سورة الممتحنة
وهي ثلاث عشرة آية مدنية
جزء : ٢٩ رقم الصفحة : ٥١٨
٥١٩
﴿الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن من جملة ما يتحقق به التعلق بما قبلها هو أنهما يشتركان في بيان حال الرسول صلى الله عليه وسلّم مع الحاضرين في زمانه من اليهود والنصارى وغيرهم، فإن بعضهم أقدموا على الصلح واعترفوا بصدقه، ومن جملتهم بنو النضير، فإنهم قالوا : والله إنه النبي الذي وجدنا نعته وصفته في التوراة، وبعضهم أنكروا ذلك وأقدموا على القتال، إما على التصريح وإما على الإخفاء، فإنهم مع أهل الإسلام في الظاهر، ومع أهل الكفر في الباطن، وأما تعلق الأول بالآخر فظاهر، لما أن آخر تلك السورة يشتمل على الصفات الحميدة لحضرة الله تعالى من الوحدانية وغيرها، وأول هذه السورة مشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات.
جزء : ٢٩ رقم الصفحة : ٥١٩
المسألة الثانية : أما سبب النزول فقد روي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، لما كتب إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم يتجهز للفتح ويريد أن يغزوكم فخذوا حذركم، ثم أرسل ذلك الكتاب مع امرأة مولاة لبني هاشم، يقال لها سارة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلّم من مكة إلى المدينة، فقال عليه السلام : أمسلمة جئت ؟
قالت : لا، قال : أمهاجرة جئت ؟
قالت : لا، قال : فما جاء بك ؟
قالت : قد ذهب الموالي يوم بدر ـ أي قتلوا في ذلك اليوم ـ فاحتجت حاجة شديدة فحث عليها بني المطلب فكسوها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب وأعطاها عشرة دنانير وكساها برداً واستحملها ذلك الكتاب إلى أهل مكة، فخرجت سائرة، فأطلع الله الرسول عليه السلام على ذلك، فبعث علياً وعمر وعماراً وطلحة والزبير خلفها وهم فرسان، فأدركوها وسألوها عن ذلك فأنكرت وحلفت، فقال علي عليه السلام : والله ما كذبنا، ولا كذب رسول الله، وسل سيفه، فأخرجته من عقاص شعرها، فجاءوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فعرضه على حاطب فاعترف، وقال : إن لي بمكة أهلاً ومالاً فأردت أن أتقرب منهم، وقد علمت أن الله / تعالى ينزل بأسه عليهم، فصدقه وقبل عذره، فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال صلى الله عليه وسلّم : ما يدريك يا عمر لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ففاضت عينا عمر، وقال : الله ورسوله أعلم فنزلت، وأما تفسير الآية فالخطاب في :﴿ذَالِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قد مر، وكذلك في الإيمان أنه في نفسه شيء واحد وهو التصديق بالقلب أو أشياء كثيرة وهي الطاعات، كما ذهب إليه المعتزلة، وأما قوله تعالى :﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ﴾ فاتخذ يتعدى إلى مفعولين، وهما عدوي وأولياء، والعدو فعول من عدا، كعفو من عفا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد، والعداوة ضد الصداقة، وهما لا يجتمعان في محل واحد، في زمان واحد، من جهة واحدة/ لكنهما يرتفعان في مادة الإمكان، وعن الزجاج والكرابيسي ﴿عَدُوِّى﴾ أي عدو ديني، وقال عليه السلام :"المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" وقال عليه السلام لأبي ذر :"يا أبا ذر أي عرا الإيمان أوثق، فقال الله ورسوله أعلم، فقال الموالاة في الله والحب في الله والبغض في الله" وقوله تعالى :﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ فيه مسألتان :
جزء : ٢٩ رقم الصفحة : ٥١٩
المسألة الأولى : قوله :﴿تُلْقُونَ﴾ بماذا يتعلق، نقول : فيه وجوه الأول : قال صاحب النظم : هو وصف النكرة التي هي أولياء، قاله الفراء والثاني : قال في الكشاف : يجوز أن يتعلق بلا تتخذوا حالاً من ضميره، وأولياء صفة له الثالث : قال ويجوز أن يكون استئنافاً، فلا يكون صلة لأولياء، والباء في المودة كهي في قوله تعالى :﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادا بِظُلْمٍ﴾ (الحج : ٢٥) والمعنى : تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلّم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، ويدل عليه :﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾.
المسألة الثانية : في الآية مباحث الأول : اتخاذ العدو ولياً كيف يمكن، وقد كانت العداوة منافية للمحبة والمودة، والمحبة المودة من لوازم ذلك الاتخاذ، نقول : لا يبعد أن تكون العداوة بالنسبة إلى أمر، والمحبة والمودة بالنسبة إلى أمر آخر، ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ (التغابن : ١٤) والنبي صلى الله عليه وسلّم قال :"أولادنا أكبادنا" الثاني : لما قال :﴿عَدُوِّى﴾ فلم لم يكتف به حتى قال :﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾ لأن عدو الله إنما هو عدو المؤمنين ؟
نقول : الأمر لازم من هذا التلازم، وإنما لا يلزم من كونه عدواً للمؤمنين أن يكون عدواً لله، كما قال :﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾، الثالث : لم قال :﴿عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ﴾ ولم يقل بالعكس ؟
فنقول : العداوة بين المؤمن والكافر بسبب محبة الله تعالى ومحبة رسوله، فتكون محبة العبد من أهل الإيمان لحضرة الله تعالى لعلة، ومحبة حضرة الله تعالى للعبد لا لعلة، لما أنه غني على الإطلاق، فلا حاجة به إلى الغير أصلاً، والذي لا لعلة مقدم على الذي لعلة، ولأن الشيء إذا كان له نسبة إلى الطرفين، فالطرف الأعلى مقدم على الطرف الأدنى، الرابع : قال :﴿أَوْلِيَآءَ﴾ ولم يقل : ولياً، والعدو والولي بلفظ، فنقول : كما أن المعرف بحرف التعريف / يتناول كل فرد، فكذلك المعرف بالإضافة الخامس : منهم من قال : الباء زائدة، وقد مر أن الزيادة في القرآن لا تمكن، والباء مشتملة على الفائدة، فلا تكون زائدة في الحقيقة.
جزء : ٢٩ رقم الصفحة : ٥١٩


الصفحة التالية
Icon