ضوء البرق لاستقامته على نور إيمانه، وقيامَه في الظلام لحيرته في ضلالته وارتكاسه في عَمَهه.
قال القرطبي رحمه الله: (حذَرَ وحِذار بمعنىً، وقرئ بهما. قال سيبويه: هو منصوب لأنه موقوع له أي مفعول من أجله، وحقيقته أنه مصدر) (١).
قلت: وخلاصة المعنى: إن مثل ظاهر إيمان المنافقين وما أظهروه من القول مثل المطر يصاحبه ظلمات ورعد وبرق وصواعق، فالظلمات مثل لما استبطنوه من الشك والتكذيب وأمراض القلوب، والبرق مثل لنور الإيمان الذي يسطع - أحيانًا - نتيجة تكلمهم بظاهر الحق أو محاولتهم التصديق، وأما الرعد والصواعق فهي مثل ما هم عليه من الوجل مما يترتب عليهم من عقوبة وخزي في الدنيا إذا انكشف أمرهم، فهم يتقون وعيد الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله - ﷺ - بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقي الخائف أصوات الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها، حذرًا على نفسه منها والله محيط بهم وجامعهم في جهنم.
ثم قال سبحانه: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.
الخَطْف في لغة العرب: الاستِلاب. يقال: (برق خاطِف لنور الأبصار) - حكاه الرازي.
فجعل سبحانه ضوء البرق وشدة لمعانه كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله - ﷺ - وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشعاعِ نوره.
قال ابن عباس: (يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين).
وقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي لشدة ضوء الحق ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقول: كلما أصاب المنافقين من عِزِّ الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا أصاب الإسلامِ نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ... ﴾ الآية (٢)).
وقال ابن عباس أيضًا: (أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على

(١) وقال الفراء: هو منصوب على التمييز. وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال القرطبي: أي عالم بهم.
(٢) الحج (١١).


الصفحة التالية
Icon