهِ وَجَعَلَهُمْ أَخْيَارًا.
والْأَخْيارِ: جَمْعُ خَيِّرٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، أَوْ جَمْعُ خَيْرٍ بِتَخْفِيفِهَا مِثْلُ الْأَمْوَاتِ جَمْعًا لِمَيِّتٍ وَمَيْتٍ، وَكِلْتَا الصِّيغَتَيْنِ تَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْوَصْفِ فِي الْمَوْصُوف.
[٤٨]
[سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٤٨]
وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨)
فُصِلَ ذِكْرُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَدِّهِ مَعَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ وَأَخِيهِ إِسْحَاقَ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ جِدُّ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، أَيْ مُعْظَمِهَا فَإِنَّهُ أَبُو الْعَدْنَانِيِّينَ. وَجَدٌّ لِلْأُمِّ لِمُعْظَمِ الْقَحْطَانِيِّينَ لِأَنَّ زَوْجَ إِسْمَاعِيلَ جُرْهُمِيَّةٌ فَلِذَلِكَ قُطِعَ عَنْ عَطْفِهِ عَلَى ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ وَعَادَ الْكَلَامُ إِلَيْهِ هُنَا.
وَأَمَّا قَرْنُهُ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ الْيَسَعَ وَذِي الْكِفْلِ بِعَطْفِ اسْمَيْهِمَا عَلَى اسْمِهِ فَوَجْهُهُ دَقِيقٌ فِي الْبَلَاغَةِ وَلَيْسَ يَكْفِي فِي تَوْجِيهِهِ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ، لِأَنَّ التَّمَاثُلَ فِي الخيريّة والاصطفاء ثَابِتٌ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، فَلَا يَكُونُ ذِكْرُهُمَا بَعْدَ ذِكْرِ إِسْمَاعِيلَ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهِمَا مِنْ ذَوِي الْخَيْرِيَّةِ الَّذِينَ شَمِلَهُمْ لَفْظُ الْأَخْيَارِ وَالِاصْطِفَاءِ، فَإِنَّ شَرْطَ قَبُولِ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ جَامِعٌ عَقْلِيٌّ أَوْ وَهْمِيٌّ أَوْ خَيَالِيٌّ كَمَا قَالَ فِي «الْمِفْتَاحِ»، قَالَ وَمِنْ هُنَا عَابُوا أَبَا تَمَّامٍ فِي قَوْلِهِ:
لَا وَالَّذِي هُوَ عَالِمٌ أَنَّ النَّوَى صَبْرٌ وَأَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ كَرِيمُ (١)
حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ مرَارَة النَّوَى وكرم أَبِي الْحُسَيْنِ وَإِنْ كَانَا مقترنين فِي تعلق عِلْمِ اللَّهِ بِهِمَا وَذَلِكَ مُسَاوٍ لِاقْتِرَانِ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذِي الْكِفْلِ فِي أَنَّهُمْ مِنَ الْأَخْيَارِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
_________
(١) هُوَ أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْهَيْثَم بن شَبابَة أحد قواد المتَوَكل أَو الواثق وَلأبي تَمام مدائح فِيهِ كَثِيرَة.
وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنَا: الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ الْكَلَام عَنْهُم.
ف الَّذِينَ كَفَرُوا إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِقَصْدِ مَا فِي الْمَوْصُولِ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى عِلَّةِ إِذَاقَةِ الْعَذَابِ، أَيْ لِكُفْرِهِمُ الْمَحْكِيِّ بَعْضُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَإِذَاقَةُ الْعَذَابِ: تَعْذِيبُهُمْ، اسْتُعِيرَ لَهُ الْإِذَاقَةُ عَلَى طَرِيقِ الْمَكْنِيَّةِ وَالتَّخْيِيلَةِ. وَالْعَذَابِ الشَّدِيدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ عَذَابُ يَوْمِ بَدْرٍ فَهُوَ عَذَابُ الدُّنْيَا.
وَعَطْفُ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الْآخِرَةِ. وأَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ.
وَالتَّقْدِيرُ: عَلَى أَسْوَأِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ مَنْصُوبًا عَلَى النِّيَابَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ تَقْدِيرُهُ: جَزَاءً مُمَاثِلًا أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ.
وَأَسْوَأُ: اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ الْمُفَاضَلَةِ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ السَّيِّئُ، فَصِيغَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي سُوئِهِ. وَإِضَافَتُهُ إِلَى الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ إِضَافَةِ الْبَعْضِ إِلَى الْكُلِّ وَلَيْسَ مِنْ إِضَافَةِ اسْمِ التَّفْضِيلِ إِلَى الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ.
وَالْإِشَارَةُ بِ ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْجَزَاءُ وَالْعَذَابُ الشَّدِيدُ عَلَى أَسْوَأِ أَعْمَالِهِمْ. وَأَعْدَاءُ اللَّهِ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْداءُ اللَّهِ [فصلت: ١٩].
وَالنَّارُ عَطْفُ بَيَانٍ مِنْ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ.
ودارُ الْخُلْدِ: النَّارُ. فَقَوْلُهُ: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَاءَ بِالظَّرْفِيَّةِ بِتَنْزِيلِ النَّارِ مَنْزِلَةَ ظَرْفٍ لِدَارِ الْخُلْدِ وَمَا دَارُ الْخُلْدِ إِلَّا عَيْنُ النَّارِ. وَهَذَا مِنْ أُسْلُوبِ التَّجْرِيدِ لِيُفِيدَ مُبَالَغَةَ مَعْنَى الْخُلْدِ فِي النَّارِ. وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنَ الْمُحَسِّنَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الْأَحْزَاب: ٢١] وَقَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْعَتَّابِيِّ:
وَقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ بِاسْتِمْرَارٍ وَهُوَ مُنَافٍ
لِحَدِيثِ «اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»
عَلَى كُلِّ احْتِمَالٍ.
وَجُمْلَةُ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ مُعْتَرِضَةٌ. وَحَرْفُ (إِنَّ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ رَدًّا لِإِنْكَارِهِمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَرْسَلَ رُسُلًا لِلنَّاسِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَنْكَرُوا رِسَالَة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرْسِلُ رَسُولًا مِنَ الْبَشَرِ قَالَ تَعَالَى: إِذْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الْأَنْعَام: ٩١]، فَكَانَ رَدُّ إِنْكَارِهِمْ ذَلِكَ رَدًّا لِإِنْكَارِهِمْ رِسَالَة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ مُسْتَأْنَفَةً. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (إِنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ فَتَكُونُ مُغْنِيَةً غِنَاءَ فَاءِ التَّسَبُّبِ فَتُفِيدُ تَعْلِيلًا، فَتَكُونُ جُمْلَةُ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ أَنْزَلْناهُ أَيْ أَنْزَلْنَاهُ لِلْإِنْذَارِ لِأَنَّ الْإِنْذَارَ شَأْنُنَا، فَمَضْمُونُ الْجُمْلَةِ عِلَّةُ الْعِلَّةِ وَهُوَ إِيجَازٌ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى وَصْفِ مُنْذِرِينَ مَعَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُنْذِرٌ وَمُبَشِّرٌ اهْتِمَامًا بِالْإِنْذَارِ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى حَالِ جُمْهُورِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ، وَالْإِنْذَارُ يَقْتَضِي التَّبْشِيرَ لِمَنِ انْتَذَرَ. وَحُذِفَ مَفْعُولُ مُنْذِرِينَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ عَلَيْهِ، أَيْ مُنْذِرِينَ الْمُخَاطَبِينَ بِالْقُرْآنِ.
وَجُمْلَةُ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنْ تَنْكِيرِ لَيْلَةٍ.
وَوَصْفُهَا بِ مُبارَكَةٍ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا فَدَلَّ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ هَاتِهِ اللَّيْلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا ظَهَرَ فِيهَا إِنْزَالُ الْقُرْآنِ، وَفِيهَا يُفَرَقُ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. وَفِي هَذِهِ الْجُمَلِ الْأَرْبَعِ مُحَسِّنُ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ، فَفِي قَوْلِهِ: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ لَفٌّ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ أَوَّلُهُمَا: تَعْيِينُ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ، وَثَانِيهِمَا: اخْتِصَاصُ تَنْزِيلِهِ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ثُمَّ عَلَّلَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ بِجُمْلَةِ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، وَعَلَّلَ الْمَعْنَى الثَّانِي بِجُمْلَةِ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.
وَالْمُنْذِرُ: الَّذِي يُنْذِرُ، أَيْ يُخْبِرُ بِأَمْرٍ فِيهِ ضُرٍّ لِقَصْدِ أَنْ يَتَّقِيَهُ الْمُخْبَرُ بِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١١٩].
وَالْفَرْقُ: الْفَصْلُ وَالْقَضَاءُ، أَيْ فِيهَا يُفْصَلُ كُلُّ مَا يُرَادُ قَضَاؤُهُ فِي النَّاسِ وَلِهَذَا يُسَمَّى الْقُرْآنُ فُرْقَانًا، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ فِي
وَ (أَنْ جاءَهُمْ) مَجْرُورٌ بِ (مِنْ) الْمَحْذُوفَةِ مَعَ أَنْ، أَيْ عَجِبُوا مِنْ
مَجِيءِ مُنْذِرٍ مِنْهُمْ، أَوْ عَجِبُوا مِنِ ادِّعَاءِ أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.
وَعَبَّرَ عَن الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَصْفِ مُنْذِرٌ وَهُوَ الْمُخْبِرُ بِشَرٍّ سَيَكُونُ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ عَجَبَهُمْ كَانَ نَاشِئًا عَنْ صِفَتَيْنِ فِي الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ مُخْبِرٌ بِعَذَابٍ يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَيْ مُخْبِرٌ بِمَا لَا يُصَدِّقُونَ بِوُقُوعِهِ، وَإِنَّمَا أَنْذرهُمْ الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ بَعْدَ الْبَعْثِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ [سبأ: ٤٦]. وَالثَّانِيَةُ كَوْنُهُ مِنْ نَوْعِ الْبَشَرِ.
وَفَرَّعَ عَلَى التَّكْذِيبِ الْحَاصِلِ فِي نُفُوسِهِمْ ذِكْرَ مَقَالَتِهِمُ الَّتِي تُفْصِحُ عَنْهُ وَعَنْ شُبْهَتِهِمُ الْبَاطِلَةِ بِقَوْلِهِ: فَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ الْآيَةَ. وَخَصَّ هَذَا بِالْعِنَايَةِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَدْخَلُ عِنْدَهُمْ فِي الِاسْتِبْعَادِ وَأَحَقُّ بِالْإِنْكَارِ فَهُوَ الَّذِي غَرَّهُمْ فَأَحَالُوا أَنْ يُرْسِلَ الله إِلَيْهِم أحد مِنْ نَوْعِهِمْ وَلِذَلِكَ وصف الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتِدَاءً بِصِفَةِ مُنْذِرٌ قَبْلَ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ مِنْهُمْ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَا أَنْذَرَهُمْ بِهِ هُوَ الْبَاعِثُ الْأَصْلِيُّ لِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَأَنَّ كَوْنَهُ مِنْهُمْ إِنَّمَا قَوَّى الِاسْتِبْعَادَ وَالتَّعَجُّبَ.
ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ يُتَخَلَّصُ مِنْهُ إِلَى إِبْطَالِ حُجَّتِهِمْ وَإِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ: قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ إِلَى قَوْلِهِ: كَذلِكَ الْخُرُوجُ [ق: ٤- ١١]. فَقَدْ حَصَلَ فِي ضِمْنِ هَاتَيْنِ الْفَاصِلَتَيْنِ خُصُوصِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْبَلَاغَةِ: مِنْهَا إِيجَازُ الْحَذْفِ، وَمِنْهَا مَا أَفَادَهُ الْإِضْرَابُ مِنَ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الْبَعْثِ، وَمِنْهَا الْإِيجَازُ الْبَدِيعُ الْحَاصِلُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِ مُنْذِرٌ، وَمِنْهَا إِقْحَامُ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ مِنْهُمْ لِأَنَّ لِذَلِكَ مَدْخَلًا فِي تَعَجُّبِهِمْ، وَمِنْهَا الْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ، وَمِنْهَا الْإِجْمَالُ الْمُعَقَّبُ بِالتَّفْصِيلِ فِي قَوْلِهِ: هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذا مِتْنا
إِلَخْ.
وَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ فِي فَقالَ الْكافِرُونَ دُونَ: فَقَالُوا، لِتَوْسِيمِهِمْ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ، وَلِيَكُونَ فِيهِ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرَيْنِ السَّابِقَيْنِ.

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

٥٦- سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْوَاقِعَةُ بِتَسْمِيَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتُ، قَالَ:
شَيَّبَتْنِي هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كَوِّرَتْ»

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا»
، وَكَذَلِكَ سُمِّيَتْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ.
رَوَى أَحْمَدُ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ الْوَاقِعَةَ وَنَحْوَهَا مِنَ السُّورِ»
. وَهَكَذَا سُمِّيَتْ فِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ فَلَا يُعْرَفُ لَهَا اسْمٌ غَيْرُ هَذَا.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ قَالَ ابْن عَطِيَّة: «بِإِجْمَاع مَنْ يَعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَقِيلَ فِيهَا آيَاتٌ مَدَنِيَّةٌ، أَيْ نَزَلَتْ فِي السَّفَرِ، وَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ» اه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ اسْتِثْنَاءُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الْوَاقِعَة: ٨٢] نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِلَّا أَرْبَعَ آيَاتٍ: اثْنَتَانِ نَزَلَتَا فِي سَفَرِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ وَهُمَا أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الْوَاقِعَة: ٨١، ٨٢]، وَاثْنَتَانِ نَزَلَتَا فِي سَفَرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُمَا ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الْوَاقِعَة: ٣٩، ٤٠] وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ.
فَالْمُرَادُ: الْمَصَائِبُ الَّتِي أَصَابَتِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُعَامَلَةِ الْمُشْرِكِينَ فَأَنْبَأَهُمُ اللَّهُ بِمَا يُسَلِّيهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِمَا يَنَالُهُمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ «قِيلَ سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ الْكُفَّارَ قَالُوا: لَوْ كَانَ مَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ حَقًّا لَصَانَهُمُ اللَّهُ عَنِ الْمَصَائِبِ».
وَاخْتُصَّتِ الْمُصِيبَةُ فِي اسْتِعْمَالِ اللُّغَةِ بِمَا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ شَرٍّ وَضُرٍّ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ فعلهَا يُقَال كَمَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مُطْلَقًا وَلَكِنْ غَلَبَ إِطْلَاقُ فِعْلِ أَصَابَ عَلَى لِحَاقِ السُّوءِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النِّسَاء: ٧٩]، أَنَّ إِسْنَادَ الْإِصَابَةِ إِلَى الْحَسَنَةِ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ.
وَتَأْنِيثُ الْمُصِيبَةِ لِتَأْوِيلِهَا بِالْحَادِثَةِ وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٦٥].
وَالْإِذْنُ: أَصْلُهُ إِجَازَةُ الْفِعْلِ لِمَنْ يَفْعَلُهُ وَأُطْلِقَ عَلَى إِبَاحَةِ الدُّخُولِ إِلَى الْبَيْتِ وَإِزَالَةِ الْحِجَابِ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ أَذِنَ لَهُ إِذَا سَمِعَ كَلَامَهُ. وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِتَكْوِينِ أَسْبَابِ الْحَوَادِثِ. وَهِيَ الْأَسْبَابُ الَّتِي تُفْضِي فِي نِظَامِ الْعَادَةِ إِلَى وُقُوعِ وَاقِعَاتٍ، وَهِيَ مِنْ آثَارِ صُنْعِ اللَّهِ فِي نِظَامِ هَذَا الْعَالَمِ مِنْ رَبْطِ الْمُسَبِّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِمَا تُفْضِي إِلَيْهِ تِلْكَ الْأَسْبَابُ فَلَمَّا كَانَ هُوَ الَّذِي أَوْجَدَ الْأَسْبَابَ وَأَسْبَابَ أَسْبَابِهَا، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ أُصُولًا وَفُرُوعًا بِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، أُطْلِقَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَالتَّكْوِينِ لَفْظُ الْإِذْنِ، وَالْمُشَابَهَةُ ظَاهِرَةٌ، وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [الْحَدِيد: ٢٢].
وَمُقْتَضَى هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ تَقْرِيبُ حَقِيقَةِ التَّقَلُّبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ إِلَى عُقُولِ الْمُسْلِمِينَ بِاخْتِصَارِ الْعِبَارَةِ لِضِيقِ الْمَقَامِ عَنِ الْإِطْنَابِ فِي بَيَانِ الْعِلَلِ وَالْأَسْبَابِ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَ ذَلِكَ لَا تَبْلُغُ إِلَيْهِ
عقول عُمُوم الْأُمَّةِ بِسُهُولَةٍ. وَالْقَصْدُ مِنْ هَذَا تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ الصَّبْرَ عَلَى مَا يَغْلِبُهُمْ مِنْ مَصَائِبِ الْحَوَادِثِ لِكَيْلَا تَفُلَّ عَزَائِمُهُمْ وَلَا يَهِنُوا وَلَا يُلْهِيَهُمُ الْحُزْنُ عَنْ مُهِمَّاتِ أُمُورهم وتدبير شؤونهم كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْحَدِيد [٢٣] لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ.
وَلِذَلِكَ أَعْقَبَهُ هُنَا بِقَوْلِهِ: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ، أَيْ يهد قلبه عِنْد مَا تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَحَذَفَ هَذَا الْمُتَعَلِّقَ لِظُهُورِهِ مِنَ السِّيَاقِ قَالَ: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمرَان: ١٣٩، ١٤٠].
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي وَقْتِ نُزُولِهَا وَمَكَانِهِ وَفِي نِسْبَةِ مُقْتَضَاهَا مِنْ مُقْتَضَى الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَالْمَشْهُورُ الْمَوْثُوقُ بِهِ أَنَّ صَدْرَ السُّورَةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ.
وَلَا يُغْتَرُّ بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بن عبد الرحمان عَنْ عَائِشَةَ مِمَّا يُوهِمُ أَنَّ صَدْرَ السُّورَةِ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ. وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ فِي التَّزَمُّلِ بِمِرْطٍ لِعَائِشَةَ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُطَالَ الْقَوْلُ فِي أَنَّ الْقِيَامَ الَّذِي شُرِّعَ فِي صَدْرِ السُّورَةِ كَانَ قِيَامًا وَاجِبًا عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً، وَأَنَّ قِيَامَ مَنْ قَامَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ بِمَكَّةَ إِنَّمَا كَانَ تَأَسِّيًا بِهِ وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ رَأَتْ عَائِشَةُ أَنَّ فَرْضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ نَسَخَ وُجُوبَ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَهِيَ تُرِيدُ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ كَانَ فَرْضًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ، كَمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي أَنَّ أَوَّلَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْأُمَّةِ هُوَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الَّتِي فُرِضَتْ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا وُجُوبُ صَلَاةٍ عَلَى الْأُمَّةِ وَلَوْ كَانَ لجرى ذكر تعويضه بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ، وَأَنَّ جوب الْخَمْسِ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ وُجُوبِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ لَمْ يَنْسَخْهُ إِلَّا آيَةُ: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ الْآيَةَ، وَلَا أَنْ يُخْتَلَفَ فِي أَنَّ فَرْضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَمْ يَنْسَخْ فَرْضَ الْقِيَامِ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى أَنَّهُ نَسْخُ اسْتِيعَابِ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ دُونَهُ بِقَلِيل فنسخه فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْلَةَ بَاتَ فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فِيهِ:
«نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَهْلُهُ حَتَّى إِذَا كَانَ نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ» ثُمَّ وَصَفَ وُضُوءَهُ وَأَنَّهُ صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ نَامَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُنَادِي لِصَلَاةِ الصُّبْحِ
. وَابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي حُدُودِ سَنَةِ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.
وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُومُونَ مَعَهُ إِلَّا حِينَ احْتَجَزَ مَوْضِعًا مِنَ الْمَسْجِدِ لِقِيَامِهِ
فِي لَيَالِي رَمَضَانَ فَتَسَامَعَ أَصْحَابُهُ بِهِ فَجَعَلُوا يَنْسَلُّونَ إِلَى الْمَسْجِدِ ليصلّوا بِصَلَاة نبيئهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى احْتَبَسَ عَنْهُمْ فِي إِحْدَى اللَّيَالِي وَقَالَ لَهُمْ: «لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» وَذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْ جُمْلَةِ: فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى إِدْمَاجُ الْعِبْرَةِ بِتَصَارِيفِ مَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ مُخْتَلَفِ الْأَطْوَارِ مِنَ الشَّيْءِ إِلَى ضِدِّهِ لِلتَّذْكِيرِ بِالْفَنَاءِ بَعْدَ الْحَيَاةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الرّوم: ٥٤] لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مُدَّةَ نَضَارَةِ الْحَيَاةِ لِلْأَشْيَاءِ تُشْبِهُ الْمُدَّةَ الْقَصِيرَةَ، فَاسْتُعِيرَ لِعَطْفِ جَعَلَهُ غُثاءً الْحَرْفُ الْمَوْضُوعُ لِعَطْفِ مَا يَحْصُلُ فِيهِ حكم الْمَعْطُوف بعد زمن قريب من زمن حُصُول الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ إِلَى قَوْلِهِ: فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يُونُس: ٢٤].
[٦، ٧]
[سُورَة الْأَعْلَى (٨٧) : الْآيَات ٦ إِلَى ٧]
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧)
قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّسْبِيحِ فِي قَوْلِهِ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الْأَعْلَى: ١] بِشَارَةٌ إِجْمَالِيَّةٌ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْرٍ يَحْصُلُ لَهُ، فَهَذَا مَوْقِعُ الْبَيَانِ الصَّرِيحِ بِوَعْدِهِ بِأَنَّهُ سَيَعْصِمُهُ مِنْ نِسْيَانِ مَا يُقْرِئُهُ فَيُبَلِّغُهُ كَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ وَيَحْفَظُهُ مِنَ التَّفَلُّتِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا تَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ الْبِشَارَةَ تُنْشِئُ فِي نَفْسِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَقُّبًا لِوَعْدٍ بِخَيْرٍ يَأْتِيهِ فَبَشَّرَهُ بِأَنَّهُ سَيَزِيدُهُ مِنَ الْوَحْيِ، مَعَ مَا فَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ: سَنُقْرِئُكَ مِنْ قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى وَإِذ قَدْ كَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ أَوَائِلِ السُّورِ نُزُولًا. وَقَدْ
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ وَلِسَانَهُ، يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَهُ وَيَخْشَى أَنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[الْقِيَامَة: ١٦، ١٧]، إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ أَنْ تَقْرَأَهُ:
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [الْقِيَامَة: ١٨]. يَقُولُ: إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ فَاسْتَمِعْ، قَالَ: فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ
جِبْرِيلُ أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا قَرَأَ جِبْرِيلُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ»

وَسُورَةُ الْقِيَامَةِ الَّتِي مِنْهَا لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْأَعْلَى فَقَدْ تَعَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِعَوْنِهِ عَلَى حِفْظِ جَمِيعِ مَا يُوحَى إِلَيْهِ.


الصفحة التالية
Icon