١٠٩ - ١١٠. قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
في هذه الآيات: يوجّه الباري عَزَّ وَجَلَّ عباده المؤمنين إلى أخذ الحذر من مداخل الكفار من أهل الكتاب، ويكشف لهم عن ما تنطوي عليه أنفسهم من العداوة والبغضاء والغل والمكر والحسد، ثمَّ يأمر سبحانه عباده المؤمنين بالصفح والعفو حتى ينزل الفرج من الله بالنصر والظفر والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاستعداد للقاء الله جل ذكره.
وقوله: ﴿وَدَّ﴾. أي: تمنى.
و﴿كُفَّارًا﴾ مفعول به ثان لـ ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. أي: من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا أمروا به، وإنما فاضت به نفوسهم المريضة.
قال ابن عباس: (إن رسولًا أميًّا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات، ثمَّ يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا وحسدًا وبغيًا، وكذلك قال الله تعالى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقوله: من بعد ما أضاء لهم الحق، لَمْ يَجْهلوا منه شيئًا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فَعَيَّرهم ووبَّخَهم ولامهم أشدَّ الملامة).
وقال الربيع بن أنس: (﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: من قِبَلِ أنفسهم).
وقال أبو العالية: (﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: من بعد ما تبيّن أن محمدًا رسول الله يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا وبغيًا، إذ كان من غيرهم).
والحسد نوعان: مذموم ومحمود. فالمذموم ما كان فيه تمني زوال نعمة الله عن


الصفحة التالية
Icon