ومن يطيعني، قال: وقد سبق من الله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه، فقال: فلما رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقروا له بالفضل).
اختار ابن جرير قول ابن عباس، قال: (والذي أظهروه بألسنتهم.. قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ـ، والذي كانوا يكتمونه، ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أمره، والتكبر عن طاعته).
وهذا يصح في كلام العرب، أن يخرجوا الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤]، وذكر أن الذي نادى كان واحدًا من بني تميم. ومثله قوله تعالى: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قلت: والذي أميل إليه أن تبقى الآية عامة دون تخصيص لقول دون قول، أو موقف دون آخر، فهو سبحانه يخبر الملائكة بعد هذا المشهد الذي وضعهم فيه أمام آدم أنه جل ذكره يعلم ما يظهرونه بألسنتهم وما كانوا يخفونه في أنفسهم. ولا شك أن هذا المشهد يدل الله به على فضل العلم وأهله، ومن ثم فإن الملائكة بعد ذلك لتضع أجنحتها رِضًا لطالب العلم، أي تخضع وتتواضع، وإنما تفعل ذلك خاصة لأهل العلم.
فقد أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [من سَلَكَ طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع] (١). وفي لفظ: [بما يطلب].
وفي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني بإسناد جيد واللفظ له عن صفوان بن عَسَّالٍ المُرادي رضي الله عنه قال: [أتيت النبي - ﷺ - وهو في المسجد مُتكئٌ على بُردٍ له أحمرَ، فقلت له: يا رسول الله! إني جئتُ أطلبُ العلمَ. فقال: مرحبًا بطالب علم،

(١) حديث حسن. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٠٩٦)، وصحيح سنن الترمذي (٢١٥٩)، وكذلك الحديث (٢١٣٤)، (٢٣٤٨) من حديث أبي هريرة. وانظر صحيح الترغيب (١/ ٦٨).


الصفحة التالية
Icon