فقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.
فيه دلالة أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة.
قال قتادة:
(لا يقْتُلْ بعضكم بعضًا | ونفسك يا ابن آدم أهل ملَّتك). |
وقال قتادة:
(لا يقتل بعضكم بعضًا بغير حق | فتسفك يا بن آدم دماء أهل ملَّتك ودعوتك). |
قال أبو العالية: (يقول: أقررتم بهذا الميثاق، وأنتم شهود). وقيل المراد: وأنتم شهداء بقلوبكم على هذا. وقيل: بل الشهادة بمعنى الحضور، أي تحضرون سفك دمائكم، وإخراج أنفسكم من دياركم.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
التقدير: ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم. قال ابن عباس: (أَنَّبَهُم الله بذلك من فعلهم، وقد حُرِّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقي: طائفة منهم بنو قينقاع وهم حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة وهم حلفاء "الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يُظَاهر كلّ واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بيمهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شِرْكٍ يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنَّة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا، ولا حلالًا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة وأخذًا به، بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم، وقتلوا مَنْ قَتَلوا منهم فيما بينهم، مظاهرةً لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حيث أنبأهم بذلك: {أَفَتُؤْمِنُونَ