سورة «عبس»
وبعد أن تعرفنا على مجموعة المسائل التى عرضتها سورة النجم؛ ومنها ما يتعلق بالوحى وتنزيه النبى صلّى الله عليه وسلم عن الضلال، والاطمئنان على مسيرة الوحى من الله سبحانه إلى رسوله صلّى الله عليه وسلم، وأن طريق المعرفة اليقينية بعلم الغيب هو ما يخبر به رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن ربه، وتعرفنا على حال الناس مع وحى الله بين مستجيب ومعرض ووصف المستجيبين والمعرضين تثبيتا لمن استجاب وتوجيها وتحريكا لمن أعرض حتى يفكر فى أمر نفسه ونجاتها لعله أن يهتدى. والإعانة على ذلك بتقديم مجموعة من آيات الله سبحانه فى الكون وفى النفس وفى سننه مع خلقه وفى المعاش والمعاد.
تستمر سورة «عبس» فى مخاطبة المستجيبين والمعرضين لتربية الفرد والجماعة، ولإرساء قيم الإسلام فى حياة الناس وسلوكهم. فهى مكية فى قول الجميع، ونزلت بعد سورة «النجم» واسمها من أول كلمة فيها تحكى حدثا ملفتا فمن الذى «عبس» أى قبض وجهه تكرها- كما يقول الطبرى «١»؟ إنه صاحب الخلق العظيم والذى عرف بالرحمة واللين. ولذلك فإن السورة الكريمة تثير الانتباه، وتربى بموقف من مواقف الدعوة يتعرض لقيم عاش عليها الناس قبل الإسلام، وتحكمت في حياتهم وأوقعتهم فى كثير من المظالم، فليكن هذا التوجيه بارزا بهذا الموقف، وليكن الطرف الأهم فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم والطرف الثانى رجل من أتباعه أسلم وحسن إسلامه وذاق حلاوة النقلة إلى وحى الله والعيش فى ظل طاعته، وطلب المزيد مما يزكى قلبه فجاء يسعى وهو يخشى يطلب الذكرى كشأن من ذاق حلاوة الإيمان من المؤمنين فقد سارت الدعوة وجرت فى دمائهم وصارت حلاوة الإيمان فوق ما يواجهون به من تحديات. وجاء وصف هذا الطرف الثانى للموقف بأنه أعمى. وهذا الوصف يفيد فائدتين: الأولى: التنبيه إلى القيمة الاجتماعية التى تكون لمثله فى مجتمع ما قبل الإسلام وقيمه. الفائدة الثانية:
بيان ما يمكن أن يكون من نتائج العلاقة بين «عبس» و «الأعمى» فإن الذى لا يرى لن يكون تأثيره بقبض الوجه تكرها كتأثير غيره.

(١) تفسير الطبرى ٣٠/ ٥٠.


الصفحة التالية
Icon