عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ. ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ﴾ أَيْ: عَلَى طَلَبِ التَّقْوَى وَرِضَا اللَّهِ تَعَالَى خَيْرٌ ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا﴾ عَلَى شَفِيرِ، ﴿جُرُفٍ﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ "جُرْفٍ" سَاكِنَةُ الرَّاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُمَا لُغَتَانِ، وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي لَمَّ تُطْوَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْهُوَّةُ وَمَا يَجْرُفُهُ السَّيْلُ مِنَ الْأَوْدِيَةِ فَيَنْجَرِفُ (١) بِالْمَاءِ فَيَبْقَى وَاهِيًا، ﴿هَارٍ﴾ أَيْ: هَائِرٌ وَهُوَ السَّاقِطُ يُقَالُ: هَارَ يَهُورُ فَهُوَ هَائِرٌ، ثُمَّ يُقْلَبُ فَيُقَالُ: هَارٍ مِثْلُ شَاكٍ وَشَائِكٍ وَعَاقٍ وَعَائِقٍ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ يُهَارُ: إِذَا انْهَدَمَ، وَمَعْنَاهُ: السَّاقِطُ الَّذِي يَتَدَاعَى بَعْضُهُ فِي إِثْرِ بَعْضٍ، كَمَا يَنْهَارُ الرَّمْلُ وَالشَّيْءُ الرَّخْوُ. ﴿فَانْهَارَ بِهِ﴾ أَيْ: سَقَطَ بِالْبَانِي ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ يُرِيدُ بِنَاءَ هَذَا الْمَسْجِدِ الضِّرَارِ كَالْبِنَاءِ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَيَهُورُ بِأَهْلِهَا فِيهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ صَيَّرَهُمُ النِّفَاقُ إِلَى النَّارِ.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ (٢) : وَاللَّهِ مَا تَنَاهَى أَنْ وَقَعَ فِي النَّارِ، وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ حُفِرَتْ بُقْعَةٌ فِيهِ، فَرُئِيَ الدُّخَانُ يَخْرُجُ مِنْهَا. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ مِنْ مَسْجِدِ الضِّرَارِ (٣).
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) ﴾.
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً﴾ أَيْ: شَكًّا وَنِفَاقًا، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي بُنْيَانِهِ مُحْسِنِينَ كَمَا حُبِّبَ الْعِجْلُ إِلَى قَوْمِ مُوسَى. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ لِأَنَّهُمْ نَدِمُوا عَلَى بِنَائِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا يَزَالُ هَدْمُ بِنَائِهِمْ رِيبَةً وَحَزَازَةً وَغَيْظًا فِي قُلُوبِهِمْ.
﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ: تَتَصَدَّعَ قُلُوبُهُمْ فَيَمُوتُوا. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَحَمْزَةُ، وَحَفْصٌ: "تَقَطَّعَ" بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ: تَتَقَطَّعُ. وَالْآخَرُونَ بِضَمِّهَا. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَحَدَّهُ: "إِلَى أَنْ" خَفِيفٌ، عَلَى الْغَايَةِ، "تُقْطَعَ" بِضَمِّ التَّاءِ، خَفِيفٌ، مِنَ الْقَطْعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ: لَا يَزَالُونَ فِي شَكٍّ مِنْهُ إِلَى أَنْ
(٢) تفسير الطبري: ١٤ / ٤٩٢-٤٩٣.
(٣) أخرجه الطبري: ١٤ / ٤٩٥، وصححه الحاكم: ٤ / ٥٩٦ ووافقه الذهبي، وزاد السيوطي نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. الدر المنثور: ٤ / ٢٩٢، وعزاه ابن حجر في المطالب العالية: ٣ / ٣٤٠ لمسدد بزيادة.