﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١].
قلت: وهذا سرّ العبادة، الوقوف على بابه سبحانه عقب الزلل والوقوع، فإن الذنب كائن لا محالة، إذ الضعف يحيط بابن آدم وهو جزء من كيانه وهو من طبيعة تركيبه وخلقه. ففي صحيح مسلم عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: [لما صَوَّرَ الله تعالى آدمَ في الجنة تركه ما شاء الله أن يَتْرُكَه، فجعل إبليس يُطيفُ به، يَنْظُرُ إليه، فلما رآه أجوفَ، عرف أنه خَلْقٌ لا يَتمالك] (١).
ومن ثم فالسعيد من ألهمه الله التوبة وعَلَّمه حسن الكلام، وأعانه على سرعة الأوبة والإنابة.
وفي سنن الترمذيِ ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: [لما خلقَ الله آدا ونَفَخَ فيه الروحَ عطَسَ، فقال: الحمدُ لله، فحمدَ اللهَ بإذنه، فقال له ربُّه: يرحمُكَ الله يا آدم! اذهبْ إلى أولئك الملائكةُ، إلى ملأٍ منهم جلوس، فقل: السلام عليكم، قالوا: وعليك السلام ورحمةُ الله، ثم رجَع إلى ربه، فقال: إن هذه تَحِيَّتُكَ وتحيَّةُ بنيكَ بينَهم، فقال الله له، ويداه مقبوضتان: اخْتَر أيَّهما شِئْتَ، قال: اخترت يمينَ ربي، وكِلْتا يَدَيْ ربي يمينٌ مباركةٌ، ثم بسطها فإذا فيها آدمُ وذُرِّيَتُه، فقال: أي رب! ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذُرِّيَتُك، فإذا كلُّ إنسان مكتوبٌ عُمُرُهُ بينَ عينيه، فإذا فيهم رجلٌ أضوَؤهُم أو مِنْ أضوئِهم، قال: يا ربِّ مَنْ هذا؟ قال: هذا ابنُك داودُ، وقد كتبتُ له عُمْرَ أربعين سنَةً. قال: يا ربِّ زِدْ في عُمْره، قال: ذاك الذي كتبتُ له، قال: أي ربَّ فإني قد جَعَلْتُ له من عُمري ستين سنة، قال: أنتَ وذاكَ، ثم أُسكِنَ الجنةَ ما شاءَ الله، ثم أهْبِطَ منها، فكان آدمُ يَعُدُّ لنفسِه، فأتاه مَلَكُ الموت، فقال له آدمُ: قد تعجَّلتَ، قد كُتِبَ لي ألفُ سنةٍ. قال: بلى، ولكنك جعلت لابنكَ داودَ ستينَ سنة، فجَحَدَ، فجحدت ذُرِّيَّتُه، ونَسِيَ فنسيت ذُرِّيَّتُه، فمِنْ يومَئذٍ أُمِرَ بالكتابِ والشُّهود] (٢).
(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٨٣) - كتاب التفسير. وانظر تخريج المشكاة (٤٦٦٢)، ورواه الحاكم وغيره. انظر صحيح الجامع الصغير (٥٠٨٥).