ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] يَعْنِي أَنَّ الْبَرْقَ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ، وَجَعَلَ الْبَرْقَ لِإِيمَانِهِمْ مَثَلًا. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمُ الْإِيمَانُ وَإِضَاءَتُهُمْ لَهُمْ أَنْ يَرَوْا فِيهِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَإِصَابَةِ الْغَنَائِمِ فِي الْمَغَازِي، وَكَثْرَةِ الْفُتُوحِ، وَمَنَافِعِهَا، وَالثَّرَاءِ فِي الْأَمْوَالِ، وَالسَّلَامَةِ فِي الْأَبْدَانِ وَالْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ، فَذَلِكَ إِضَاءَتُهُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنَ الْإِقْرَارِ ابْتِغَاءَ ذَلِكَ، وَمُدَافَعَةً عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١]
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] مَشَوْا فِي ضَوْءِ الْبَرْقِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلٌ لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا. فَمَعْنَاهُ: كُلَّمَا رَأَوْا فِي الْإِيمَانِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا، ثَبَتُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ، كَمَا يَمْشِي السَّائِرُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَظُلْمَةِ الصَّيِّبِ الَّذِي وَصَفَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، إِذَا بَرَقَتْ فِيهَا بَارِقَةٌ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ فِيهَا ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ﴾ [البقرة: ٢٠] يَعْنِي ذَهَبَ ضَوْءُ الْبَرْقِ عَنْهُمْ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {عَلَيْهِمْ