[الجزء الثاني]

سورة مريم
مكية، ثمان وتسعون آية، تسعمائة واثنتان وستون ثلاثة آلاف وثلاثمائة وحرفان
كهيعص (١) وهو من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، وقيل: هو ثناء من الله على نفسه، وهو وصفه تعالى بأنه كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم بأمرهم، صادق في وعده. ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ، فإن جعلت كهيعص اسما للسورة على ما عليه اتفاق أكثر العلماء، فهي مبتدأ وخبره ذِكْرُ أي المسمى كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)، أي إصابة الله رحمته عبده زكريا. إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣)، فإنه أدخل في الإخلاص، وأبعد من الرياء، وأقرب إلى الخلاص، عن لوم الناس على طلب الولد في زمان الشيخوخة. قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أي ضعف بدني، وإنما أسند الضعف إلى العظم لأنه دعامة الجسد، فإذا ضعف كان غيره أضعف. وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً، أي أخذ رأسي شمطا، وقد صار مثل شواظ النار. وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) أي ولم أكن بدعائي إياك يا رب خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كلما دعوتك استجبت لي وقد توسّل سيدنا زكريا عليه السلام، بما سلف منه من الاستجابة عند كل دعوة بعد ذكر ما يتسبب للرأفة من كبر السن، وضعف الحال. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ، أي الذين يخلفونني في السياسة، وفي القيام بأمر الدين. مِنْ وَرائِي، أي بعد موتي، وهم بنو عمه عليه السلام، وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف عليه السلام أن لا يحسنوا خلافته في أمته، ويبدّلوا عليهم دينهم، وقوله: مِنْ وَرائِي متعلق بمحذوف أي فعل الموالي، أو جور الموالي لا ب «خفت» لفساد المعنى. وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي لا تلد من حين شبابها. فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ، أي أعطني من محض فضلك الواسع، وقدرتك الباهرة. وَلِيًّا (٥) أي ولدا من صلبي. يَرِثُنِي، من حيث العلم والدين والنبوة. وَيَرِثُ الملك. مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، بن إسحاق، بن إبراهيم عليه السلام، لأن زوجة زكريا هي أخت مريم، وكانت من ولد سليمان بن داود، من ولد يهوذ بن يعقوب. أما زكريا فهو من ولد هارون أخي موسى، وهما من ولد لاوى بن يعقوب بن إسحاق.


الصفحة التالية
Icon