قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: (كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلّوا العشاء، حَرُم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسًا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية) (١).
وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
قال ابن عباس: (يعني الولد). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (يعني الجماع). وقال قتادة: (وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم. أو قال: ما أحل الله لكم). وقال ابن عباس في رواية: (ليلة القدر).
قال ابن جرير: (وإنما يريد الله تعالى ذكره: اطلبوا الذي كتبتُ لكم في اللوح المحفوظ أنه يباحُ فيطلق لكم. وطلب الولد إنْ طلبه الرجل بجماعه المرأة، مما كتب الله له في اللوح المحفوظ. وكذلك إن طلب ليلة القدر، فهو مما كتب الله له. وكذلك إن طلب ما أحل الله وأباحه، فهو مما كتبه له في اللوح المحفوظ).
قلت: والراجح من السياق صرف الآية إلى الجماع وطلب الولد ومباشرة الرخصة بذلك.
وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
أخرج البخاري عن سَهْلِ بن سَعْدٍ قال: [أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وكان رجالٌ إذا أرادوا الصَّوْمَ ربطَ أحَدُهُمْ في رجْليه الخيطَ الأبيضَ والخيطَ الأسودَ، ولا يزال يأكُلُ حتى يتبَيَّنَ له رؤيتُهُما. فَأنزَلَ الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنما يعني الليلَ من النهار] (٢).
وأخرج البخاري عن عَدِيِّ بن حاتمٍ رضي الله تعالى عنه قال: [قلت: يا رسول الله، ما الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخَيْطانِ؟ قال: إنك لَعَرِيضُ القفا إن أَبْصَرتَ

(١) أخرجه الطبري (٢٩٤٨)، وفيه إرسال، لكن له شواهد ترقى به للحسن.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٥١١)، كتاب التفسير. وانظر الأحاديث قبله.


الصفحة التالية
Icon