الرُّطبة: خرجت عن قِشرها). ومنه سميت الفأرة فُوَيْسِقة لخروجها عن جُحرها (١). وفى التنزيل: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أي خرج عن طاعته واتباع أمره. فسمي الكافر أو المنافق فاسقًا لخروجه عن طاعة ربه.
فيكون المعنى كما قال ابن جرير: (وما يُضل الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق، إلا الخارجين عن طاعته، والتاركين اتباعَ أمره، من أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضلال من أهل النفاق).
ولا شك أن المراد بالآية الفاسق الكافر، فإن الفاسق يشمل الكافر والعاصي ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، ويدل على ذلك قوله تعالى في الآية بعدها ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقد تكرر ذكر هذه الصفات للكفار المباينة لصفات المؤمنين في سورة الرعد. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾. إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾.
أصل النقض في كلام العرب إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد.
قال الرازي: (والنُّقَاضة بالضم ما نُقِضَ من حَبْل الشَّعْر. و (المناقضة) في القول أن يتكلم بما يتناقض معناه).
واختلف في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه على أقوال:
القول الأول: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه وعلى لسان رسوله - ﷺ -. ونقضُهم ذلك، تركُهم العمل به.
القول الثاني: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، فقد نقضوا عهد الله