وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾.
قال قتادة: (استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة).
فلا يُفَتَّرُ عنهم العذاب ساعة واحدة يوم يُقْتَصُّ منهم في نار جهنم، وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب المستمر ولا يجيرهم منه.
٨٧ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾.
في هذه الآيات: يخبر سبحانه أنه آتى موسى التوراة ثم أردف الرسل بعده على منهاجها - منهاج الدين الحق -، وأَتى عيسى الحجج وأظهر على يديه دلائل النبوة وأيده بجبريل عليه السلام، ثم هؤلاء اليهود كلما جاءهم رسول بغير ما تهواه أنفسهم لجؤوا إلى البغي والتكبر والقتل. وقالوا: قلوبنا في أغطية بل ختم الله عليها وحجب عنها الإيمان. ولما جاءهم القرآن على لسان محمد - ﷺ - وكانوا يستطيلون على المشركين باقتراب نبي يبعث يقتلونهم معه تنكروا له وكفروا به، فلعنة الله على الكافرين.
فقوله: ﴿وَآتَيْنَا﴾ بمعنى: أنزلنا، وقوله: ﴿وَقَفِيِّنَا﴾ بمعنى: وأردفنا. من قَفَوْتُ فلانًا: إذا صرت خلف قفاه. قال ابن جرير: (وإنما يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، أي: أتبعنا بعضهم بعضًا على منهاج واحد وشريعة واحدة. لأنَّ كلَّ من بعثه الله نبيًّا بعد موسى - ﷺ - إلى زمان عيسى بن مريم، فإنما بعثه بأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة، والعمل بما فيها، والدعاء إلى ما فيها).