مُقَدِّمَةُ التَّفْسِيرِ
(الْمُقْتَبَسَةُ مِنْ دَرْسِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ بِالْمَعْنَى، مَعَ الْبَسْطِ وَالْإِيضَاحِ)
التَّكَلُّمُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِالْأَمْرِ السَّهْلِ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ وَأَهَمِّهَا، وَمَا كُلُّ صَعْبٍ يُتْرَكُ. وَلِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ النَّاسُ عَنْ طَلَبِهِ. وَوُجُوهُ الصُّعُوبَةِ كَثِيرَةٌ.
أَهَمُّهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامٌ سَمَاوِيٌّ تَنَزَّلَ مِنْ حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَا يَكْتَنِهُ كُنْهَهَا عَلَى قَلْبِ أَكْمَلِ الْأَنْبِيَاءِ. وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعَارِفَ عَالِيَةٍ، وَمَطَالِبَ سَامِيَّةٍ، لَا يُشْرِفُ عَلَيْهَا إِلَّا أَصْحَابُ النُّفُوسِ الزَّاكِيَةِ، وَالْعُقُولِ الصَّافِيَةِ، وَإِنَّ الطَّالِبَ لَهُ يَجِدُ أَمَامَهُ مِنَ الْهَيْبَةِ وَالْجَلَالِ الْفَائِضَيْنِ مِنْ حَضْرَةِ الْكَمَالِ مَا يَأْخُذُ بِتَلْبِيبِهِ، وَيَكَادُ يَحُولُ دُونَ مَطْلُوبِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى خَفَّفَ عَلَيْنَا الْأَمْرَ بِأَنْ أَمَرَنَا بِالْفَهْمِ وَالتَّعَقُّلِ لِكَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ الْكِتَابَ نُورًا وَهُدًى، مُبَيِّنًا لِلنَّاسِ شَرَائِعَهُ وَأَحْكَامَهُ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانُوا يَفْهَمُونَهُ.
وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي نَطْلُبُهُ هُوَ فَهْمُ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دِينٌ يُرْشِدُ النَّاسَ إِلَى مَا فِيهِ سَعَادَتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا وَحَيَاتِهِمُ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصِدُ الْأَعْلَى مِنْهُ، وَمَا وَرَاءَ هَذَا مِنَ الْمَبَاحِثِ تَابِعٌ لَهُ وَأَدَاةٌ أَوْ وَسِيلَةٌ لِتَحْصِيلِهِ.
التَّفْسِيرُ لَهُ وُجُوهٌ شَتَّى:
(أَحَدُهَا) : النَّظَرُ فِي أَسَالِيبِ الْكِتَابِ وَمَعَانِيهِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاغَةِ لِيُعْرَفَ بِهِ عُلُوُّ الْكَلَامِ وَامْتِيَازُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقَوْلِ، سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَقَدْ أَلَمَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَقَاصِدِ
الْأُخْرَى وَنَحَا نَحْوَهُ آخَرُونَ.
(ثَانِيهَا) : الْإِعْرَابُ: وَقَدِ اعْتَنَى بِهَذَا أَقْوَامٌ تَوَسَّعُوا فِي بَيَانِ وُجُوهِهِ وَمَا تَحْتَمِلُهُ الْأَلْفَاظُ مِنْهَا.
(ثَالِثُهَا) : تَتَبُّعُ الْقَصَصِ، وَقَدْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ أَقْوَامٌ زَادُوا فِي قَصَصِ الْقُرْآنِ مَا شَاءُوا مِنْ كُتُبِ التَّارِيخِ وَالْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَلَمْ يَعْتَمِدُوا عَلَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، بَلْ أَخَذُوا جَمِيعَ مَا سَمِعُوهُ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ غَثٍّ وَسَمِينٍ، وَلَا تَنْقِيحٍ لِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَلَا يُطَابِقُ الْعَقْلَ.


الصفحة التالية
Icon