عَلَى الْعَالمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)}.
في هذه الآيات: يخاطب الله اليهود بين ظهراني رسول الله مذكرًا لهم سالفَ نعمه على آبائهم وأسلافهم، ثم محذرًا بطشه وحلول نقمته فيهم إن هم أغفلوا هذه النعم واتبعوا أهواءهم.
وأما نعمه عليهم فكثيرة، منها: إرسال الرسل منهم، ومنها: إنزال الكتب عليهم وتفضيلهم على سائر الأمم من أهل زمانهم.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠].
وقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ﴾.
فيه أقوال متكاملة:
١ - عن قتادة قال: (فضلهم على عالم ذلك الزمان).
٢ - عن أبي العالية قال: (بما أُعْطوا من الملك والرسل والكتب، على عالم مَنْ كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عَالمًا).
٣ - عن مجاهد قال: (على من هم بين ظَهْرانيه).
قلت: ولا شك أن هذا التفضيل مرحلي يخص ذلك الزمان، وإلا فأمة محمد - ﷺ - أفضل منهم لقوله جل ذكره: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠].
ويؤيد هذا ما روى ابن جرير بسنده عن ابن وهب قال: (سألت ابن زيد عن قول الله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ﴾، قال: عالم أهل ذلك الزمان. وقرأ قول الله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. قال: هذه لمن أطاعه واتبع أمره، وقد كان فيهم القردةُ، وهم أبغض خلقه إليه، وقال لهذه الأمة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ


الصفحة التالية
Icon