قلت: ولا مانع من اشتمال الكلمة على المعنيين معًا: اللذة والحلال. وإليه ذهب القرطبي بقوله: (والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ). وقال النسفي: (﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ لذيذات أو حلالات ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾).
وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
قيل: هناك اختصار في الكلام دلّ عليه ما بعده. والتقدير: قلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا وعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر بل بالمعاصي والبطر، فظلموا بذلك أنفسهم. فإن النعم تقابل بالعبادة والشكر، كما قال جل ثناؤه في سورة سبأ: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ.. ﴾.
قال القاسمي: (أي فظلموا بأن أكثروا من التضجر والتذمر على ربهم وشكوى سكناهم في البرية وفراقهم مصر).
وقال ابن كثير: (ومن ههنا تتبين فضيلة أصحاب محمد - ﷺ - ورضي الله عنهم، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على النبي - ﷺ -، لكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم، فجاء قدر مَبْرك الشاة، فَدعا الله فيه، وأمرهم فملؤوا كل وعاء معهم، وكذلك لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءت سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أسقيتهم. ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول - ﷺ -).
قلت: وقد أجاد الحافظ ابن كثير رحمه الله بهذا المفهوم، فإن الله سبحانه يحب من عباده مباشرة الأمر والامتثال، ومتابعة رسله بالأفعال والأقوال، ثم إن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا، ولن يغلب عسر يُسْرَين.
ففي المسند وصحيح الحاكم عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [النصر مع الصبر، والفَرَج مع الكرب، وإن مع العسر يُسرًا، (وإن مع العسر يسرا)] (١).