عَمَلُ الْمِزَاجِ فَذَلِكَ الْمَوْتُ. فَالْمَوْتُ عَدَمٌ وَالْحَيَاةُ مَلَكَةٌ وَكِلَاهُمَا مَوْجُودٌ مَخْلُوقٌ قَالَ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ [٢].
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ الِامْتِنَانَ بل هُوَ اسْتِدْلَالٌ مَحْضٌ ذَكَرَ شَيْئًا يَعُدُّهُ النَّاسُ نِعْمَةً وَشَيْئًا لَا يَعُدُّونَهُ نِعْمَةً وَهُوَ الْمَوْتَتَانِ فَلَا يُشْكِلُ وُقُوعُ قَوْلِهِ:
أَمْواتاً وَقَوْلِهِ: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فَذَلِكَ تَفْرِيعٌ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ وَلَيْسَ هُوَ بِدَلِيلٍ إِذِ الْمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ الْحَيَاةَ الْآخِرَةَ فَهُوَ إِدْمَاجٌ وَتَعْلِيمٌ وَلَيْسَ بِاسْتِدْلَالٍ، أَوْ يَكُونُ مَا قَامَ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ حَيَاةً ثَانِيَةً قَدْ قَامَ مَقَامَ الْعِلْمِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ وُجُودَ الْخَالِقِ الْعَدْلِ الْحَكِيمِ وَرَأَى النَّاسَ لَا يَجْرُونَ عَلَى مُقْتَضَى أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ فَيَرَى الْمُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ فِي نِعْمَةٍ وَالصَّالِحَ فِي عَنَاءٍ عَلِمَ أَنَّ عَدْلَ اللَّهِ وَحِكْمَتَهُ مَا كَانَ لِيُضِيعَ عَمَلَ عَامل وَأَن هُنَا لَك حَيَاةً أَحْكَمُ وَأَعْدَلُ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ تَكُونُ أَحْوَالُ النَّاسِ فِيهَا عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ وَسُمُوِّ حَقَائِقِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَيْ يَكُونُ رُجُوعُكُمْ إِلَيْهِ، شِبْهُ الْحُضُورِ لِلْحِسَابِ بِرُجُوعِ السَّائِرِ إِلَى مَنْزِلِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَكَأَنَّهُمْ صَدَرُوا مِنْ حَضْرَتِهِ فَإِذَا أَحْيَاهُمْ بَعْدَ
الْمَوْتِ فَكَأَنَّهُمْ أَرْجَعَهُمْ إِلَيْهِ وَهَذَا إِثْبَاتٌ لِلْحَشْرِ وَالْجَزَاءِ.
وَتَقْدِيمُ الْمُتَعَلِّقِ عَلَى عَامِلِهِ مُفِيدٌ الْقَصْرَ وَهُوَ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ سِيقَ لِلْمُخَاطَبِينَ لِإِفَادَتِهِمْ ذَلِكَ إِذْ كَانُوا مُنْكِرِينَ ذَلِكَ وَفِيهِ تَأْيِيسٌ لَهُمْ مِنْ نَفْعِ أَصْنَامِهِمْ إِيَّاهُمْ إِذْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحَاجُّونَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بَعْثٌ وَحَشْرٌ فَسَيَجِدُونَ الْآلِهَةَ يَنْصُرُونَهُمْ.
وتُرْجَعُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَهُ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ اللَّهَ أَرْجَعَهُمْ وَإِنْ كَانُوا كَارِهِينَ لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ وَالْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ بِاعْتِبَارِ وُقُوعِ الرُّجُوعِ مِنْهُمْ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الِاخْتِيَارِ أَوِ الْجَبْرِ
وَالْعُرْضَةُ اسْمٌ عَلَى وَزْنِ الْفُعْلَةِ وَهُوَ وَزْنٌ دَالٌّ عَلَى الْمَفْعُولِ كَالْقُبْضَةِ وَالْمُسْكَةِ وَالْهُزْأَةِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ عَرَضَهُ إِذَا وَضَعَهُ عَلَى الْعُرْضِ أَيِ الْجَانِبِ، وَمَعْنَى الْعَرْضِ هُنَا جَعْلُ الشَّيْءِ حَاجِزًا مِنْ قَوْلِهِمْ عَرَضَ الْعُودَ عَلَى الْإِنَاءِ فَنَشَأَ عَنْ ذَلِكَ إِطْلَاقُ الْعُرْضَةِ عَلَى الْحَاجِزِ الْمُتَعَرِّضِ، وَهُوَ إِطْلَاقٌ شَائِعٌ يُسَاوِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ، وَأُطْلِقَتْ عَلَى مَا يَكْثُرُ جَمْعُ النَّاسِ حَوْلَهُ فَكَأَنَّهُ يَعْتَرِضُهُمْ عَنِ الِانْصِرَافِ وَأَنْشَدَ فِي «الْكَشَّافِ» :
وَلَا تَجْعَلُونِي عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ (١) وَالْآيَةُ تَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ.
وَاللَّام فِي قَوْله: لِأَيْمانِكُمْ لَامُ التَّعْدِيَة تتَعَلَّق بعرضة لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ:
أَيْ تَجْعَلُوا اسْمَ اللَّهِ مُعَرَّضًا لِأَيْمَانِكُمْ فَتَحْلِفُوا بِهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ ثُمَّ تَقُولُوا سَبَقَتْ مِنَّا يَمِينٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ: أَيْ لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَجْلِ أَيْمَانِكُمُ الصَّادِرَةِ عَلَى أَلَّا تَبَرُّوا.
وَالْأَيْمَانُ جَمْعُ يَمِينٍ وَهُوَ الْحَلِفُ سُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا أَخْذًا مِنَ الْيَمِينِ الَّتِي هِيَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ وَهِيَ الْيَدُ الَّتِي يَفْعَلُ بِهَا الْإِنْسَانُ مُعْظَمَ أَفْعَالِهِ، وَهِيَ اشْتُقَّتْ مِنَ الْيُمْنِ وَهُوَ الْبَرَكَةُ، لِأَنَّ الْيَدَ الْيُمْنَى يَتَيَسَّرُ بِهَا الْفِعْلُ أَحْسَنَ مِنَ الْيَدِ الْأُخْرَى، وَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا لِأَنَّ الْعَرَبَ
كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ إِذَا تَحَالَفُوا أَنْ يُمْسِكَ الْمُتَحَالِفَانِ أَحَدُهُمَا بِالْيَدِ الْيُمْنَى مِنَ الْآخَرِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الْفَتْح: ١٠] فَكَانُوا يَقُولُونَ أَعْطَى يَمِينَهُ، إِذَا أَكَّدَ الْعَهْدَ. وَشَاعَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

حَتَّى وَضَعْتُ يَمِينِي لَا أُنَازِعُهُ فِي كَفِّ ذِي يَسَرَاتِ قِيلُهُ الْقِيلُ
ثُمَّ اخْتَصَرُوا فَقَالُوا صَدَرَتْ مِنْهُ يَمِينٌ أَوْ حَلَفَ يَمِينًا، فَتَسْمِيَةُ الْحَلِفِ يَمِينًا مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مُقَارِنِهِ الْمُلَازِمِ لَهُ، أَوْ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَكَانِهِ كَمَا سَمَّوُا الْمَاءَ وَادِيًا وَإِنَّمَا الْمَحَلُّ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَحَلٌّ تَخْيِيلِيٌّ.
وَلَمَّا كَانَ غَالِبُ أَيْمَانِهِمْ فِي الْعُهُودِ وَالْحَلِفِ، وَهُوَ الَّذِي يَضَعُ فِيهِ الْمُتَعَاهِدُونَ أَيْدِيَهُمْ
_________
(١) قَالَ الطَّيِّبِيّ والتفتازاني أَوله:
دَعونِي أنح وجدا لنوح الحمائم
وَلم ينسباه. [.....]
مِنْ أَحْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً إِذَا كَانَتِ الْحَالَةُ الْمَحْكِيَّةُ مِنْ أَحْوَالِ النَّزْعِ وَقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَمَفْعُولُ تَرى مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ الْمُضَافُ. وَالتَّقْدِيرُ: وَلَوْ تَرَى الظَّالِمِينَ إِذْ هُمْ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ، أَيْ وَقْتَهُمْ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ، وَيَجُوزُ جَعْلُ (إِذِ) اسْمًا مُجَرَّدًا عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَيَكُونُ هُوَ الْمَفْعُولُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا [الْأَعْرَاف: ٨٦] فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ، وَلَوْ تَرَى زَمَنَ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ عِلْمِيَّةً لِأَنَّ الزَّمَنَ لَا يُرَى.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ تَهْوِيلُ هَذَا الْحَالِ، وَلِذَلِكَ حَذَفَ جَوَابَ (لَوْ) كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي مَقَامِ التَّهْوِيلِ. وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ. وَالتَّقْدِيرُ: لَرَأَيْتَ أَمْرًا عَظِيمًا.
وَالْغَمْرَةُ- بِفَتْحِ الْغَيْنِ- مَا يَغْمُرُ، أَيْ يَغُمُّ مِنَ الْمَاءِ فَلَا يَتْرُكُ لِلْمَغْمُورِ مَخْلَصًا.
وَشَاعَتِ اسْتِعَارَتُهَا لِلشِّدَّةِ تَشْبِيهًا بِالشِّدَّةِ الْحَاصِلَةِ لِلْغَرِيقِ حِينَ يَغْمُرُهُ الْوَادِي أَوِ السَّيْلُ حَتَّى صَارَت الغمرة حَقِيقَة عُرْفِيَّةً فِي الشِّدَّةِ الشَّدِيدَةِ.
وَجَمْعُ الْغَمَرَاتِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِتَعَدُّدِ الْغَمَرَاتِ بِعَدَدِ الظَّالِمِينَ فَتَكُونُ صِيغَةُ الْجَمْعِ مُسْتَعْمَلَةً فِي حَقِيقَتِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِقَصْدِ الْمُبَالِغَةِ فِي تَهْوِيلِ مَا يُصِيبُهُمْ بِأَنَّهُ أَصْنَافٌ مِنَ الشَّدَائِدِ هِيَ لِتَعَدُّدِ أَشْكَالِهَا وَأَحْوَالِهَا لَا يُعَبَّرُ عَنْهَا بَاسِمٍ مُفْرَدٍ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَعِيدًا بِعَذَابٍ يَلْقَوْنَهُ فِي الدُّنْيَا فِي وَقْتِ النَّزْعِ. وَلَمَّا كَانَ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٌ جُعِلَتْ غَمْرَةُ الْمَوْتِ
غَمَرَاتٍ.
وَ (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شِدَّةِ مُلَابَسَةِ الْغَمَرَاتِ لَهُمْ حَتَّى كَأَنَّهَا ظَرْفٌ يَحْوِيهِمْ وَيُحِيطُ بِهِمْ. فَالْمَوْتُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَغَمَرَاتُهُ هِيَ آلَامُ النَّزْعِ.
وَالْإِرْهَاقُ: تَعْدِيَةُ رَهَقَ، إِذَا غَشِيَ وَلَحِقَ، أَيْ لَا تُغْشِنِي عُسْرًا. وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي الْمُعَامَلَةِ بِالشِّدَّةِ.
وَالْإِرْهَاقُ: مُسْتَعَارٌ لِلْمُعَامَلَةِ وَالْمُقَابَلَةِ.
وَالْعُسْرُ: الشِّدَّةُ وَضِدُّ الْيُسْرِ. وَالْمُرَادُ هُنَا: عُسْرُ الْمُعَامَلَةِ، أَيْ عَدَمُ التَّسَامُحِ مَعَهُ فِيمَا فَعَلَهُ فَهُوَ يَسْأَلُهُ الْإِغْضَاءَ وَالصَّفْحَ.
وَالْأَمْرُ: الشَّأْنُ.
وَ (مِنْ) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ابْتِدَائِيَّةً، فَكَوْنُ الْمُرَادِ بِأَمْرِهِ نِسْيَانَهُ، أَيْ لَا تَجْعَلْ نِسْيَانِي مُنْشِئًا لِإِرْهَاقِي عُسْرًا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَيَانِيَّةً فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِأَمْرِهِ شَأْنَهُ مَعَهُ، أَيْ لَا تَجْعَلْ شَأْنِي إِرْهَاقَكَ إيَّايَ عسرا.
[٧٤]
[سُورَة الْكَهْف (١٨) : آيَة ٧٤]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤)
يَدُلُّ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ: فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً عَنِ اعْتِذَارِ مُوسَى، عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ قَبِلَ عُذْرَهُ وَانْطَلَقَا مُصْطَحِبَيْنِ.
وَالْقَوْلُ فِي نَظْمِ قَوْلِهِ: حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً كَالْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ [الْكَهْف: ٧١].
وَقَوْلُهُ: فَقَتَلَهُ تَعْقِيبٌ لِفِعْلِ لَقِيا تَأْكِيدًا لِلْمُبَادَرَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ، فَكَانَتِ الْمُبَادَرَةُ بِقَتْلِ الْغُلَامِ عِنْدَ لِقَائِهِ أَسْرَعَ مِنَ الْمُبَادَرَةِ بِخَرْقِ السَّفِينَةِ حِينَ رُكُوبِهَا.
وَكَلَامُ مُوسَى فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ جَرَى عَلَى نَسَقِ كَلَامِهِ فِي إِنْكَارِ خَرْقِ السَّفِينَةِ
الِاسْتِدْلَالِ عَلَى تَفَرُّدِ الله تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ بِدَلِيلٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ الَّتِي يُشَاهِدُهَا النَّاسُ مُشَاهَدَةً مُتَكَرِّرَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً إِلَى قَوْله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (١) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [الزمر: ٦] الْمُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ [الزمر: ٥]، وَيَكُونُ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ تَمْثِيلِ حَالِ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَانْتِفَاعِ الْمُؤْمِنِينَ إِدْمَاجًا فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ. وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ أُدْمِجَ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ إِيمَاءً إِلَى إِمْكَانِ إِحْيَاءِ النَّاسِ حَيَاةً ثَانِيَةً.
وَالْكَلَامُ اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ، وَالْخِطَابُ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لِلْخِطَابِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مُخَاطَبًا مُعَيَّنًا. وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةُ.
وَقَوْلُهُ: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فِي سُورَة الْأَنْعَام [٩٩].
وفَسَلَكَهُ أَدْخَلَهُ، أَيْ جَعَلَهُ سَالِكًا، أَيْ دَاخِلًا، فَفِعْلُ سَلَكَ هُنَا مُتَعَدٍّ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا فِي سُورَةِ طه [٥٣]، وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ أَنَّ فِعْلَ سَلَكَ يَكُونُ قَاصِرًا وَمُتَعَدِّيًا، وَهَذَا الْإِدْخَالُ دَلِيلٌ ثَانٍ.
ويَنابِيعَ جَمْعُ يَنْبُوعٍ وَهُوَ الْعَيْنُ مِنَ الْمَاءِ، تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٩٠]. وَانْتَصَبَ يَنابِيعَ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ مَاءً. وَتَصْيِيرُ الْمَاءِ الدَّاخِلِ فِي الْأَرْضِ يَنَابِيعَ دَلِيلٌ ثَالِثٌ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ.
وَعَطَفَ بِ ثُمَّ قَوْلَهُ: ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً لِإِفَادَةِ التَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ بِحَرْفِ ثُمَّ كَشَأْنِهَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ لِأَنَّ إِخْرَاجَ الزَّرْعِ مِنَ الْأَرْضِ بَعْدَ إِقْحَالِهَا أَوْقَعُ فِي نُفُوسِ النَّاسِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِأَبْصَارِهِمْ وَأَنْفَعُ لِعَيْشِهِمْ وَإِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْمَطَرِ. وَهَذَا الْإِخْرَاجُ دَلِيلٌ رَابِعٌ.
وَالْأَلْوَانُ: جَمْعُ لَوْنٍ، وَاللَّوْنُ: كَيْفِيَّةٌ لَائِحَةٌ عَلَى ظَاهِرِ الْجِسْمِ فِي الضَّوْءِ، وَتَقَدَّمَ فِي
سُورَةِ فَاطِرٍ
_________
(١) فِي المطبوعة إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.
وَتَقْدِيمُ هُمْ عَلَى يُسْتَعْتَبُونَ وَهُوَ مُسْنَدٌ فِعْلِيٌّ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ هُنَا تَعْرِيضٌ بِأَنَّ اللَّهَ يُعْتِبُ غَيْرَهُمْ، أَيْ يُرْضِي الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ يغْفر لَهُم.
[٣٦، ٣٧]
[سُورَة الجاثية (٤٥) : الْآيَات ٣٦ إِلَى ٣٧]
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)
الْفَاءُ لِتَفْرِيعِ التَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَفْرِيعًا عَلَى مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ فِيمَا خَلَقَ وَأَرْشَدَ وَسَخَّرَ وَأَقَامَ مِنْ نُظُمِ الْعَدَالَةِ، وَالْإِنْعَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ وَعِيدٍ لِلْمُعْرِضِينَ وَاحْتِجَاجٍ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ كَانَ دَالًّا عَلَى اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ وَعَلَى إِفْضَالِهِ عَلَى النَّاسِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ كَانَ حَقِيقًا بِإِنْشَاءِ قَصْرِ الْحَمْدِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مُرَادًا مِنْهُ ظَاهِرَ الْإِخْبَارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَاهُ الْكِنَائِيِّ وَهُوَ أَمْرُ النَّاسِ بِأَنْ يَقْصِرُوا الْحَمْدَ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِنْشَاءَ حَمَدٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَثَنَاءٍ عَلَيْهِ. وَكُلُّ مَا سَبَقَهُ مِنْ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ مُقْتَضٍ لِلْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٤٥].
وَتَقْدِيمُ (لِلَّهِ) لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، أَيِ الْحَمْدُ مُخْتَصٌّ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى يَعْنِي الْحَمْدُ الْحَقُّ الْكَامِلُ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ.
وَإِجْرَاءُ وَصْفِ رَبِّ السَّماواتِ عَلَى اسْمِهِ تَعَالَى إِيمَاءٌ إِلَى عِلَّةِ قَصْرِ الْحَمْدِ عَلَى اللَّهِ إِخْبَارًا وَإِنْشَاءً تَأْكِيدًا لِمَا اقْتَضَتْهُ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَعُطِفَ وَرَبِّ الْأَرْضِ بِتَكْرِيرِ لَفْظِ رَبِّ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الرُّبُوبِيَّةِ لِأَنَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَحِقُّ حَمْدُهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ فَقَدْ حَمِدُوهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ:
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: ٥]. وَأَمَّا أَهْلُ الْأَرْضِ فَمَنْ حَمِدَهُ مِنْهُمْ فَقَدْ أَدَّى حَقَّ الرُّبُوبِيَّةِ وَمَنْ حَمِدَ غَيْرَهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَدْ سَجَّلَ عَلَى نَفْسِهِ سِمَةَ الْإِبَاقِ، وَكَانَ بِمَأْوَى النَّارِ مَحَلَّ اسْتِحْقَاقٍ.

[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١١]

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)
مَوْقِعُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ وَالْبَيَانِ لِجُمْلَةِ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [الْحَدِيد:
١٠].
وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ مَنْ يُقْرِضُ اللَّهَ وَمَثَلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَزَائِهِ كَمَثَلِ الْمُسْتَسْلِفِ مَعَ مَنْ أَحْسَنَ قَرْضَهُ وَأَحْسَنَ فِي دَفْعِهِ إِلَيْهِ.
ومَنْ اسْتِفْهَامِيَّةٌ كَمَا هُوَ شَأْنُهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ وَالْمَوْصُولِ، والَّذِي يُقْرِضُ خَبَرُهَا، وذَا مُعْتَرِضَةٌ لْاسْتِحْضَارِ حَالِ الْمُقْتَرِضِ بِمَنْزِلَةِ الشَّخْصِ الْحَاضِرِ الْقَرِيبِ.
وَعَنِ الْفَرَّاءِ: (ذَا) صِلَةٌ، أَيْ زَائِدَةٌ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ مِثْلَ مَا قَالَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحَاةِ: إِنَّ (ذَا) فِي (مَاذَا) مُلْغَاةٌ، قَالَ الْفَرَّاءُ: رَأَيْتُهَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ مَنْذَا الَّذِي وَالنُّونُ مَوْصُولَةٌ بِالذَّالِ اه.
وَالْاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى التَّحْرِيضِ مَجَازًا لِأَنَّ شَأْنَ الْمُحَرِّضِ عَلَى الْفِعْلِ أَنْ يَبْحَثَ عَمَّنْ يَفْعَلُهُ وَيَتَطَلَّبُ تَعْيِينَهُ لِيَنُوطَهُ بِهِ أَوْ يُجَازِيهِ عَلَيْهِ.
وَالْقَرْضُ الْحَسَنُ: هُوَ الْقَرْضُ الْمُسْتَكْمِلُ مَحَاسِنَ نَوْعِهِ مِنْ كَوْنِهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَبَشَاشَةٍ فِي وَجْهِ الْمُسْتَقْرِضِ، وَخُلُوٍّ عَنْ كُلِّ مَا يُعَرِّضُ بِالْمِنَّةِ أَوْ بِتَضْيِيقِ أَجَلِ الْقَضَاءِ.
وَالْمُشَبَّهُ هُنَا بِالْقَرْضِ الْحَسَنِ هُوَ الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمَنْهِيُّ عَنْ تَرْكِهِ فِي قَوْلِهِ: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الْحَدِيد: ١٠].
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَيُضاعِفَهُ بِأَلِفٍ بَعْدَ الضَّادِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوب فَيُضاعِفَهُ بِدُونِ أَلِفٍ وَبِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ.
وَالْفَاءُ فِي جُمْلَةِ فَيُضاعِفَهُ لَهُ فَاءُ السَّبَبِيَّةِ لِأَنَّ الْمُضَاعَفَةَ مُسَبَّبَةٌ عَلَى الْقَرْضِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فِعْلَ يُضَاعِفُهُ مَرْفُوعًا عَلَى اعْتِبَارِهِ مَعْطُوفًا عَلَى يُقْرِضُ. وَالْمَعْنَى:
التَّحْرِيضُ عَلَى الْإِقْرَاضِ وَتَحْصِيلُ الْمُضَاعَفَةِ لِأَنَّ الْإِقْرَاضَ سَبَبُ
وَلَعَلَّ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ إِسْرَائِيلَ تَزَوَّجَهَا فِرْعَوْنُ فَكَانَتْ مُؤْمِنَةً بِرِسَالَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهَا عَمَّةُ مُوسَى، أَوْ تَكُونُ هَدَاهَا اللَّهُ إِلَى الْإِيمَان بمُوسَى كَمَا هَدَى الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ غَافِرٍ.
وسماها النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آسِيَةَ
فِي قَوْلِهِ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَأَرَادَتْ بِعَمَلِ فِرْعَوْنَ ظُلْمَهُ، أَيْ نَجِّنِي مِنْ تَبِعَةِ أَعْمَالِهِ فَيَكُونُ مَعْنَى نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ مِنْ صُحْبَتِهِ طَلَبَتْ لِنَفْسِهَا فَرَجًا وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
وَمَعْنَى قالَتْ أَنَّهَا أَعْلَنَتْ بِهِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ فِرْعَوْنَ اطَّلَعَ عَلَيْهَا وَأَعْلَنَ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ وَأَمَرَ بِتَعْذِيبِهَا فَمَاتَتْ فِي تَعْذِيبِهِ وَلَمْ تَحُسَّ أَلَمًا.
وَالْقَوْمُ الظَّالِمُونَ: هُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ. وَظُلْمُهُمْ: إِشْرَاكُهُمْ بِاللهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهَا: ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ مُؤْذِنٌ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ صَدُّوهَا عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ وزيّنوا لَهَا أَنا إِنْ آمَنَتْ بِمُوسَى تُضَيِّعْ مُلْكًا عَظِيمًا وَقَصْرًا فَخِيمًا أَوْ أَنَّ فِرْعَوْنَ وَعَظَهَا بِأَنَّهَا إِنْ أَصَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ تُقْتَلْ، فَلَا يَكُونُ مَدْفَنُهَا الْهَرَمَ الَّذِي بَنَاهُ فِرْعَوْنُ لِنَفْسِهِ لدفنه فِي بادىء الْمُلُوكِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَاهُ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ بَيْتَهَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ دُرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَتَكُونُ مُشَابِهَةَ الْهَرَمِ الَّذِي كَانَ مُعَدًّا لِحَفْظِ جُثَّتِهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَزَوْجِهَا. فَقَوْلُهَا ذَلِكَ كَقَوْلِ السَّحَرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا جَوَابًا عَنْ تَهْدِيدِ فِرْعَوْنَ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ الْآيَةَ فِي سُورَة طه [٧٢].
[١٢]
[سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ١٢]
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)
عطف على امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ، أَيْ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ، فَضَرَبَ مَثَلَيْنِ فِي الشَّرِّ وَمَثَلَيْنِ فِي الْخَيْرِ.
وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَسَبِهَا وَكَرَامَتِهَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَغَيْرِهَا،
وَصْفِ شَاكِرٍ وَوَصْفِ كَفُورٍ، فَأَحَدُ الْوَصْفَيْنِ عَلَى التَّرْدِيدِ مُقَارِنٌ لِحَالِ إِرْشَادِهِ إِلَى السَّبِيلِ، وَهِيَ مُقَارَنَةٌ عُرْفِيَّةٌ، أَيْ عَقِبُ التَّبْلِيغِ وَالتَّأَمُّلِ، فَإِنْ أَخَذَ بِالْهُدَى كَانَ شَاكِرًا وَإِنْ أَعْرَضَ كَانَ كَفُورًا كَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِإِرْشَادِ مَنْ يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ فَيَأْخُذْ فِي طَرِيقٍ يَلْقَى بِهِ السِّبَاعَ أَوِ اللُّصُوصَ، وَبِذَلِكَ تَمَّ التَّمْثِيلُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ.
[٤]
[سُورَة الْإِنْسَان (٧٦) : آيَة ٤]
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤)
أُرِيدَ التَّخَلُّصُ إِلَى جَزَاءِ الْفَرِيقَيْنِ الشَّاكِرِ وَالْكَفُورِ.
وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الْإِنْسَان: ٣] يُثِيرُ تَطَلُّعَ السَّامِعِينَ إِلَى مَعْرِفَةِ آثَارِ هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ الْمُتَرَدِّدِ حَالُهُ بَيْنَهُمَا، فَابْتُدِئَ بِجَزَاءِ الْكَافِرِ لِأَنَّ ذِكْرَهُ أَقْرَبُ.
وَأَكَّدَ الْخَبَرَ عَنِ الْوَعِيدِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِإِدْخَالِ الرَّوْعِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمُتَوَعِّدَ إِذَا أَكَّدَ كَلَامَهُ بِمُؤَكَّدٍ فَقَدْ آذَنَ بِأَنَّهُ لَا هَوَادَةَ لَهُ فِي وَعِيدِهِ.
وَأَصْلُ أَعْتَدْنا أَعْدَدْنَا، بِدَالِينِ، أَيْ هَيَّأْنَا لِلْكَافِرِينَ، يُقَالُ: اعْتَدَّ كَمَا يُقَالُ: أَعَدَّ، قَالَ تَعَالَى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يُوسُف: ٣١].
وَقَدْ تَرَدَّدَ أَيِمَّةُ اللُّغَةِ فِي أَنَّ أَصْلَ الْفِعْلِ بِدَالِينِ أَوْ بِتَاءٍ وَدَالٍ فَلَمْ يَجْزِمُوا بِأَيِّهِمَا الْأَصْلُ لِكَثْرَةِ وُرُودِ فِعْلِ: أَعَدَّ، وَفِعْلِ اعْتَدَّ فِي الْكَلَامِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا فِعْلَانِ نَشَآ مِنْ لُغَتَيْنِ غَيْرَ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ خَصَّ الْفِعْلَ ذَا التَّاءِ بِعُدَّةِ الْحَرْبِ فَقَالُوا: عَتَادُ الْحَرْبِ وَلَمْ يَقُولُوا عَدَادُ.
وَأَمَّا الْعُدَّةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ فَتَقَعُ عَلَى كُلِّ مَا يُعَدُّ وَيُهَيَّأُ، يُقَالُ: أَعَدَّ لِكُلِّ حَالٍ عُدَّةً.
وَيُطْلَقُ الْعَتَادُ عَلَى مَا يُعَدُّ مِنَ الْأُمُورِ.
وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ إِذَا أُرِيدَ الْإِدْغَامُ جِيءَ بِالْفِعْلِ الَّذِي عَيْنُهُ دَالٌ وَإِذَا وُجِدَ مُقْتَضَى فَكِّ الْإِدْغَامِ لِمُوجِبٍ مِثْلِ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ جِيءَ بِالْفِعْلِ الَّذِي عَيْنُهُ تَاءٌ.
وَالسَّلَاسِلُ: الْقُيُودُ الْمَصْنُوعَةُ مِنْ حَلَقِ الْحَدِيدِ يُقَيَّدُ بِهَا الْجُنَاةُ وَالْأَسْرَى.
وَالْأَغْلَالُ: جَمْعُ غُلٍّ بِضَمِّ الْغَيْنِ، وَهُوَ حَلْقَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ حَدِيدٍ تُوضَعُ فِي رَقَبَةِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٩٢- سُورَةُ اللَّيْلِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي مُعْظَمِ الْمَصَاحِفِ وَبَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ «سُورَةَ اللَّيْلِ» بِدُونِ وَاوٍ، وَسُمِّيَتْ فِي مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ «سُورَةَ وَاللَّيْلِ» بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ، وَعَنْوَنَهَا الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ «سُورَةَ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى».
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الْمَهْدَوِيِّ أَنَّهُ قيل: إِنَّهَا مَدِينَة، وَقيل: بَعْضُهَا مَدَنِيٌّ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْأَقْوَالَ فِي «الْإِتْقَانِ»، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ مِنْ سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى [اللَّيْل:
٥] إِذْ رُوِيَ: «أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي الدَّحْدَاحِ الْأَنْصَارِيِّ فِي نَخْلَةٍ كَانَ يَأْكُلُ أَيْتَامٌ مِنْ ثَمَرِهَا وَكَانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَمَنَعَهُمْ مِنْ ثَمَرِهَا فَاشْتَرَاهَا أَبُو الدَّحْدَاحِ بِنَخِيلٍ وَجَعَلَهَا لَهُمْ» وَسَيَأْتِي.
وَعُدَّتِ التَّاسِعَةَ فِي عِدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْأَعْلَى وَقَبْلَ سُورَةِ الْفَجْرِ.
وَعَدَدُ آيها عشرُون.
أغراضها
احْتَوَتْ عَلَى بَيَانِ شَرَفِ الْمُؤْمِنِينَ وَفَضَائِلِ أَعْمَالِهِمْ وَمَذَمَّةِ الْمُشْرِكِينَ وَمَسَاوِيهِمْ وَجَزَاءِ كُلٍّ.
وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي النَّاسَ إِلَى الْخَيْرِ فَهُوَ يَجْزِي الْمُهْتَدِينَ بِخَيْرِ الْحَيَاتَيْنِ وَالضَّالِّينَ بِعَكْسِ ذَلِكَ.
وَأَنَّهُ أَرْسَلَ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّذْكِيرِ بِاللَّهِ وَمَا عِنْدَهُ فَيَنْتَفِعُ مَنْ يَخْشَى فَيُفْلِحُ


الصفحة التالية
Icon