قلت: والراجح عندي ما جاء به النص، وهو قوله تعالى عنهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ فسمّوا بذلك لرجوعهم آنذاك وتوبتهم، ومثله قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ أي تابوا.
وقوله: ﴿وَالنَّصَارَى﴾.
جمع، واحدهم نَصْران، كما واحد السَّكارى سكران، ولكن اشتهر في كلام العرب في واحد "النصارى" نصْراني، وفيه أقوال:
١ - قال ابن جريج: (إنما سُمّوا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها "ناصرة"). وقال قتادة: (إنما سُمّوا نصارى، لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى بن مريم، فهو اسم تسمَّوا به، ولم يُؤمروا به).
قال الجوهري: (ونصران قرية بالشام ينسب إليها النصارى، ويقال ناصرة).
وجاء في الإنجيل "يسوع الناصري" نسبة إلي ناصرة، لأنه رُبِّي بها عليه السلام.
٢ - وقيل: سُمّوا بذلك لنصرة بعضهم بعضًا.
قال ابن كثير: (فلما بعث عيسى عليه السلام وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم).
٣ - وقيل: سمّوا بذلك لنصرتهم عيسى عليه الصلاة والسلام.
وفي التنزيل: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقد يقال لهم: أنصار أيضًا. قال النسفي: (سموا نصارى لأنهم نصروا المسيح).
قلت: والراجح عندي القول الأول، وإن كان القول الثالث يصدق عليهم أحيانًا، كما قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾، أي: ومن الذين ادّعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم عليه السلام وينصرونه وليسوا كذلك.
وقوله: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾.
جمع صابئ، وهو المستحدث سِوى دينه دينًا، كالمرتد عن دينه من أهل الإسلام، والعرب تسمي كل خارج من دين كان عليه إلى آخر صابئًا، وقد اختلف في المقصود بهم على أقوال:
١ - قال مجاهد: (الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى ولا دين لهم).


الصفحة التالية
Icon