قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ﴾ ؛ قرأ سعيدُ بن جبير (لَمَّا) بتشديد الميمِ، وقرأ حمزةَُ (لِمَا) بكسر اللامِ والتخفيف، وقرأ الباقون بالفتحِ والتخفيفِ. فمن فَتَحَ وخفَّف فهي لامُ الابتداءِ أدخلت على (مَا)، كقولِ القائلِ : لَزَيدٌ أفضلُ من عمرٍو، و (مَا آتَيتُكُمْ) اسمٌ، والذي بعده صلةٌ. وجوابه :﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بهِ ﴾، وإن شئتَ جعلتَ خبر (مَا) من كتابٍ، وتكون (مِنْ) زائدة معناه : لِمَا آتيتُكم كتاباً وحكمةً. ثم ابتدأ فقال :(ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ) أي ثم إن جاءكم رسولٌ مصدِّق لِمَا معكُم لتُؤْمِنُنَّ بهِ، اللامُ لامُ القسَم ؛ تقديرهُ : وَاللهِ لَتُؤْمِنُنَّ بهِ، فوكَّده في أول الكلام بلام التوكيدِ وفي أجزاءِ الكلام بلاَمِ القسَم كأنه استحلَفَهم : وَاللهِ لَتُؤْمِنُنَّ بهِ. وأخذُ الميثاقِ في معنى التَّحليفِ ؛ لأن الْحِلْفَ وَثِيْقَةٌ، وموضع (مَا) في قولهِ (لِمَا) نُصِبَ بقوله (آتَيْتُكُمْ)، كأنهُ قالَ : لِلَّذي اتَيْتُكُمُوهُ مِنْ كِتَابٍ. وقال الزجَّاج :(هَذِهِ لاَمُ التَّخْفِيْفِ دَخَلَتْ عَلَى (مَا) لِلْجَزَاءِ ؛ وَمَعْنَاهُ : لَهُمَا آتَيْتُكُمْ). ودخولُ اللاَّم في الشَّرطِ والجواب للتوكيدِ كما في قولهِ تعالى :﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي والجواب للتوكيدِ كما في قولهِ تعالى :{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾[الإسراء : ٨٦] وكما يقولُ : لَئِنْ جئتَني لأكرمتُكَ.
ومن قرأ (لِمَا) بالكسر والتخفيف فهي لاَمُ الإضافةِ دخلت على (مَا) التي هي بمعنى الَّذي ؛ ومعناه : للَّذي أتيتُكم ؛ يعني : الذي أخذ ميثاقَ النبيين لأجْلِ الذي آتينَاهُم من كتابٍ وحكمةٍ ؛ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ ﴾ : قرأ نافعُ بالألف والنُّون على التَّعْظِيْمِ ؛ لأنَّ عِظَمَ الشَّأْنِ قد يُعَبرُ عن نفسِه بلفظِ الجمعِ. وقرأ الآخرونَ (آتَيْتُكُمْ). واختلفَ المفسِّرون في المعنِيِّ بهذه الآية، فقال قومٌ : إنَّما أخذ الميثاقَ على الأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ : أن يُصَدِّقَ بعضُهم بعضاً، ويأمُرَ بعضُهم بالإيْمان ببعضٍ، فذلك معنَى النُّصْرَةِ بالتصديقِ، وهذا قولُ ابن جُبير وطاوُوس وقتادةَ والحسنِ والسديِّ، يدلُّ عليه ظاهرُ الآية. قالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه :(لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبيّاً إلاَّ أخَذ عَلَيْهِ الْعَهْدَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، وَأخَذ الْعَهْدَ عَلَى قَوْمِهِ لَيُؤمِنُنَّ بهِ ؛ وَلَئِنْ بُعِثَ وَهُمْ أحْيَاءٌ لَيَنْصُرُنَّهُ).
وقال بعضُهم : إنَّما أخذ الميثاق على أهلِ الكتاب ؛ وهو قولُ مجاهدٍ والربيعِ قَالُواْ :(ألاَ تَرَى إلَى قولهِ :﴿ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ ﴾ إنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ مَبْعُوثاً إلَى أهْلِ الْكِتَاب دُونَ النَّبيِّيْنَ). وقال بعضُهم : إنَّما أخذ العهدَ على النبيِّين وأُمَمِهم ؛ واكتفَى بذِكْرِ الأنبياءِ عن ذكرِ الأُمم ؛ لأنَّ أخذ الميثاقِ على المتبُوعِ دلالةٌ على أخذهِ على الأتْبَاعِ، وهذا قولُ ابنِ عباس وهو أوْلَى بالصواب.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذالِكُمْ إِصْرِي ﴾ ؛ أي قالَ اللهُ تعالى لأنبيائهِ : أقْرَرْتُمْ بما أمرتُكُم به على ما قُلْتُ لكم وقَبلْتُمْ على ذلكم عَهْدِي.