إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَتْ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا فِي النِّسَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (١) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ مَلَائِكَةً لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَنْكِحُونَ.
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هَذَا جَوَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ. ثُمَّ قَالَ:
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ يَقُولُ: لِكُلِّ أَمْرٍ قَضَاهُ اللَّهُ كِتَابٌ قَدْ كَتَبَهُ فِيهِ وَوَقْتٌ يَقَعُ فِيهِ.
وَقِيلَ: لِكُلِّ آجِلٍ أَجَّلَهُ اللَّهُ كِتَابٌ أُثْبِتَ فِيهِ. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: أَيْ، لِكُلِّ كِتَابٍ أَجَلٌ وَمُدَّةٌ، أَيِ: الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَقْتٌ يَنْزِلُ فِيهِ.
﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) ﴾.
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ " وَيُثْبِتُ " بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ:
فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الشَّرَائِعِ وَالْفَرَائِضِ فَيَنْسَخُهُ وَيُبَدِّلُهُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا فَلَا يَنْسَخُهُ (٢).
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ إِلَّا الرِّزْقَ وَالْأَجَلَ وَالسَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ (٣).
وَرَوَيْنَا عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ، أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ" (٤).
وَعَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-أَنَّهُمَا قَالَا يَمْحُو السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ أَيْضًا، وَيَمْحُو الرِّزْقَ وَالْأَجَلَ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ فَأَثْبِتْنِي فِيهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ الشَّقَاوَةَ فَامْحُنِي، وَأَثْبِتْنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ. وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
(٢) أخرجه الطبري: ١٦ / ٣٩-٤٠.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٤٨٥-٤٨٦، وسائر الأقوال في تفسير الآية في الصفحات التالية منه، وانظر: الدر المنثور: ٤ / ٦٥٩-٦٦٥.
(٤) أخرجه مسلم في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، برقم (٢٦٤٤) : ٤ / ٢٠٣٧.