وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.
يعني: يقرأ عليهم كتابك الذي توحيه إليه.
وقوله: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
يعني: القرآن والسنة.
قال ابن زيد: (﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، القرآن). وقال قتادة: (﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: أي السُّنة). وذكر ابن جرير عن ابن وهب قال: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: (المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له).
ثم ذكر قول ابن زيد: (﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الدين الذي لا يعرفونه إلا به - ﷺ -، يعلمهم إياها. قال: و (﴿وَالْحِكْمَةَ﴾، العقلُ في الدّين وقرأ: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. وقال عيسى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، قال: وقرأ ابن زيد: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، قال: لم ينتفع بالآيات، حيث لم تكن معها حكمة. قال: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ شيء يجعله الله في القلب، ينوِّر له به).
قلت: ولا منافاة بين القولين، فالفقه في الدين لا يكون إلا عن طريق السنة، ففيها بسط الأحكام والقواعد الشرعية وفهم مجمل القرآن.
أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، من حديث المقدام بن معديكرب، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [ألا إني أوتيتُ الكتاب ومثله معهُ، ألا يوشكُ رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالِ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا لا يحلُّ لكم لحمُ الحمار الأهلي، ولا كل ذي نابٍ من السَّبُعِ، ولا لُقطةُ معاهَدٍ، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يُقروه، فإن لم يُقروه فله أن يغصبهم بمثل قراه] (١).
فاشتمل هذا الحديث العظيم على بيان بعض الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا من الحكمة، وهي سنة النبي - ﷺ -، وهي الوحي الثاني من الله رب العالمين.

(١) حديثٌ صحيحٌ. أخرجه أبو داود في السنن (٤٦٠٤) -كتاب السنة، باب في لزوم السنة، وانظر صحيح أبي داود (٣٨٤٨)، ورواه أحمد. انظر تخريج المشكاة (١٦٣)، وصحيح الجامع (٢٦٤٠).


الصفحة التالية
Icon