وقوله ﴿أَبَى﴾ أي امتنع من السجود لآدم ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي تعظَّمَ وتكبَّر عن طاعة الله في أمره بذلك، وهذا الاستكبار هو أول ذنب عُصِيَ الله به، وهو من أقبح الأفعال التي تسخط الله سبحانه وتُهَدِّدُ العبد في مصيره.
ففي صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: [لا يدخل الجنة منْ كان في قلبه مِثْقال ذرَّة من كبْرٍ. قال رجل: إنَّ الرجل يُحِبُّ أن يكونَ ثَوْبُه حَسَنًا، ونَعْلُهُ حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس] (١).
قال ابن جرير: (وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه جبرًا عن إبليس، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقياد لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق. وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله، والتذلل لطاعته، والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم -اليهودُ الذين كانوا بين ظهراني مُهَاجَرِ رسول الله - ﷺ -، وأحبارُهم الذين كانوا برسول الله - ﷺ - وصِفته عارفين، وبأنه لله رسولٌ عَالِمين. ثم استكبروا -مع علمهم بذلك- عن الإقرار بنبوّته، والإذعان لطاعته، بَغْيًا منهم له وحسدًا. فقرّعهم الله بخبره عن إبليس الذي فعل في استكباره عن السجود لآدم حسدًا له وبغيًا، نظيرَ فعلهم في التكبر عن الإذعان لمحمد نبي الله - ﷺ - ونبوته، إذ جاءهم بالحق من عند ربهم حسدًا وبغيًا).
وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا قرأ ابنُ آدم السَّجْدَة فسَجَدَ، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا وَيْلَهُ (وفي رواية: يا وَيْلي)! أُمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبَيْتُ فلِيَ النار] (٢). وفي لفظ: (فعصيت فلِيَ النار).
وقوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
قال عبد الله بن بُريدة: (من الذين أبوا، فأحرقتهم النار).
وقال أبو العالية: (يعني من العاصين).

(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٩١) - كتاب الإيمان. باب تحريم الكبر وبيانه.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨١) - كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، ورواه أحمد وابن ماجة، انظر صحيح الجامع (٧٤٠).


الصفحة التالية
Icon