اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود وبعد غدٍ للنصارى] (١).
وروى ابن جرير بسنده إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ قال: (فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد - ﷺ - ليوم الجمعة.
واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة. واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم عليه السلام، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى عليه السلام، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد - ﷺ - للحق من ذلك).
قلت: وما ذكره ابن زيد قد جاء ذكره في القرآن وفي السنة الصحيحة في مواضع شتى ومن ذلك هداية الله سبحانه هذه الأمة ليوم عيدها تكرمة لها من بين الأمم.
يروي ابن ماجة والبزار بسند صحيح عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله - ﷺ -: [أضل الله تبارك وتعالى عن الجمعة من كان قبلنا، كان لليهود يومُ السبت، والأحد للنصارى، فهم لنا تبع إلى يوم القيامة، نحن الآخِرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق] (٢).
وفي لفظ البزار: [نحن الآخرون في الدنيا، الأولون يوم القيامة، المغفورُ لهم قبل الخلائق].
وقال الربيع بن أنس: (﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على

(١) حديث صحيح. أخرجه عبد الرزاق في "التفسير" (٢٤٧)، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٧٤)، وأخرجه البخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥)، والنسائي (٣/ ٨٥)، وابن ماجة (١٠٨٣)، وغيرهم.
(٢) حديث صحيح. رواه ابن ماجة والبزار ورجالهما رجال الصحيح. انظر صحيح الترغيب (١/ ٧٠١).


الصفحة التالية
Icon